«من له الحق في تعيين من؟» سؤال قانوني ودستوري طرحه الباجي قائد السبسي في التاسع والعشرين من الشهر الماضي على قادة الائتلاف الرباعي الحاكم واتحاد نقابات العمال ورجال الاعمال وعدد من المعارضين حضروا للمرة الرابعة إلى قصر قرطاج، لغرض البحث في تفاصيل ولادة الحكومة الجديدة في تونس.
ما جعل السؤال ملحا وعلى قدر من الأهمية هو أن حالة الضبابية والارتباك التي تلت اعلان الرئيس التونسي في الثاني من يونيو الماضي مقترح تكوين حكومة بديلة، تضم اتحاد نقابات العمال ورجال الاعمال، فضلا عن الائتلاف الحاكم ومستقلين لتخلف الحكومة الحالية التي لم يمض على تشكيلها سوى اقل من عامين، تفاقمت بمرور الوقت وتمطط المباحثات وتعدد المواقف، وتحولت إلى شكوك ومخاوف جدية من امكان سقوط التجربة الديمقراطية الهشة في دائرة قاتلة من الجدل العقيم والصراع على مواقع النفوذ، قد يعجل بتقويضها وانحدار البلد إلى المجهول.
كان عنوان الوحدة الوطنية مغريا وجذابا، وكذلك كان إقرار الرئيس بان «الوضع الحالي لا يمكن أن يستمر على حاله»، لكن تركيز الطبقة السياسية توجه بالأساس إلى اجزاء ومقاطع من تلك المقابلة التي اجراها معه التلفزيون الرسمي، واختارها لاطلاق الفكرة، وهي تلك التي اشار فيها إلى أن هناك احتمالا لان يبقى الحبيب الصيد على رأس الحكومة الجديدة، أو أن يحل شخص اخر مكانه لان ما يهم بنظره هو أن يكون هناك «رئيس حوله توافق… فقد انتهى عهد رئيس مدى الحياة… ويجب أن نذهب لما فيه مصلحة البلاد» مثلما قال. وهذا ما دفع كثيرين للحديث علنا وبشكل مكشوف وقبل البدء في أي حوار أو نقاش عن أن ايام رئيس الحكومة الحالي في القصبة باتت معدودة، وأن حكومته تحولت بالفعل إلى حكومة تصريف أعمال، الامر الذي أدى بعد ايام قليلة فقط إلى تأثر سوق المال والاعمال وتسجيل هبوط تاريخي حاد في سعر صرف الدينار والمزيد من التراجع في مؤشرات الاقتصاد، واشتداد التسابق والتلاحق على خلافة الصيد، فضلا عن تكثيف الحملات الاعلامية المحمومة لدفعه للاستقالة وتصويرها على انها عمل نبيل يعكس إحساسا عاليا بالوطنية والشعور بالواجب، ازاء الازمة العميقة والصعبة التي تمر بها تونس.
وليس معروفا إن كان السبسي قد وقع بالفعل تحت تأثير مستشارين فاقدين للخبرة والحياد اللازمين، أو أنه اختار قصدا حصر مشاوراته ولقاءاته الماراثونية على بعض الوجوه دون اخرى، من باب كسب المزيد من الاصوات الداعمة للفكرة، حتى إن كان وزنها وثقلها السياسي محدودا وضعيفا وتزلفها وطمعها في جني مكاسب شخصية من وراء ذلك الحضور مكشوفا وواضحا. ولكن الثابت أن تلك الجلسات التي لم يهتم بها سوى عدد محدود من التونسيين رسخت الاعتقاد السائد منذ مدة بأن الرئيس هو المتحكم الفعلي في قواعد اللعبة وأن دوره ونفوذه يتجاوز حزمة الصلاحيات المحدودة التي منحها له الدستور الجديد. فهو يريد أن يصنع مجده الشخصي، ويخلد اسمه كرمز من رموز دولة بورقيبة التي خدمها في أكثر من موقع، وعلى مدى اكثر من نصف قرن ولا يريد أن يذكره التاريخ كرئيس فاشل أخل بوعوده في انقاذ بلده ووضعه على سكة الاستقرار والتطور.
كما انه في مقابل ذلك يكرر دوما انه ليس وريث بورقيبة رغم أن اسلوبه وطريقة حكمه تتقاطع معه في اكثر من موضع. إنه يبدو مثله مستعدا لخوض مغامرات محسوبة للحفاظ على تاريخه ومجده الشخصي، وهو يدرك جيدا أن هناك داخل الحلقة الضيقة والقريبة منه من يترقب بفارغ الصبر فرصة سقوطه أو اختفائه لسبب أو لاخر، حتى ينقض بسرعة على الكرسي الاثير لقرطاج. لكن معرفة خططه وتوقع ما يدور برأسه يبدو في غاية الصعوبة، حتى لمن يعتبرون حلفاءه أو اصدقاءه، وربما لحسن حظه وحظ البلد ايضا أن أهمهم واكثرهم وزنا وتأثيرا الان يتصرفون مع تلك المواقف غير المنتظرة التي تصدر عنه بين الحين والاخر بقدر واضح من الاتزان والعقلانية وحتى البرود ايضا. وهذا ما يفسر سرعة امتصاص حركة النهضة لصدمة مقترح حكومة الوحدة الوطنية ومحاولتها اظهار دعمها التام والكامل للرئيس، ثم البحث عن الاستفادة منها للحد الاقصى بالتلويح باستعدادها لقبول كل التوافقات التي قد تصل اليها الاحزاب والاطراف المشاركة في الحوار، ولكن على قاعدة احترام نتائج الانتخابات وحجم التمثيلية في البرلمان. ويبدو أن توطد علاقة الشيخ راشد الغنوشي بالرئيس جعلته يدرك انه من الافضل احتواء أي مواجهة مرتقبة معه واخمادها في المهد وإعطاء مزيد من الوقت لانضاج المقترحات والأفكار التي تلوح في البداية صدامية وغير مقبولة، وربما اقتنع الشيخ بانه فضلا عن الدوافع المعلنة والمكشوفة فان هناك اسبابا اخرى غير معلومة هي التي جعلت الباجي يبادر لخلط الاوراق وتوجيه رسائل لاكثر من جهة، بما فيها شريكه في الحكم، وان القراءة الجيدة لها وللواقع المحلي والاقليمي ايضا تفرض التعامل معها ببراغماتية والاستعداد للانفتاح وفقا لذلك على كل الفرضيات المقبلة.
ومن الواضح أن ما حرك قائد السبسي لم تكن فقط رغبته في استعادة بعض البريق والمجد الشخصي، بل ادارة ضغوط خارجية وداخلية تزايدت بشكل قوي وكان وراء اعلانه مقترح حكومة الوحدة الوطنية في توقيت رآه البعض غير مناسب بالمرة. وما جعله يفعل ذلك هو انه اراد التخفف من تلك الضغوط باعادة توزيعها مجددا على حزام سياسي اكثر تنوعا واتساعا من السابق، تحسبا لحصول تداعيات ومخاطر يراها محدقة ومهددة لاستمرار النظام، ما لم تتم تهيئة الرأي العام لتقبل قرارات مؤلمة آن أوان اتخاذها. وما يعرفه الجميع أن جهة الضغط الخارجية الاقوى تأثيرا هي صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية العالمية التي فرضت شروطا صعبة وعسيرة للاستثمار في الديمقراطية الصاعدة ومساعدتها على تخطي ازماتها الاقتصادية والاجتماعية. ويبدو أن الامر بدأ يخرج شيئا فشيئا عن سيطرة السلطات الحالية بفعل التعطل المتعمد لآلة الانتاج وفقدان الحكومة للانسجام والتماسك والقدرة على فرض القانون في ما صارت الاصلاحات التي يطالب بها المقرضون والمانحون مرتبطة بسقف زمني لم يعد بالامكان تجاوزه أو حتى محاولة رفعه من جديد. كما أن هناك موعدين مهمين على الابواب، وهما انتخابات اتحاد نقابات العمال التي ستجري في يناير المقبل ثم الانتخابات البلدية التي ستتم في مارس من العام المقبل ايضا، وهو ما يجعل الحصول على اتفاق مع القيادة النقابية الحالية حول ما يوصف بهدنة اجتماعية تسمح للاقتصاد بأن يلتقط بعض انفاسه، امرا ضروريا قد يتحقق بتشريك النقابات بشكل ما في اختيار بعض اعضاء الحكومة الجديدة مثلما يفترض أن تتم ترضية رجال الاعمال بالبحث عن صيغة مصالحة مالية مع عدد منهم قد تسمح وفقا لتلك الرؤية باعادة تحريك عجلة اقتصاد راكد وشبه مشلول، ورغم انقضاء الاجل المحدد للانتهاء من كل تلك المشاورات وهو اخر شهر رمضان، بدون الاعلان عن النتيجة المرتقبة اي ميلاد الحكومة الجديدة، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه الان هو هل سيحقق الباجي قائد السبسي بعد العيد اهدافه الثلاثة، اي المجد الشخصي والنجاح في اعادة توزيع الضغط الداخلي والخارجي على اوسع مدى ممكن، والوفاء بوعده القديم بانقاذ تونس ووضعها على سكة الاستقرار والأمان، من خلال تلك الحكومة الجديدة أم أن الامر سيكون اشبه بمغامرة فاشلة وانتحار سياسي دراماتيكي يضع حدا نهائيا لقصة التسعيني الذي تربع يوما على عرش قرطاج؟
ما يأمله التونسيون في كل الحالات هو ألا يكون هلال الحكومة الذي سيولد بعد العيد زائفا أو مقلدا، لانهم في تلك الحالة لن يكتفوا بالسؤال مثلما فعل رئيسهم عمن له الحق في تعيين من؟ بل سيقولون ايضا وببساطة شديدة في كلمتين… العوض على الله فيما تبقى لنا من الثورة.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية