حكاية الوزير الشاعر: بين الحق في الإبداع والدعاية الانتخابية المبكرة

الرباط ـ «القدس العربي»:ما زالت مشاركة وزير السياحة المغربي، لحسن حداد، في مهرجان ثقافي محلي تثير العديد من ردود الفعل في بعض وسائل الإعلام ومنتديات التواصل الاجتماعي، وتوزعت تلك الردود بين حق الوزير في كتابة الشعر وبين إقحامه في برنامج المهرجان بصفته الوزارية كنوع من الدعاية السياسية المسبقة للانتخابات المقرر تنظيمها خلال الخريف المقبل. في حين أن اللقاء كان مخصصا بالأساس للاحــتــــفاء بالــشـاعر محمد علي الرباوي.
تحت عنوان «الحق في الشعر» كتب الشاعر والصحافي عبد العالي بركات مقالا في جريدة «بيان اليوم» دافع فيه عن الوزير لحسن حداد قائلا: «الاحتجاج ضد تكريم وزير السياحة بصفته شاعرا، أمر غريب وينمّ عن سلوك تسلطي وأفق ضيق، يحصر وزير السياحة في المسؤولية التي يقوم بها. هذا فهم جديد لقضية ربط المسؤولية بالمحاسبة. هل كان ينبغي تهميش وزير السياحة الشاعر، لمجرد أن شاعرا آخر من الرواد مبرمج لتكريمه في المهرجان ذاته؟» وتابع: «يا سادة، وزير السياحة، إنسان مثل سائر البشر، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، من حقه أن يكتب الشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرحية وحتى الخاطرة، لكن يبدو أن الصدمة التي خلفها الحضور الشعري لوزير السياحة، ناتجة عن شعور لا واع لدى العديد من المصدومين، على اعتبار الصورة المثالية التي يحملونها في مخيلتهم عن الشاعر؛ فهو حسب منظورهم الخاص، ذلك الكائن البوهيمي والفوضوي الذي يهمل ترتيب هندامه وتصفيف شعره ولا يقصد الفنادق الممتازة.. في حين أن وزير السياحة يلوح أمامهم بكامل أناقته وبذلته المتناسقة وربطة عنقه ووجهه الحليق ووو.. ليس هذا هو الانطباع ذاته الذي يحملونه عن الصورة الشخصية للشاعر. هذا مفهوم خاطئ لما ينبغي أن يكون عليه الشاعر. إنهم يصورونه في قالب محدد، عبارة عن شاعر مقولب، في حين أن الممارسة الشعرية أو الإبداعية بصفة عامة، لا تخضع لشروط واعتبارات خارجية؛ فالمنصب الوزاري  شيء والممارسة الشعرية شيء آخر».
ورأى الشاعر محمد علي الرباوي في تعليقه أن الصحافي عبد العالي بركات قدم الوزير باعتباره مظلوما. والحال أن الموضوعية تقتضي أن نقدم الصورة من كل جوانبها ثم نتخذ الموقف الذي نريد.
وفي الاتجاه نفسه، كتب الشاعر محمد الشيكي تدوينة جاء فيها: «يبدو أن الأخ عبد العالي بركات لم يكلف نفسه عناء فحص ما جرى، فكتب كما اتفق له أن يكتب. ولعمري أنه الهروب بالحقيقة إلى حيث لا يكمن موضعها ولا يستقيم سياقها، مما يجعل النقاش عائما يسبح في النهر الخطأ، ومرده أمران في نظري: إما أن الرجل المؤمن بالحق في الشعر لم يعرف بحقيقة ما جرى إطلاقا، فكتب تبكيتا ليس إلا، وإما أنه في الصف الآخر يدافع عن موقف ليس له من الصدقية والمصداقية».
وفي رأي الأديب عبد الحميد الغرباوي، فإن الحكاية ليست في «الحق في الشعر»، وإنما في التوظيف «الخبيث» لمهرجان شعري لصالح وزير مقبل على خوض غمار الانتخابات في معقله الانتخابي، علما بأن اسمه لم يكن مدرجا في قائمة المشاركين من أصله، فإذا به يصبح هو المحتفى به في غفلة من الجميع.
وكتب الشاعر نور الدين الزويتني موضحا: «أنا في ميدان الشعر وفي شعبة الآداب الإنجليزية منذ ما يقرب من أربعين سنة، ولم أسمع باسم هذا الوزير شاعرا أو أديبا. كل ما هناك أنه كان باحثا في شعبة الإنجليزية في حقل الثقافات الشعبية لفترة قبل أن يغير الاتجاه…»
وأشار الشاعر بوعلام دخيسي إلى أنه كان حاضرا في المهرجان الذي دعي له الوزير، وشاهد المشهد نفسه، وقال: «حتى وإن كان السيد الوزير، شاعرا فالجمعية المقربة منه نفسها لم تدعُهُ بتلك الصفة، لأنها تعلم ما يعلمه الجميع أن مسؤولنا الموقر ليس شاعرا، بل هو أيضا يعلم ذلك، ما قرأه حينها معالي الوزير كان عبارة عن خواطر، وما كان عليه فعل ذلك، لأنه بكل بساطة لم يُدعَ لذلك وكان على رجل الدولة أن يكون أحرص على الأعراف والقوانين وحرمة المواقف.»
وفي تدوينة الكاتب العربي الرودالي، نقرأ: «المؤسف أن الصحافة لدينا ترى بعين واحدة جهة المصلحة السياسية، خاصة إذا كانت حزبية، وليس تقويما لأخلاقيات التعامل مع المبادئ والمواقف… الشعر شعر، والاحتفاء احتفاء، والخروقات خروقات.. فمن تعسف على الآخر؟ الشاعر أم «المترشح» السياسي؟ ثم أليس لمثل هذه المهرجانات التكريمية «بروتكولا» خاصا بها؟».
وكتب محمد جعفر: «قرأت المقال باهتمام كبير، فوجدت أن صاحبه لم يستسغ أن يحتج الحاضرون عما وقع في أبي الجعد، وركز اهتمامه فقط حول إنكار ذوي الاختصاص صفة الشاعر على وزير السياحة… هو بهذا يؤكد أن المفاهيم قلبت إذا كان يعتبر أن المشاركين في مهرجان أبي الجعد لم يرقهم أن يكون وزير السياحة شاعرا… الأمر هنا لا يتعلق بمنع وزير السياحة من قول الشعر ،له الحق أن يقول ويكتب، ولصاحب المقال الحق أن يسميه شاعرا أو غير ذلك. الأمر يتعلق بسلوك أحمق أقل ما يقال عنه «قلة أدب»، فالتكريم كان للشاعر محمد علي الرباوي، ومشاركة الوزير بصفته «وزيرا» أ و«شاعرا «لم تكن مبرمجة، ولذلك كان من الضروري تصحيح الخطأ والاعتذار للشاعر المكرم ، أما أن يتم إقحام مشاركة الوزير – لا أظن أنها كانت عرضية – فتقدمه المقدمة ويصفق له المنافقون، فهذا ما لا يمكن أن يقبل به ذو عقل سليم يمتلك حدا أدنى من كرامة».

حكاية الوزير الشاعر: بين الحق في الإبداع والدعاية الانتخابية المبكرة

الطاهر الطويل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية