حكايتي مع القراءة والكتابة

أعشق العربات الصغيرة. أشعر بها تلمّني والمكان في الداخل والخارج. لكن، كيف بك أن تضع حمولة قطار جرار في عربة صغيرة. والأمر ذاته؛ كيف بك أن تفرش أيام عمرك على بساط لحظات، أو تنثر صخب محطات حياتك بين جدران صالة تعج بحضور ينظر بحب واحترام إليك؟
القراءة كانت الطُعم، حدائق القراءات كانت بوابة بستان الكتابة.. تربيت في بيت صغير تُشكّل قراءة القرآن الكريم الحضور الأهم فيه. إضافة إلى الكتاب المدرسي البسيط الذي يعلّم التلميذ رسم الحرف، وقراءة الكلمة. فمدارسُنا العربية تُعلم القراءة والكتابة ولا تعلم التفكير، ولا تأخذ بيد طلابها لتدلّهم على طريق المعرفة، إلا في حدور أقل القليل.
بدأتُ مغامرتي مع القراءة في عمر الثانية عشرة، يوم قرأت أول رواية في حياتي وكانت رواية «الأم» للكاتب الروسي «مكسيم غوركي-Ma Gorky» ترجمة سامي الدروبي، عن دار التقدم في موسكو. مع هذه الرواية اكتشفتُ أن هناك حياة غير عيش أهلي وبيتي ولعبي مع أقراني وساحل البحر الذي أرى كل يوم في منطقة «شرق». مع هذه الرواية عرفتُ أن للإنسان أن يحلم بطريقتين؛ يحلم مستسلما أثناء نومه، ويحلم واعيا أثناء قراءاته. وهو إذ ينسى حلمه لحظة يقظته، أو يتذكره بشكل متقطع، وقد تتداخل أو تختلط الرؤى الضبابية عليه فلا يجد معنى لحلمه، فإنه مع القراءة يستطيع أن يحلم واعيا، وأن يقف أمام مفردات حلمه، وأن يدوّن ما يشاء كي يرسم رحلته في درب حياته.
مع هذه الرواية تيقنت بوعي طفل يكتشف بطيبة وعفوية ما يحيط به من بشرٍ وحجر. اكتشفتُ فيما يشبه النظر إلى لوحة مرسومة بالأبيض والأسود، أن في الحياة دربين؛ الأول تمشيه راجلا إلى جانب الآخر، والثاني تأخذك إبداعاته الملونة إلى متاهات روحك مختلطة بأرواح بشر لم تلتقِهم.
أخذتني رحلة عشق القراءةِ إلى سنوات تعدت العشر، وكنتُ أقرأ أحيانا بما يزيد على الاثنتي عشرة ساعة يوميا، وكم وكم أصابتني الدهشة مما أقرأ؛ عجبا، وخوفا، ومعرفة، وخبرة، ومتعة ملونة لا تشبه إلا نفسها. ما تخبّطت في قراءاتي، فلقد تيسّر لي منْ يأخذ بيدي، ليرسم لي جدول قراءات؛ كانوا مجموعة من الأصدقاء الذين يرون في الفكر الإنساني الحر والعدالة والحرية والديمقراطية والمساواة وقضايا المرأة وحق الآخر في العيش الكريم والحوار والسلام ونبذ العنف في كل صوره، يرون في كل هذه مبادئ سامية للحياة بين البشر، ويرون إلى الإبداع في شتى فروعه بوصفه أعلى مراتب الإنجاز البشري، كونه يشكّل عونا للإنسان على احتمال ضنك وقسوة ولا عدالة وألم اللحظة العابرة.
بدأتُ قراءاتي بالأدب الروسي، مرورا بالأدب الأوروبي، وصولا إلى الأدب الأمريكي، وتاليا الأدب العربي. وحين أقول الأدب، فأنا اقصد؛ الرواية، والقصة القصيرة والشعر والمسرح والفلسفة وعلم النفس، إضافة إلى تأمل اللوحة التشكيلية وسماع الموسيقى والاستمتاع بسحر الأفلام.
خلال مشوار قراءاتي كنت قريبا من مجموعة من الأصدقاء من بينهم الروائي إسماعيل فهد إسماعيل، والأديبة ليلى العثمان والقاص والناقد الدكتور سليمان الشطي، والكاتب وليد الرجيب، والكاتب سليمان الشطي. وكانت أمسية الأربعاء في رابطة الأدباء الكويتيين تمثل لقاء ثقافيا أسبوعيا، حيث الحضور الثقافي لقامات عالية كويتية وخليجية وعربية. في ذاك الوقت كانت الصحافة الكويتية تحوي بين صفحاتها مقالات فكرية وزوايا رأي وملاحق ثقافية وفنية لمختلف أطياف الفكر العربي، ولأسماء مهمة لها وزنها المعروف على ساحة الفكر والإبداع. وكل ذلك جرى تحت سقف حرية عالٍ، ومؤكد أنه لم يكن يتوفر في دول عربية كثيرة. وقتها كنتُ كمن يراقب ساحل بحر. تدغدغه وتلعب به متعة السباحة الموعودة، ويردّه اتساع البحر بزرقته المتقلبة وأمواجه الصاخبة ومخلوقاته المختفية.. كنتُ ولم أزل أخاف الكتابة، وأكثر منها أخاف النشر. الكلمة مُلك لك، وما أن تُنشر في أي مكان حتى تصبح حجة عليك، ويصبح عليك أن تدفع أثمانا باهظة لتفاسير القراء لها.
مع دخولي إلى جامعة الكويت، كلية الهندسة والبترول عام 1976/1977 بدأت رحلتي مع عالم النشر، وكان أن نشرتُ أول قصة قصيرة لي بعنوان (إن شاء الله سليمة) في جريدة «الوطن» الكويتية، بتاريخ 17 كانون الثاني/يناير 1978.. منذ ذلك التاريخ، وقبل ما يزيد على الأربعين عاما، وأنا في عالم القراءة والكتابة والنشر. ومع نشر أول قصة قصيرة لي، وضعت رجلي على درب وعر، خباياه أكثر من ظواهره، ينتظرني على جانبيه قراء محبون، ويتربص بي أعداء النجاح. وحينها لاح لي كم هو مهلك أن تكون كاتبا يريد محاكاة الحياة، في صدقها وبساطتها المرهفة وتعقيدها الكبير. فأي كتابة ومهما عظمت تعجز عن مجاراة نضارة وضجيج وعوالم اللحظة الإنسانية العابرة. وكم هو صعبٌ أن ترغب وتحلم بكتابة قصة قصيرة أو رواية تشبه الحياة، لكنها أكثر شجاعة وأكثر بوحا وأكثر قدرة على مصافحة البشر أينما كانوا، وأخيرا أكثر قدرة على العيش أطول من عمرك وزمنك!
بدأتُ مشوار كتاباتي الإبداعية بفن القصة القصيرة، وكنتُ ولم أزل عاشقا متيما بفن القصة القصيرة، ومؤمنا بأن كتابة القصة القصيرة واحدة من أصعب كتابات الأجناس الأدبية، إن لم تكن الأصعب على الإطلاق. كتبتُ وأكتب القصة القصيرة مأخوذا باصطياد لحظة عابرة وتسميرها على مشجب الوقت لتبقى طازجة، وتبقى قادرة على إيصال رسالتها. فلقد درستُ ووعيت «ضرورة الفن الاجتماعية»، وحين أكتب أحاول جاهدا أن يكون لكل كلمة ضرورة دسها في الجملة والسطر، ولكل علامة ترقيم معناها، وأن للكتابة هدفا ساميا ورسالة كبرى، وأن كل نصٍ خلا من محاكاة القارئ برسالة بات لنفسِ كاتبه وليس للقارئ. فالقارئ شريك حاضر في كل نص، وبالنسبة لي لا يكتمل أي نصٍ إلا بالقراءة. ولقد كتبت ما كتبت لأكون صوتا للفئات الأضعف في المجتمع، لمن لا صوت لهم. صوت يزيح اللثام عن الأذى والظلم الذي ينال الإنسان، أي إنسان. ولقد ركّزت على القضايا الاجتماعية المتفاعلة في وطني، وكذلك أوجاع وانكسارات وآلام المرأة. ربما لتعلقي بأمي ومن ثم زوجتي وابنتيّ، وربما لأنني عايشت وأعايش الظلم والقهر الذي تعانيه المرأة في جميع مراحل حياتها، وأينما كانت، شرقا أو غربا. وربما لأني عاشق للمرأة، وأرى فيها الوجه الأجمل من الحياة، بوصفها مانحة الحياة، وشجرة خضراء دائمة الظلال. كما أنني كتبت وأكتب عن العمالة الوافدة في بلدي، العربية والأجنبية بوصفهم يشكّلون نصف المجتمع، وبحكم تأثيرهم في كل أسرة ومؤسسة حكومية أو أهلية. وأخيرا لي سبع مجاميع قصصية ومئات القصص هنا وهناك، وأكثر منها في رأسي وقلبي.
في عام 1995 انتقلتُ لكتابة الرواية، ولم يكن ذلك لشيء إلا لأني كتبت عملا أدبيا ضاق به ثوب جنس القصة القصيرة بأصولها الفنية، وكان لزاما عليَّ أن انتقل لفن الرواية. لهذا السبب ولدت روايتي الأولى «ظل الشمس» التي نُشِرت طبعتها الأولى عام 1998.. مع الرواية استشعرتُ عشرة مختلفة عن لقاء القصة القصيرة. كتابة القصة لقاء عابر يترك عطرا في قلبك، وكتابة الرواية سفرٌ مع أصدقاء لغابة معرشة. كتابة الرواية تُجبر صاحبها على القراءة في دفتر الحياة. لذا فحين أكتب أي رواية، اكتبها بحضوري الشخصي الصريح بها، وهذا يعني فيما يعني أنني أكتب بعضها ويكتبني بعضها الآخر. وتصبح الكتابة مغامرة غير مأمونة حين يتصدى كاتب عربي لكتابة رواية وفق مدرسة «التخييل الذاتي-Autofiction» حين يتصدى كاتب لكتابة جزء من سيرته الذاتية الحقيقية باسمه الحقيقي وما يحيط به، فإنه إنما يسير في حقل ألغام. لكل منا الحق في أن يكتب عن ذاته، ولكن منْ ذاك الذي يمنح الكاتب الحق بالكتابة عن الآخر، وفضح الآخر الذي شاركه فعل الحياة والعيش. فلو أني كتبت صراحة اسم فتاة أحببتها والتقيت بها، فإن ذلك قد يجر الأذى والويل عليها، فما بالك حين تكتب عن مؤسسة يمكنها أن تسحقك! صحيحٌ إن هذا أخافني، لكنه أبدا ما منعني من خوض المغامرة وتحمّل المخاطرة التي ترتبت عليها. وواضح هذا في رواياتي.
في عام 2012 شاركت في برنامج «الكتابة الإبداعية العالمي-International Writing Program» في جامعة «أيو-The University of Iowa» الأمريكية، وهناك اتضح لي أن الكتابة الإبداعية تتطلب بالضرورة مراعاة أصول وشروط منضبطة لكل جنس كتابي. الكتابة الإبداعية علم يقرّ بوجود أصول بعينها لكتابة كل جنس أدبي، وأن على الطالب/الكاتب، الذي يأتي بموهبته للكتابة، أن يتعلم هذه الأصول لتكون عونا له في كتابه نصه الإبداعي. فعشق البيانو لا يُعلّم العزف، والتعلق بالرسم لا يصنع رساما، وكذا تمنّي الكتابة لا يخلق كاتبا، إن لم يكن مقترنا بالموهبة والدرس والتحصيل والمثابرة المضنية. ولأني عاشق للتعلم فلقد انضممت لـ «جامعة كنغستون لندن-Kingston University London « لأحصل منها على شهادة الماجستير في الكتابة الإبداعية المتخصصة «Master of Fine Art for Creative Writing» وهذا أخذني بدوره لاحقا لدرب جديد في حياتي حيث العمل كأستاذ مساعد في «الجامعة الأمريكية في الكويت- American University of Kuwait» وذلك لتدريس مادة الكتابة الإبداعية وفق المناهج الغربية.
ولأنني مغرمٌ ولِهٌ بالقصة القصيرة فلقد أسست في عام 2015 مع الجامعة الأمريكية «جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، على أمل أن تُعيد ذلك الألق البهي لفن جميل، أنصرف بعض أهله عنه بعد أن عرفوا سحر الرواية المغري.
صعبٌ أن تقصَّ حكايات درب عمرك في لحظات، وأصعب منه أن تقول كل شيء. لكن اللحظة لا تحتمل إلا ما يقوله الراوي فيها. وأنا ضحّيت بالكثير الكثير، وتركت الكثير الكثير، وتعذبت الكثير الكثير، وتألمت الكثير الكثير، كل هذا كي أعمل راويا فأشعر بوجودي في لحظتي الحاضرة، وعيشي بعد مماتي!
٭ شهادة قُدمت في احتفالية «جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي»

٭ روائي كويتي

حكايتي مع القراءة والكتابة

طالب الرفاعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية