حكاية الخليفة والوالي الفقير … مفارقات السلطة والمال

حجم الخط
3

جاء في كتاب «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء» للحافظ الأصفهاني، أن الخليفة عمر بن الخطاب، ولّى سعيد بن عامر بن جُذيم الجُمحي مدينة حمص، ولما قدم إليها الخليفة ليرى أحوال أهلها، سألهم عن رأيهم بأميرهم، (قالوا نشكو ثلاثاً : لا يَخْرُجُ إِلَيْنا حَتَّى يَتَعالَى النَّهارُ، قالَ: أَعْظِمْ بِها، قالَ: وَماذا؟ قالُوا: لا يُجِيبُ أَحَدابِلَيْلٍ، قالَ: وَعَظِيمَةٌ، قالَ: وَماذا؟ قالُوا: وَلَهُ يَوْمٌ فِي الشَّهْرِ لا يَخْرُجُ فِيهِ إِلَيْنا، قالَ: عَظِيمَةٌ، قالَ: فَجَمَعَ عُمَرُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَقالَ: اللهُمَّ لا تُقْبَلْ رَأْيِي فِيهِ الْيَوْمَ، ما تَشْكُونَ مِنْهُ؟ قالُوا: لا يَخْرُجُ إِلَيْنا حَتَّى يَتَعالَى النَّهارُ، قالَ: «واللهِ إِنْ كُنْتُ لَأَكْرَهُ ذِكْرَهُ، لَيْسَ لِأَهْلِي خادِمٌ فَأَعْجِنُ عَجِينِي ثُمَّ أَجْلِسُ حَتَّى يَخْتَمِرَ ثُمَّ أَخْبِزُ خُبْزِي، ثُمَّ أَتَوَضَّأُ ثُمَّ أَخْرَجُ إِلَيْهِمْ» فَقالَ: ما تَشْكُونَ مِنْهُ؟ قالُوا: لا يُجِيبُ أَحَدابِلَيْلٍ، قالَ: ما تَقُولُ؟ قالَ: «إنْ كُنْتُ لَأَكْرَهُ ذِكْرَهُ، إِنِّي جَعَلْتُ النَّهارَ لَهُمْ وَجَعَلْتُ اللَّيْلَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قالَ: وَما تَشْكُونَ؟» قالُوا: إِنَّ لَهُ يَوْمافِي الشَّهْرِ لا يَخْرُجُ إِلَيْنا فِيهِ، قالَ: ما تَقُولُ؟ قالَ: «لَيْسَ لِي خادِمٌ يَغْسِلُ ثِيابِي، وَلا لِي ثِيابٌ أُبَدِّلُها، فَأَجْلِسُ حَتَّى تَجِفَّ ثُمَّ أَدْلُكُها ثُمَّ أَخْرَجُ إِلَيْهِمْ مِنْ آخِرِ النَّهارِ» «فَقالَ عُمَرُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُفَيِّلْ فَراسَتِي، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينارٍ وَقالَ: اسْتَعِنْ بِها عَلَى أَمْرِكَ، فَقالَتِ امْرَأَتُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَغْنانا عَنْ خِدْمَتِكَ، فَقالَ لَها: «فَهَلْ لَكِ فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ نَدْفَعُها إِلَى مَنْ يَأْتِينا بِها أَحْوَجَ ما نَكُونُ إِلَيْها» قالَتْ: نَعَمْ، فَدَعا رَجُلامِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ يَثِقُ بِهِ فَصَرَها صُرَراثُمَّ قالَ: انْطَلِقْ بِهَذِهِ إِلَى أَرْمَلَةِ آلِ فُلانٍ، وَإِلَى يَتِيمِ آلِ فُلانٍ، وَإِلَى مِسْكِينِ آلِ فُلانٍ، وَإِلَى مُبْتَلَى آلِ فُلانٍ، فَبَقِيَتْ مِنْها ذَهَبِيَّةٌ فَقالَ: «أَنْفِقِي هَذِهِ» ثُمَّ عادَ إِلَى عَمَلِهِ، فَقالَتْ: أَلا تَشْتَرِي لَنا خادِمًا، ما فَعَلَ ذَلِكَ الْمالُ؟ قالَ: «سَيَأْتِيكِ أَحْوَجَ ما تَكُونِينَ» ).
إن قراءة الملاحظ تبيّن أن الحكاية بنيتْ على مجموعة من المفارقات المخالفة للسائد في تجربة الناس في حياتهم. وهذه المفارقات هي التي شدّت انتباه الوعي الشعبي لتلك الحكاية ومثيلاتها، كما أنها هي التي دفعت المتلقي إلى التمتع بمسافاتها الجمالية؛ لما تحققه من إثارة تأخذه إلى حلمه بالعدل والإنصاف والنزاهة والطهارة المفقودة في واقعه، خاصة ما يتعلق من ذلك بالسلطة بوصفها الحارس على تطبيق العدل والطهارة، وليست الناهب أو الظالم، أو الفاسد.
وأولى تلك المفارقات المتوالدة هي العلاقة التضادية وغير الواقعية، بحكم التجربة الحياتية، وتتمثل بـ»الإمارة والفقر» أو «السلطة والفقر»، فالتجربة البشرية تبيّن ارتباط السلطة بالمال، وحيث تكون السلطة يكون المال، والعكس صحيح، أما ما تطرحه الحكاية فهو فك الارتباط بين السلطة والمال. وهنا تكمن المفارقة، فسعيد بن عامر أمير حمص يصنفه أهل حمص بين الفقراء في قائمتهم، إلى درجة تثير سؤالا استنكاريا من قبل الخليفة ذاته، إذ يقول «أميركم فقير؟ فيقول الوفد «نعم والله! إنه تمر عليه الأيام الطوال ما توقد في بيته نار ولا يُطبَخ طعام». فالمفارقة تدهش الخليفة، وتدفعه إلى البكاء، كما أدهشت قبله الوفد ذاته، ولذلك بدأ بجوابه للخليفة «نعم والله» تأكيدا وخشية من عدم تصديقه من قبل الخليفة.
ولأن هذه المفارقة تبدو غريبة ومدهشة إلى حدود الصورة العجائبية، كان لابد للسارد من تأكيدها عبر مجموعة من المفارقات التي يتسم بها حاملها سعيد بن عامر حتى تكتمل الصورة المثلى التي تغري الوعي الشعبي بالتعلّق بمأثوراته التاريخية بشكل عام والدينية منها بشكل خاص. ويمكن أن نسمي تلك المفارقات المتولّدة، بمفارقات إسنادية، غايتها تأكيد ودعم المفارقة الأولى «الإمارة والفقر»، حيث تأتي أولى المفارقات التالية من الفقر والحاجة، ونقيضها هو الاستغناء. فالخليفة بعد سؤاله الاستنكاري «أميركم فقير؟ يبادر بإرسال صرة فيها ألف دينار إلى سعيد بن عامر ليسد بها حاجته، والسياق الطبيعي، أن يأخذها سعيد، ولكنه يدهش المتلقي بتوزيعها على من هم بحاجة إليها من أهل حمص، وبالتالي فهو يستغني عنها وهو بحاجة إليها، ليعزز صورته المثلى وينقل حالة الفقر عنده من واقع مادي إلى مثُل معنوية يجب تمثلها ومدحها وليس إدانتها أو استهجانها أو التذمر منها.
إن ذلك السلوك يقدم مفهوما جديدا للغنى والفقر، لا يرتبط بالتعلق بالحياة كما هو شأن سائر البشر، وإنما يرتبط بالقيم الدينية الخيّرة القائمة على غنى النفس، أما الغنى المادي فهو مكسب دنيوي والقبول به هو إقبال على الدنيا، «قال سعيد: إنا لله وإنا إليه راجعون. وكأنه قد أصابته مصيبة»، ثم قال: «دخلت عليّ الدنيا لتفسد آخرتي» فالمفارقة الإسنادية الأخرى هنا هي في أن «الرزق ضد المصيبة» وتلك مفارقة لسياق ارتباط الرزق بالخير والنعيم.
بعد ذلك يأخذ السرد في الحكاية بمفارقات إسنادية تعزيزية أكثر إدهاشا، لا ترتبط بعلاقة السلطة بالمال وإنما بتعزيز الصورة الشمولية للأمير أو السلطان أو صاحب الأمر الذي تفوق سماتها الخُلقية مشروعية حكمه أكثر مما يُطلب منه أو ما يُتوقّع إنجازه، حين يستمع الخليفة إلى الشكاوى التي تقدم من وفد حمص على أميرهم سعيد بن عامر… وتحددها الحكاية بثلاث:
1 ـ يخرج على الناس متأخرا في النهار
2 ـ لا يرد على أحد في الليل
3 ـ له يوم في الشهر لا يقابل فيه أحدا
توحي الشكاوى الثلاث بأن سعيد بن عامر لا يهتم كثيرا بأهل حمص، فلا يسمعهم ولا يخصص كل وقته لهم، على الخليفة إذاً أن يعاقبه بالعزل، ولكن أجوبة سعيد بن عامر كشفت عن مفارقات إسنادية مهمة في توضيح صورة السلطان العادل، المنصف، الزاهد، الخاشع.
ففي تأخره في الخروج لهم في النهار، يقول «ليس لأهلي خدم، فأنا أعجن معهم عجيني، ثم انتظر حتى يخمر، ثم أخبز لهم، ثم أتوضأ وأخرج إلى الناس» والمفارقة هنا في تواضع الأمير، والناس اعتادوا على ترفعه، وفي طبيعته الإنسانية الرحيمة، على خلاف ارتباط السلطة بالقسوة والكبرياء، إضافة إلى أنها تعزز فكرة الاكتفاء ومفارقة «السلطة والفقر» المركزية. وعن أنه لا يرد على أحد في الليل، يقول سعيد بن عامر «إني جعلت النهار لهم، وجعلت الليل لله عز وجل»، ومن يتصف بذلك يؤمل منه العدل وليس الظلم، كما توحي الشكوى، وتكون المفارقة «الغياب في الليل هو تعزيز للعدل».
وعن غيابه ليوم في الشهر لا يقابل فيه أحدا، يقول سعيد «ليس لي خادم تغسل ثيابي، وليس عندي ثياب غير التي عليّ، ففي هذا اليوم أغسلها وانتظر حتى تجف».
وبذلك تشكل المفارقة المركزية وإسناداتها بنية الحكاية، من حيث قدرتها على الحياة، عبر تحقيق حلم الوعي الشعبي بالعدل، بوجود سلطان لا يربط بين السلطة والمال، ولا يعزز سلطته بالاستئثار والتجبر أو الإهمال، وهو ما لا يعيشه في واقعه وتجربته الحياتية، مما يخلق لديه المفارقة بين الواقع والحلم، الحلم الذي ينتظر تحقيقه.

كاتب سوري

يوسف إسماعيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية