يردد المغاربة هذه الأيام المَثل العامي الشهير «من الخيمة خرج مايل»، وذلك للتهكم على ما بات يُعرَف بـ«الحكومة العثمانية»، في إشارة إلى رئيسها سعد الدين العثماني، الذي رضي بتعويض عبد الإله بن كيران والرضوخ لإملاءات زعيم حزب «التجمع» عزيز أخنوش، رجل المال والأعمال والمقرّب من أهل الحل والعقد.
والعبارة الكاملة للمَثل الشعبي المذكور هي: «قالوا باك طاح، قالوا من الخيمة خرج مايل» (بمعنى: قيل له إن أباك سقط، لأنه خرج من الخيمة مائلا). والواقع أن هذه الحكومة لم تخرج فقط مائلة من الخيمة أو من القصر، وإنما وُلدت أيضًا كاملة الأوصاف المشوهة، الباعثة على القرف والاشمئزاز. ولذلك، فإن الكثيرين ـ ومنهم كاتب هذه السطور ـ يتوقعون أن عمرها سيكون أقل من عمر النعجة «دولي».
ومن سوء طالع هذه الحكومة التعيسة، أن السهام تنهال عليها من كل حدب وصوب، فهناك أولاً النيران الصديقة التي تطلقها الأحزاب المشكلة للنعجة الحكومية على بعضها البعض، وآية ذلك ـ مثلا ـ الهمز واللمز الذي قام به قيادي في «التجمع الوطني للأحرار» وآخر في «العدالة والتنمية» تجاه «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية».
وهناك ثانيا، حالة الغليان وعدم الرضا داخل الأحزاب الحكومية نفسها من طرف بعض مناضليها أنفسهم، لأسباب متعددة، إما بسبب التذمر من حجم ونوعية الحقائب الوزارية وطرق الاستوزار، أو لعدم الرضا عن كيفية تعامل القيادة الحزبية مع مسألة الاستحقاقات الحكومية، أو لعدم احترام المنهجية الديمقراطية ونتائج الانتخابات.
وهناك ثالثا، السخط العارم الذي تعكسه من جهة منتديات التواصل الاجتماعي، ومن جهة ثانية مضامين البرامج الحوارية المبثوثة على أكثر من فضائية عربية ودولية. وإذا استثنينا بعض «المحللين السياسيين» المعدودين على رؤوس أصابع اليد الواحدة الذين يعزفون على نغمات مهندسي الخريطة السياسية في المغرب، والذين يلقون باللوم على عبد الإله بن كيران (رئيس الحكومة المُقال)، فإن مختلف الآراء المُعبَّر عنها في القنوات التلفزيونية العربية تترجم حقيقة ما يعتمل في الواقع المحلي.
ولعل من أكثر المتحدثين غضبا هو محمد زيان، أمين عام «الحزب المغربي الليبرالي»، الذي اعتبر ـ في حوار مع قناة «الغد» ـ حكومة سعد الدين العثماني جاءت لتحقيق توجهات اقتصادية تؤثر سلبا على الشعب المغربي وتستغل خيرات البلاد وثرواتها. ومن ثم، يرى زيان أن الشعب لن يتحمل حكومة ضعيفة قفزت على العملية الانتخابية. وبنبرة هادئة ولكنها جريئة، وصف الباحث محمد الفنيش الحكومة المغربية الجديدة بحكومة «أخنوش»، أمين عام «التجمع الوطني للأحرار»، واعتبر أنها ستخضع للوبيات الفساد وستسير في الاتجاه المعاكس للإصلاح.
واللافت للانتباه أن معظم التقارير التي تُستهل بها القنوات العربية برامج النقاش تعكس فهما عميقا وتحليلا حصيفا لمسار تشكيل الحكومة المغربية ولصراع موازين القوى في هذا المسار. وكثيرا ما وجدنا تلك التقارير أقوى وأفيد من تصريحات عدد ممّن يُقدَّمون على أنهم خبراء ومحللون سياسيون. والشيء نفسه ينطبق على الكثير من المدونات الإلكترونية التي صارت بمثابة «محرار» لقياس درجة تفاعل المواطنين مع مستجدات الساحة السياسية المحلية.
جلسة برلمانية بدون بن كيران!
سينقل التلفزيون المغربي اليوم (الجمعة) أطوار أول امتحان للحكومة «العثمانية» في مواجهتها مع البرلمانيين، وهي جلسة سيغيب عنها عبد الإله بن كيران، ليس فقط بوصفه رئيسا للحكومة بعدما سُحب البساط من تحت رجليه، ولكنه سيغيب كذلك كبرلماني عقب تقديمه الاستقالة من هذه المؤسسة التشريعية أول أمس (الأربعاء)؛ مما سيفقد تلك الجلسة التشويق والجاذبية والطرافة، بالشكل الذي تعود عليه المشاهدون طيلة الخمس سنوات الماضية.
فهل سيترجم النواب المستاؤون تحفظهم من طريقة ولادة وتشكيل الحكومة؟ أم سيطبقون مبدأ «كم حاجة قضيناها بتركها»؟ فإذا استحضرنا ما يرشح من اللقاءات الحزبية المغلقة من مواقف وتصريحات، سنتوقع ـ نظريا ـ أن حجم معارضي الحكومة سيكون أكبر، ولن يقتصر فقط على حزبي «الأصالة والمعاصرة» و»الاستقلال»، بل سيشمل أيضا نوابا في أحزاب الأغلبية الحكومية. قلنا «نظريا»، لأن للسياسة منطقها وحسابها الخاصين.
الأمازيغية «في فلك الممنوع»!
ضمن برنامج «في فلك الممنوع»، قدمت قناة «فرانس 24» الأحد الماضي حلقة عن موضوع الأمازيغية في المغرب العربي الكبير، تفاعل معها الشاعر والصحافي المغربي لحسن العسبي، من خلال نص تساءل فيه: ما الذي تريده فعلا باريس من منطقتنا؟ وما الذي يريده «الكي دورسي» مصلحيا بفضائنا المغاربي؟ ورأى الكاتب أن صاحبة البرنامج ميسلون نصار التبس عليها الأمر بين ما هو مهني وما هو غير مهني، في موضوع جدي مثل ملف الأمازيغية، حين تعاملت بتشنج مع كل رأي ينتصر للهوية الوطنية للمغاربة، بغير قليل من الوصاية والتعالي في اللغة والسلوك، يذكرنا بالكثير من أمراض المشرق العربي الطائفية. وذهب الكاتب إلى القول إن القناة المذكورة تعاملت مع موضوع الأمازيغية بمنطق الإثارة وليس أبدا اعتمادا على منطق التحليل العقلاني والعلمي للملف. وأضاف قوله: إذا كان منطق «الإثارة» الذي يستهوي دوما الزميلة ميسلون مفهوما في بعض ملفاتها السابقة (مثل سؤال الحرية الجنسية، وسؤال المثلية، وسؤال الحجاب وغيرها)، لأنها مندرجة في باب ما هو متعلق بالسلوك الفردي للبشر، فإن ما دخلته من حقل ألغام ضمن حلقتها الخاصة بملف الأمازيغية ببلداننا المغاربية، هو أكبر من وعيها المهني والمعرفي، المتأسس على مرجعية طائفية مشرقية. ويخشى أنها، اعتبارا لنوعية ضيوفها، الذين أرادت بهم كسب فرقعة إعلامية، إنما سجنت نفسها في نوعية من يتحدث عن الجنس بثقافة الإثارة الفيلمية وليس بروح العلم. مما ينتهي بمبادرتها إلى حضيض التهافت.
كاتب من المغرب.
[email protected]
الطاهر الطويل