حكاية الشاعر حلمي سالم: الراديكالي الحالم بالثورات

حجم الخط
2

لم يمهل الزمن الشاعر المصري حلمي سالم، الذي ينتمي لجيل السبعينيات، الوقت ليكمل مشواره الإبداعي، الحالم بالتغيير الشعري والفني والفكري والسياسي. بدأ حياته الشعرية في مطلع السبعينيات، ناشطاً شعرياً بطريقة لافتة ولامعة، وحالماً راديكالياً باليسار المصري الذي تعرّض لهزات كبرى، منذ شهدي عطية، ليدخل من أجل الفكرة الثورية إلى المعتقلات، قابعاً وراء «الجدران العالية» .
ولعل القاء نظرة واسعة وشاملة على الجيل الشعري السبعيني العربي، كاف لأن يرينا، كم هو هذا الجيل المُغيّر والمجدد على الصعيد الشعري العربي، كان منتمياً بكل جوارحه لليسار والمعرفة النيّرة التي نادى بها من أجل سعادة البشرية التي كادت الفاشية العالمية أن تمحقها، معرفة سادت كل مناهجه التي بشّر بها وكان يطرحها عبر نظرياته وأدبياته وطرق التثقيف الكثيرة التي خبرها دون شك الشاعر حلمي سالم.
تحت أفق هذا النظرة المنيرة، سار حلمي سالم، منخرطاً مع الثائرين، المدافعين عن حقوقهم التاريخية، حقوق مصادرة الأرض المباركة، أرض البرتقال والزيتون والشمس، وأرض يسوع الطفل، والتراب الذي أضاءته المعارج والكواكب السماوية. هناك، في بيروت المتوهجة تحت قوسها البحري وموجتها الفيروزية، رأيته مرة ثانية بعد القاهرة، في نهاية السبعينيات، رأيته يعمل وينافح ويكتب بواسطة شريانه ونبضات قلبه الذي خانه وهو في أوج نشاطه الإبداعي والجمالي والفني.
كان لقاؤنا في الجريدة اليومية ذات التوجه الثوري، التحريضي والسياسي للقضية الفلسطينية، جريدة «المعركة»، التي كان يزوّدها الأدباء والكتاب والصحافيون العرب المقيمون في بيروت اثناء الحصار الإسرائيلي عام 82، بمقالات يومية تحمل حس التحدي والمقاومة والإصرار على البقاء، كي تبقى الجريدة تؤدي دورها عبر فعل المقاومة بالكلمات، تلك الكلمات التي كانت تتأهب واثبة، وواثقة مما تحمل من شرار التعبير، مؤدية دوراً هاماً لا يقلّ بمحتواه وبما يحمله من ذخيرة دلالية وجمالية عن دور السلاح المقاوم.
أما الفتاة اللبنانية التي سوف يقترن بها فيما بعد لتكون زوجته، فكانت هي الأخرى فتاة ثورية، وكنا نعرفها قبل أن يقترن الشاعر حلمي سالم بها، كانت توزع جريدة «صوت الشغيلة» علينا مجاناً، حين نكون في المكاتب الإعلامية الفلسطينية، أو في الشارع حيث مقاهي منطقة الفاكهاني الشعبية، كانت هي أيضاً هناك تدور ليل نهار لتوصل صوت الشغيلة إلى أكبر عدد ممكن من القراء.
أتذكر أنني حين التقيتها في القاهرة مرة ثانية، في أيام مهرجان الشاعر المصري الراحل أمل دنقل، وكنت في تلك الليلة ضيفهما في البيت، حيث بت ليلة هناك في منزل هذه العائلة الطيبة والكريمة وبحضرة حلمي، ونحن على مائدة الفطور، ذكرتها بتلك الأيام الثورية، ففرحتْ بدخيلتها بتلك الذكرى، لكن بنتها فرحت أكثر كون والدتها أيضا ثورية وليس والدها فقط .
المرة الأولى التي التقيت فيها حلمي سالم كانت في مقهى»زهرة البستان» في القاهرة عام 1980 صحبة عبد المنعم رمضان وأحمد طه، كان حينها متحمّساً على نحو لافت لمجلة «إضاءة» الفصلية والأدبية ، تلك المجلة التي جمعت ذلك التيار الأدبي الذي انضوى تحت لوائها، لتدشّن مرحلة جديدة، وتؤرخ لحداثة مختلفة، ومعرفة مستنيرة ومهمة من مرحلة السبعينيات الشعرية والثقافية والأدبية المصرية آنذاك.
بعد مرحلة بيروت والقاهرة، جمعتنا المصادفات بعد تشتت الميديا الفلسطينية في أكثر من بلد عربي وأجنبي، لنلتقي مرة أخرى في العاصمة القبرصية نيقوسيا، ولنكون معاً تحت سقف واحد وفي عمل صحافي مشترك، فهو كان حينذاك قد تسلم سكرتارية تحرير مجلة «بلسم» التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني، والتي سأعمل فيها مسؤولاً لصفحاتها الثقافية. حلمي سالم كان هناك، في المجلة، يعمل صحبة عبد الرحمن بسيسو، رئيس تحريرها، وهو صديقه القديم والأثير منذ أيام الدراسة في إحدى الجامعات القاهرية، تهلل لوجودي معه، كون عالم الشعر وأفقه سيتسع في تلك الجزيرة التي باتت تشبه حينذاك منفى صغيرا قياسا بالعواصم التي عشنا فيها من قبل، عواصم ساحرة ونابضة بالحياة والألفة مثل دمشق وبيروت وبغداد والقاهرة. في نيقوسيا ستتوطد العلاقة عائليا بيني وبينه، كوننا أصدقاء اولا وشعراء ثانية، وثالثة كوننا متزوجين من لبنانيات، ومن حسن المصادفة كانت كلتا الزوجتين، أي زوجته وزوجتي، تحملان اسماً مشتركاً، المهم مضينا نستعيد خلال لقاءاتنا القبرصية تلك، أيام بيروت والحصار الذي عشناه كله بتفاصيله الدقيقة، فشعرت ونحن نلتقي يومياً لنتابع شؤون المجلة وعملها، أنه غير راض عن إقامته في قبرص، تلك الجزيرة المنعزلة، الهادئة والخالية من الصخب والضجيج، المحدودة العلاقات، ومعظمها علاقات جديدة، محسوبة ومنظمة وفق الطريقة الأجنبية، هذا فضلاً عن بعدها من عوالم العالم العربي، ومن ثم بعدها عن طريقة النضال الذي كان يرجوه ويرتئيه ويطمح إليه، فرآه قد تغيّر وسلك سبيلاً آخر، واتخذ شكلاً إعلاميا بحتا، باردا وليس من ورائه رجاء. كان قرار حلمي سالم في مغادرته نقوسيا بإرادته قرارا صائبا، لقد ضربه الحنين مجدداً إلى مصر أم الدنيا، إلى مقاهيها وأسواقها وضجة شوارعها وطيبة ناسها، وإلى الشعر الذي غدا يتشرّبه ويتلبّسه كرداء، ولم يجد بدّاً وهو يرتدي هذه الحلة القشيبة من الشاعرية إلا أن يعود بها إلى جذرها ليرويها من ماء النيل وشموس مصر اللاذعة والقوية التي ستقوّي دون ريب سويق الشعر الطري، ولسوف تطرّز أيضا ذلك الثوب اللغوي المنمّق ببلاغة جديدة وحداثة متفجرة تلامس موضة الشعر العالمي، لتدفع بالشعر المصري إلى الواجهة وتُغْنيه وتجعله براقا أكثر، وأكثر انتشارا وأعذب حين يكون في متناول القارئ حيثما كان.
حلمي سالم الشاعر والإنسان والمناضل التقدمي، أفنى جلّ عمره وهو يحلم بالثورة، كان يقول «الثورة هي حُلُمي، هي أنا «. من هنا وجدناه في الشعر يجدد في أساليبه، ويطوّر في أداته، أداة الشعر وطبقاته الفنية والتعبيرية والجمالية، ومطوّراً من أدواته هو، بتشكيلاته الفنية الجديدة، وموتيفاته المختزلة، وتنغيماته المبتكرة، إضافة إلى أساليبه السردية ونماذجه النثرية التي فتحت أفقاً مغايراً للقصيدة المصرية. فهو على سبيل المثال في دواوينه الأولى نجده ميالاً إلى الغناء والاستئناس بالصيغة النغمية ذات التوجه الكلاسيكي في صوغ البنية الاستاتيكية للقصيدة، لهذا رافقت قصائده وتجاربه الأولى النبرة الموسيقية التي تعتمد الإيقاع الصائت مسلكاً لها والبناء العروضي المقفى في بعض القصائد سبيلاً لإرضاء الذائقة التي كانت تنتظر منه الجملة المرنانة.
بيد أن حلمي خلال صعوده الشعري، وخلال فترات تطوره، وعروجه نحو مجاهل وآفاق غير معلومة، كان قد صدم تلك الذائقة وهو يتحول عنها ويتمرد عليها بنبذ الثبات والركون إلى الأنسقة التنميطية الراسخة، تلك التي توّلد التكرار وإعادة التجربة إياها والصيغ والبنى والتعابير ذاتها.
لقد حلق حلمي عبر دواوينه اللاحقة في فضاءات جديدة امتثلت لإرادة الحداثة وهاجسها المشكك والمؤول والرافض لليقينيات والمسلمات والشروط التي تحد من إرادة الفن وتوجهه الحالم بالثورة الحداثية التي اكتسحت الشعر وجعلته فناً يغترف من جميع التجارب العالمية، الفنية والإنسانية.
من هنا كان ميله إلى قصيدة النثر في دواوينه اللاحقة واضحاً وجليا، وقد تمثل في أكثر من تجربة وديوان، فصاحب «سراب التريكو» و»يوجد هنا عميان» قد غيّر البنية القديمة، وبنى بنية سردية، تشي بالسرد الجواني وقول الغريب والمعفي من الاقتراب لدى الشعراء السالفين. لقد كسر التابو الثلاثي، وكان جريئاً وصدم الذائقة العامة التي تطلب القافية والتواتر النغمي والبلاغة المنمنمة والنسيج الزخرفي. لقد واجه التشدد الديني والمتطرف في غير مقال وقصيدة وقول وخرج بذلك عن حس القبول والقناعة والرضا بقصيدته اللافتة «شرفة ليلى مراد» تلك القصيدة التي لامست صوت الفن الجميل الذي كان لدى ليلى مراد، صوت الزمن الفاتن والناعم والرخي من أيام الخمسينيات المصرية المنصرمة.
حلمي سالم ونحن نستعيده هنا، كان حاضراً في ميدان التحرير طيلة الأيام التي كانت تعد بالثورة والتغيير، حاضراً بصوته وشعره ومقالته الصحافية، وكان حاضراً بتحديه البطرياركية السياسية، بطرياركية التوريث والفساد وسرقة لقمة المصريين بألف طريقة وطريقة، كان حاضرا بمعناه الراديكالي، الراديكالي على صعيد الفن والشعر والسياسة المنحازة إلى الطبقات المسحوقة والمعدمة والمقهورة، وما أكثرها في مصر الدلتا والإهرامات والحضارة الأولى، مصر خان الخليلي والميدان وغروبّي، مصر النيل والغيطان والبندر وقاهرة المُعز التي غناها الشعراء والمبدعون طويلاً ومن ضمنهم الشاعرالراحل، الشاعر الجميل والمؤسس لنبرة شعرية متململة وقلقة، المرهف حلمي سالم، سُقيا لترابك المعطر بالكلمات، والأغاني والقوافي العذبة، تلك التي قالت مرة:
« ستنامُ قافيةٌ على ساقيكْ
وتشيرُ في حُلُم اليَّ :
تعال يا شجنَ الهوى، فأردُّ في شجن الهوى:
لبّيكْ
ستقولُ: ما تعطي لمبتلٍّ ؟
وأجيبُ: أيْكْ
يا ليتَ لي كفيكْ
لمشيتُ في رفقٍ عليَّ
مشيتُ في رفقٍ عليكْ» .

هاشم شفيق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية