يعشق الناس الحكايات حتى أن علموا زيفها، وقد تكون الحكاية من بذرة الحقيقة في الأصل إلا أنها تحرف وتضخم من قبل مختلقي الإثارة أو الذين يخدمون مصالحهم الشخصية أو الدينية أو السياسية، وتغدو الحكاية مختلفة تماما عن بداياتها.
ولا يخلو العراق من هذه الظاهرة كغيره من البلدان، ومن الطبيعي أن تكون أغلبية الحكايات عن الشخصيات الشهيرة في الماضي، لأنهم لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم بعد وفاتهم، وقد يكون هناك من يقسم أن الحكاية صادقة، بل أنه كان شاهدا عليها، وكم هو كبير عدد الكذابين في العالم. وسوف نذكر هنا بعض الحكايات التي ذكرت في التاريخ العراقي الحديث:
وصية الملك فيصل الأول
من أكثر الشخصيات التي حيكت عنها الحكايات واختلقت عنها الأكاذيب كان الملك فيصل الأول (1883 1933) الذي أصبح عام 1921 أول ملك على العراق، والذي كان محاطا بخيرة رجال العراق، الذين عرفوا بوطنيتهم ونزاهتهم وأشهرهم نوري باشا السعيد والأخوة السويدي وعبدالمحسن السعدون وجعفر العسكري وياسين الهاشمي. وقد عرف فيصل بحدة الذكاء وحسن الخلق وبرودة الأعصاب وقابليته على كسب ود من حوله.
ولنبدأ بحكاية لطيفة انتشرت بين الناس بمختلف مستوياتهم، وأثارت إعجابهم بفيصل، وهي حكاية الوصية التي تركها فيصل للشعب العراقي قبيل وفاته، داعيا فيها الشعب إلى وحدة الصف. وتمتاز هذه الحكاية بكونها رسمية لأنها أعلنت في العراق من قبل الإعلام الرسمي وأصبحت بالغة الشهرة في التاريخ العربي بشكل عام والعراقي بشكل خاص. ولكنه وللأسف الشديد لم تكن هنالك وصية وكانت الحكاية بأكملها ملفقة. فقد كان فيصل مريضا جدا قبيل وفاته، وآخر ما كان من الممكن أن يفكر فيه ويستطيع عمله كان كتابة وصية. ولكن ما هي حقيقة حكاية هذه الوصية؟ لقد كان فيصل يوم وفاته 3/9/1933 في مدينة برن السويسرية آنذاك مع حاشية ضمت وزير الخارجية، نوري السعيد، ورستم حيدر وتحسين قدري (رئيس التشريفات) وآخرين، بالإضافة إلى سكرتير الوفد العراقي الدائم في عصبة الأمم في جنيف، موسى الشابندر، الذي أصبح بعد ذلك وزيرا للخارجية وكاتبا شهيرا. وعندما توفي فيصل حزن الجميع، خاصة أن هذه الوفاة كانت الوفاة الملكية الأولى في تاريخ العراق الحديث، ففكر نوري ورستم وموسى بأنه من غير اللائق أن يموت فيصل كشخص عادي وقرروا اختلاق وصية لطيفة تليق بمقامه الملكي وتشجع الشعب العراقي على المواصلة والبناء ووحدة الصف الخ. وهكذا تم الاتفاق على كتابة وصية تعزى إلى الملك المتوفى. وكلف موسى الشابندر بصياغتها وتمت الحكاية وانطلت على الجميع، ويا ترى كم من الأقوال المأثورة في التاريخ تشابه في أصلها كذبة وصية فيصل المسكين. وقد صدق الجميع هذه الوصية، حتى كشف موسى الشابندر الحقيقة في كتاب شهير يدعى «ذكريات بغدادية».
وهناك أيضا حكاية مذكرات الملك، التي زعم أنها سرقت من قبل خادمه الأرمني بعيد وفاته، بينما الحقيقة كانت أن فيصل لم يكتب أي مذكرات، فقد عانى من سوء حالته الصحية وانكبابه على العمل، ولم يفكر يوما بكتابة مذكرات، وقد يكون هذا حال مذكرات كثير من المشاهير التي تظهر بعد وفاتهم، وأرجو ألا تظهر فجأة الآن أي مذكرات مزعومة لفيصل. وكذلك حكاية المجوهرات التي زعم أنها كانت بحوزة الملك وأنها قد سرقت ثم عثر عليها لدى أحد مرافقيه، وفي الحقيقة أنه لم يكن لهذه المجوهرات وجود سوى في خيال من قال هذه الحكاية.
لقد حزن أغلبية العراقيين لوفاة فيصل، الذي أحبوه مثلما أحبهم وكنوا له بالغ الاحترام فكان فيصل رمز الدولة العراقية وصاحب حكمت تنامي الشعور الوطني والقومي في العراق.
الأمم المتحدة وأرشد العمري
المهندس ارشد العمري (1888 1978) سليل أشهر عائلة في العراق، وأشهر أمين عاصمة لبغداد، والأفضل في الإدارة والأكثر حزما وإصرارا على تنفيذ خطط تطوير البلاد، مهما سبب ذلك من ضيق للآخرين، وأصبح رئيسا للوزراء مرتين، إلا أنه لم يكن سياسيا ناجحا، نظرا لأصراره على آرائه المثالية. ولا يشك أحد في وطنية ونزاهة أرشد إلا أن فقدانه للحس السياسي كان واضحا، وله حكاية شهيرة مع الأمم المتحدة، فعندما كان وزيرا للخارجية ترأس وفد العراق إلى مؤتمر سان فرانسسكو لتأسيس الأمم المتحدة في 26/6/1945 وكان في عضوية الوفد علي جودت الأيوبي (رئيس وزراء سابق) ونصرت الفارسي (وزير خارجية سابق) ومحمد فاضل الجمالي (مدير الخارجية العام ونائب رئيس الوفد وبعد ذلك رئيسا للوزراء). ولكن ما أن اطلع أرشد على الميثاق حتى رفضه بشدة، حيث وجده منتقصا من استقلال العراق ولا يرقى إلى مبادئه الوطنية، ولذلك رفض التوقيع على الميثاق بالنيابة عن العراق، مما اثار اعتراض الآخرين من أعضاء الوفد وحدث جدال بين الطرفين، خاصة أن أرشد تمسك برأيه وقد تفاقم الخلاف وكذلك الضغط على أرشد حتى اضطر إلى الاستقالة من رئاىسة الوفد، ليحل محله الجمالي الذي وقع الميثاق على الفور ليصبح العراق عضوا في الأمم المتحدة.
وقد أصبح ارشد العمري رئيسا للوزراء عام 1952 واستقال في السنة نفسها بسبب اضطرابات، ليخلفه رئيس أركان الجيش العراقي نورالدين محمود، الذي استخدم الجيش لضبط الأمور وإنهاء الاضطرابات. ولكن من أين لنورالدين الدراية السياسية التي كانت تمكنه من تحقيق هذا الأمر. وللإجابة على هذا السؤال علينا الاستنتاج من حادثة مثيرة للاهتمام، ففي يوم الإعلان عن وزارة نورالدين كان نورالدين واقفا مع قادة الجيش العراقي والوزراء وبعض الشخصيات في وزارة الدفاع، فإذا بأحدهم يصيح وبصوت أجش وحازم «نورالدين» فنظر الحاضرون إلى مصدر الصوت وإذا به نوري باشا السعيد (الذي لم يكن يشغل أي منصب رسمي آنذاك) فتجمد نورالدين وكأن صاعقة قد أصابته وتوجه إلى نوري بخطى سريعة والقى تحية عسكرية مدوية ثم قال «نعم باشا»، فعرف الجميع من هو رئيس الوزراء الحقيقي.
مصطفى جواد وشكيب أرسلان
يغير الناس أصولهم حسب مصلحتهم، وكم من الناس يخترعون أصولا لهم من نسج الخيال وبدون أي إثبات تاريخي، ونسرد هنا قصة مضحكة حول هذا الموضوع ذكرها مير بصري في كتابه المعنون «أعلام الأدب في العراق الحديث». فقد كتب السياسي والأديب الشهير شكيب أرسلان (1869 1946) الذي يدعي كونه سليل ملوك الحيرة مقالا قبيل الحرب العالمية الثانية وكان من الذين قرأوا المقال العلامة واللغوي الشهير مصطفى جواد (1904 1969) الذي كان آنذاك يحضر لشهادة الدكتوراه في باريس، فقام مصطفى بنشر نقد لذلك المقال، إلا أن شكيب لم يستسغ النقد وشعر بالإهانة فسخر من ذلك الشاب المجهول الذي تجرأ على نقده. ولكن مصطفى لم يكن من الذين يتجنبون تبادل الهجمات فكتب رسالة لشكيب يصر فيها على آرائه ومتهما شكيب فيها بعدم وجود ما يثبت نسبه إلى ملوك الحيرة، بل أنه دحض ادعاء النسب بالدليل التاريخي بإسهاب وتفصيل. وقد كان لرسالة مصطفى وقع الصاعقة على شكيب فتراجع عن موقفه واعتذر لمصطفى طالبا منه عدم نشر رسالته والشك بنسب عائلة أرسلان ومعترفا له بسعة علمه.
كاتب عراقي
زيد خلدون جميل