حقيقة العرب كأنصاف عراقيين وأنصاف مصريين؟!

*تحديد الموقف من النزعة «الفرعونية» لا يكون بمعزل عما جاء بموسوعة «شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان»؛ للعالم الراحل جمال حمدان؛ تجاوز فيها تخصصه الجغرافي، وحلق في سماء الفلسفة والمعارف بأجناسها المختلفة. وأزاح عبرها ما لحق بالعرب والمصريين من تشوهات وافتراءات. وعالج إشكالية «الاستمرار والانقطاع» في التاريخ المصري القديم؛ بما ترتب عليها من قراءة مغلوطة لتاريخ المنطقة العربية، فاستمرار سلسلة حكم الأسر الفرعونية التي بدأت بالأسرة الأولى عام 3150 ق.م وانقطعت بالأسرة الواحدة والثلاثين، والاحتلال الفارسي في 525 ق.م. ودخول الاسكندر الأكبر عام 332 ق.م، ومجيء موته المبكر عام 323 ق.م. ليقسم امبراطوريته على قادته الثلاثة.. وكانت مصر من نصيب بطليموس الأول؛ أول ملوك البطالسة، الذين انتهوا بانتحار كليوباترا (السابعة)، وسقوط الحكم اليوناني الروماني، وتحَول مصر إلى مقاطعة تابعة لروما سنة 30 ق.م. وبانقسام الامبراطورية الرومانية إلى غربية وشرقية (بيزنطية) أضحت القسطنطينية (روما الجديدة)، عاصمة الدولة البيزنطية، وذلك الانقطاع دام أكثر من ألف عام؛ من سنة 525 ق.م حتى 641 م.. تاريخ الفتح العربي..
عالج الدكتور جمال حمدان إشكالية الاستمرارية والانقطاع بالقول: «الاستمرارية المادية التي سادت التاريخ المصري لفترة طويلة.. ولا ينبغي أن تغفل عن ذلك الانقطاع اللامادي الهام للغاية في الحياة الثقافية والروحية.. والانقطاع لم يكن بالمعنى الجنسي بقدر ما كان بالمعنى الحضاري».
ويضيف: «التعريب والتبشير بالإسلام كان أبطأ وأقل مدى في مصر منه في بلد كالعراق، الذي هو أقرب موقعاً إلى البلد الأم وأدخَلْ موضعاً للبدو والرعاة.. ولكن هذا الانقطاع يظل أعظم حقيقة في تاريخ مصر الثقافي والروحي، ويمثل نقطة تحول حاسمة وخط تقسيم في وجودنا اللامادي. ولابد أن ندرك أن إهمال هذه الحقيقة أو الاهتمام بها قد أصبح له مغزاه السياسي الخطير.. فهناك من يبالغ في جانب الاستمرارية في كياننا لا ليبرز أصالة ما ولكن ليقلل من جانب الانقطاع، وبالتالي ليضخم في البعد الفرعوني، فيبعدنا بذلك عن عروبتنا ويطمس معالمها.. هم يفعلون ذلك حين يتساءلون في كلام له خبئ؛ فرعونية أم عربية؟».
ويواصل: «نود أن نضيف بين قوسين؛ إنهم قد يخفون نفس السؤال وراء قضية أخرى جديدة هي المقابلة بين الوحدة العربية والوحدة الإفريقية، فهم يرتبون على المقدمات السابقة؛ أن مصر ليست عربية ولكنها مستعربة.. ليست عربية ولكنها متكلمة بالعربية.. ليست عربية ولكن أشباه عرب.. ولقد اندثرت كلمة «المستعرب في المغرب الأوربي، ولكن هناك الآن من يبدو أنه يعمل لبعثها في المشرق العربي!. والهدف من كل هذه الدعاوى هو دائماً تخريجات سياسية واضحة ترمي إلى التشكيك في عروبة مصر وبالتالي إلى عزلها عن العالم العربي»..
«إن مصر لم تكن الوحيدة التي أثير حولها هذا الجدل، فالسودان وصف بأنه إفريقي وليس عربياً.. والمغرب زعموا أنه بربري لا عربي، وقيل إن لبنان حيناً والشام حيناً آخر فينيقي أو سوري وليس عربياً.. والعراق كذلك لم ينج من الاتهام.. بمعنى آخر أن كل أجزاء العالم العربي خارج الجزيرة العربية دمغت بصورة أو بأخرى بأنها ليست عربية ولكنها مستعربة على أساس أن السكان قبل التعريب لم يكونوا عرباً «جنسياً» .
ويستطرد: «هذا الأساس ينهار من اللحظة التي يتطلب فيها «عروبة جنسية»، فالعروبة مضمون ثقافي لا جنسي أولاً.. ومع ذلك فكل الغطاء البشري الذي يغطي ما يُعتبَر الآن العالم العربي هو أساساً فرشة واحدة من جذر واحد.. وعلى الأقل فإن الاختلاط والانصهار الدموي بين العرب الوافدين والسكان الأصليين حقيقة تاريخية بعيدة المدى.. على أن الذي يكشف خواء المناقشة من أساسها ويجعلها جوفاء حقاً إنها تمثل معطف مزايدة وهروب.. ففي عقر دار العرب ستظل تجد « العرب العاربة» و«العرب المستعربة»!.. ولكنا لا نسمع من يقول إن عرب الشمال ليسوا عرباًُ ولكنهم متكلمون بالعربية، ولا ندري إلى أي مدى يمكن المضي في تجريد جــزء آخـــر من العــرب العاربة بدورها من أصالتها»..
ويكشف حمدان خلل ذلك المنطق: «أن هذا المنطق من شأنه أن يجعل العرب كالأمريكيين.. فهو يخلق في الذهن لنا في مصر شعبة فرعوبية (فرعونية- عربية). وفي العراق شعبة أشوربية (أشورية- عربية).. إلخ!! وكل هذا يتجاهل أكثر من ثلاثة عشر قرناً تجمع بين الجميع في إطار واحد يجُب مثل هذه العرقية الشعوبية.. وهو أكثر من هذا يتجاهل أن العروبة نقيض الأمريكية تماماً في أصولها.. فالأخيرة نشأت من هجرة أجزاء من شعوب متنافرة لتتصاهر وتنصهر معاً في بوتقة وطن جديد عبر المحيط، بينما العروبة قامت من هجرة جزء من شعب واحد لتتصاهر وتنصهر مع شعوب متباينة في أوطان قديمة متلاصقة.. الأولى تحولت إلى أوربا الصغرى بينما خلقت الثانية بلاد العرب الكبرى».
ويسأل: «أين الحقيقة إذن في عروبة مصر؟.. أين هي من الفرعونية القديمة؟.. فإذا بدأنا من البداية فإن أول ما يجابهنا هو أن الفرشة الجنسية الأساسية التي كانت تغطي نطاق الصحارى في العالم القديم من المحيط إلى الخليج؛ كانت الصحراء، التي تنتمي إلى أصل واحد متوسطي. وفي العصر المطير حين كانت الصحراء سافانا يسودها صيد الحجري القديم، كانت كثافة السكان مخلخلة جداً ولكنها كانت غطائية عالمية بصفة عامة، وفي هذا الإطار كانت الهجرة والترحل ظاهرة دائمة، ومن ثم كان الاختلاط الجنسي أساسياً ولا محل لعُزْلة أو نقاوة ما.. وكل الذي حدث بعد ذلك مع عصر الجفاف أن تجمعت كل مجموعة من هؤلاء السكان في رقعة محدودة، وبذلك تحول الغطاء العالمي إلى الأرخبيل الجزري الذي نعرفه الآن..
ومعنى هذا أنه حدث «تقَطُّع» في الغطاء القديم المتجانس جنسياً إلى عدة رقع متباعدة جغرافياً ولكنها تظل متجانسة جنسياً.. وهذا بالدقة مفتاح انثربولوجية عالمنا العربي. فشعوب المنطقة –قبل العرب والإسلام- هم أساساً وأصلاً أقارب انفصلوا جغرافياً، ابتداء من العراق إلى الشام إلى الجزيرة العربية ومن مصر إلى المغرب أو السودان.. والتوطن المحلي والمؤثرات الداخلية الموضعية والتزاوج الداخلي الذي حدث بعد ذلك، لايمكن أن ينتج أكثر من ابتعادات محلية ضئيلة لا تغير من وحدة الأصل الدموي وتجانس العرق، وإن تطورات اللغات والألسن ما بين سامي وحامي؛ يظل العالم العربي أو بيت العرب الجغرافي الكبير هو «دوار العرب». بمعنى الأسرة الموسعة التي تضم عدة أسر نووية أو خلوية. هذه واحدة..
أما الثانية فحقيقة تاريخية تؤكد السابقة وإن كنا نغفل عنها دائماً.. نحن نعرف –دينيا وتاريخيا- أن إسماعيل هو أبو العرب العدنانيين‪،‬ ولكنا نعرف أيضاً أنه ابن إبراهيم العراقي من هاجر المصرية. وإذا كان لهذا أي معنى أنثروبولوجي، فهل يمكن أن يكون إلا شيئاً واحداً، وهو أن العرب أصلاً أنصاف عراقيين أنصاف مصريين؟.. قد يبدو هذا للوهلة الأولى تخريجاً ثورياً.. ولكنه منطق أولى للغاية. وكم يبدو غريباً أن يلح من يلح على أن العرب واليهود «أبناء عمومة» لأن إسحق أبا اليهود أخ غير شقيق لإسماعيل أبي العرب. بينما نتغافل عن علاقة الأبوة والبنوة بين المصريين والعرب، فضلاً عن العلاقة غير المباشرة بين المصريين والعراقيين، على نفس الأساس.. وتأسيساً على هذا، فهل يكون تعريب العراق أو مصر فيما بعد إلا عملية زواج أقارب مباشرة، ولا نقول نوعاً من التلقيح الذاتي أو الزواج الداخلي على نطاق جغرافي عريض؟.
وإذا كانت هذه طبيعة العرب جنسيا.. فماذا عن التعريب ودور اللغة؟ إنه سوال يحتاج إلى إجابة!!.

٭ كاتب من مصر

حقيقة العرب كأنصاف عراقيين وأنصاف مصريين؟!

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية