تشهد مدينة حلب ارتفاعا كبيرا في وتيرة القصف على الأحياء السكنية وحصارا خانقا أدى إلى تدهور الأوضاع الإنسانية لما يقدر بنحو 300 ألف شخص، وذلك بعد أن تمكنت قوات النظام السوري من قطع طريق الكاستيلو؛ الممر الاستراتيجي الوحيد الرابط بين الجانب الغربي، الذي يسيطر عليه النظام، والأحياء الشرقية الخاضعة لسيطرة المعارضة وريفها، لتدخل المدينة في حصار تام وتعزل عن العالم الخارجي. وبفعل هذه التطورات الميدانية، تدهور الوضع الإنساني في المدينة خلال الإسبوع الماضي حيث يواجه المدنيون خطر العزل في ظل نقص المواد الغذائية والدواء والمعدات والكوادر الطبية (عدد الكوادر الطبية في مدينة حلب لا يتجاوز 30 طبيبا، بحسب مدير صحة حلب) وعدم توافر ممرات إنسانية آمنة يمكن من خلالها أن يغادر السكان المدينة المدمرة، إضافة إلى إنقطاع الإمداد الطبي عن أحياء بأكملها واستهداف المواقع المدنية، وخاصة المدارس والمستشفيات والمستودعات وشبكات المياه والمباني العامة والمساكن، واستخدام التجويع كسلاح. وبعد تفجير المشرحة الوحيدة في حلب منذ أكثر من أسبوع، تكدست الجثث على مداخل المستشفيات. وقصفت العديد من سيارات الإسعاف، ما اضطر عمال الإغاثة لنقل الجرحى في الجزء الخلفي من شاحنات الـ «بيك اب» وفي سيارات الأجرة وحتى الدراجات النارية.
وبينما حوصرت مناطق أخرى خلال الحرب التي تشهدها سوريا بقيت مدن مثل المعضمية، وداريا، والزبداني، ومضايا، ومخيم اليرموك في ريف دمشق، قادرة، بنسب متفاوتة، على مقاومة تحديات الحصار في حين تدهورت الأوضاع في حلب بسرعة قياسية نظرا لكثافة القصف وإنقطاع الإمدادات، ما عرض الآف المدنيين تحت الحصار إلى خطر الجوع والمرض والموت على أبواب المستشفيات.
وخلافا لبعض المناطق المحاصرة في أنحاء ريف دمشق، ليس هناك الكثير من الإنتاج الزراعي في مدينة حلب الذي يمكن أن يوفر المواد الغذائية لسكانها، بسبب إنعدام المساحات الزراعية. وعليه فإن من المتوقع أن تنفد الإمدادات الغذائية داخل المدينة خلال أسابيع قليلة، بحسب الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة. وليزداد الوضع سوءا، ضربت غارة جوية مستودعا إنسانيا في 24 تموز/يوليو، مما أسفر عن إصابة ثلاثة عمال إغاثة وتدمير 10000 من الطرود الغذائية، حسب ما أكد «برنامج الغذاء العالمي» التابع للأمم المتحدة وغيره من وكالات الإغاثة المحلية والدولية، علما أنه، وقبل إغلاق طريق كاستيلو، كان البرنامج قد خزن مساعدات غذائية لحوالي 117.000 شخص حتى نهاية آخر كل شهر. ولا ينحصر بؤس الوضع الإنساني في المدينة، التي توصف بـ«أخطر مدينة في العالم» في نقص المواد الغذائية، انما هو أبعد من ذلك بكثير، كما يختصره عامل الدفاع المدني خالد الذي يقول: «لقد تغير كل شيء في ظل الحصار».
المستشفيات
شنت قوات النظام السوري خلال الإسبوع الماضي، الذي وصفته جماعة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» بأنه أسوأ أسبوع من الهجمات على المنشآت الطبية في منطقة حلب، ضربات جوية على ستة مستشفيات.
وقالت الجمعية إنها قامت بتوثيق أكثر من 370 هجوما على 265 منشأة طبية خلال الحرب ومقتل 750 من العاملين في القطاع الطبي.
وحاول العاملون في المجال الطبي التعامل مع تحديات الحصار عبر قيامهم بتخزين إمدادات طبية للأشهر الستة الماضية. ومع ذلك، فقد أظهرت الهجمات، الذي كان من ضمنها استهداف بنك الدم، أن جميع المعدات التي أعدت مسبقا، ليست آمنة في ظل الظروف الراهنة.
فبعد ضرب إحدى المستشفيات أربع مرات على مدى 90 دقيقة، لم تعد غرفة العمليات صالحة للعمل، ما أدى إلى ترك الجرحى وهم في حاجة ماسة إلى عملية جراحية.
وقال الدكتور عبد الباسط إبراهيم، مدير صحة حلب التابعة للمعارضة السورية، أن أفق العلاج في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في المدينة بات ضيقا للغاية، بعد خروج أربع مستشفيات عن الخدمة دفعة واحدة، جراء استهدافها بالقصف، مشيرا إلى أن العبء الصحي للمدينة بكاملها بات على ثلاث مستشفيات وهي المتبقية. وأوضح إبراهيم، أن المستشفيات التي توقفت عن العمل هي «الدقاق»، و«الحكيم للأطفال»، و«البيان الجراحي»، و«السيدة الزهراء للأمراض النسائية»، إضافة إلى توقف «بنك الدم»، عن العمل لتعرضه لأضرار جسيمة جراء القصف أكثر مرة، لافتا أن طيران النظام وحلفاءه الروس، استهدفوا قبل أيام مركز «الطبابة الشرعية» الذي خرج هو الآخر عن الخدمة، بعد إصابة 6 من كوادره الطبية بجروح.
وقالت ويدني براون مديرة برامج «جماعة أطباء من أجل حقوق الإنسان» في بيان «كل هجوم من هذه الهجمات يمثل جريمة حرب،» مضيفة: «تعني التفجيرات والافتقار إلى المساعدات الإنسانية وإخفاق الأمم المتحدة في إرسال أي نوع من المساعدة أن عدد القتلى ربما يصبح كارثيا قريبا».
وقال اتحاد «منظمات الإغاثة والرعاية الطبية السورية» الذي يضم أطباء من الشتات السوري وينشط في مناطق المعارضة، في بيان نشر في باريس ان «قصف المستشفيات والمؤسسات الطبية يتكثف». وانه «في نهاية الاسبوع، اصيبت ثلاث مستشفيات وعدة مؤسسات طبية بهجمات جوية. وخلال اسبوع، تعرض مستشفى واحد تقريبا لقصف بشكل يومي تقريبا».
كما تم قصف مستشفى في محافظة درعا ومشفى في غرب حلب ومركز للطب الشرعي في حلب نفسها. واصيب مستشفى في شمال غرب حلب بغارة جوية.
وقال الاتحاد «نهاية الاسبوع الدامية للمستشفيات في سوريا تضاف الى قصف اربع مستشفيات ليل 23-24 تموز/يوليو» (البيان، الحكيم، الزهراء والدقاق) إلى جانب مركز للدم.
ونشرت منظمة غير حكومية أشرطة فيديو قصيرة على الانترنت يتحدث فيها أطباء وعاملو إغاثة في حلب وفي تركيا وفي العالم للمطالبة «بوقف فوري للقصف» وانهاء «الضربات المحددة الأهداف على المستشفيات والمؤسسات الصحية» و»حرية تنقل الطواقم الطبية في المدينة».
ممرات الموت
فتح النظام السوري ثلاثة معابر أمام المحاصرين في الأحياء الشرقية والمسلحين الراغبين بتسليم أنفسهم، بعد اعلان وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو بدء «عملية إنسانية واســعة النطاق» في حلب.
لكن جمعيات ومنظمات حقوقية نددت «بالممرات الإنسانية المزعومة» وقالت ان «الاقتراح المشترك من روسيا وسوريا الهادف إلى إقامة ممرات إنسانية في شرق حلب، غير ملائم على الاطلاق على الصعيد الإنساني». واعتبرت هذه المنظمات وبينها عدة هيئات ناشطة في مجال المساعدة الإنسانية (كير وكريستشان ايد وغول واوكسفام وسايف ذي تشيلدرن وتيرفاند وانترناشونال ريسكيو وورلد فيجن) ان هذا العرض «يسبب صدمة حيث ان عملية إنسانية حقيقية لا ترغم سكان حلب على الاختيار بين الفرار نحو مهاجميهم أو البقاء في منطقة محاصرة تتعرض لقصف مستمر». ونددت المعارضة السورية بما اسمته «ممرات الموت» فيما جازفت بضع عائلات فقط بالخروج من هذه الأحياء.
المواد الغذائية والأسعار
وقال بشر الحاوي، الناطق باسم المجلس المحلي في مدينة حلب، التابع للمعارضة السورية، أن المخزون الأساسي من الطحين والمواد الإغاثية «الأساسية»، لا يكفي لأكثر من ثلاثة أشهر كحد أقصى، مبينا أن تلك المدة مرهونة أيضا بتطبيق تقنين شديد، وموضحا أن اجتماعاً عقد مع كافة المنظمات العاملة في حلب بغية وضع خطة لتقنين ما يملكونه من مواد ولا سيما مادة الطحين، حيث اتخذ قرار بتخفيض الكمية المستخدمة منه يوميا إلى 40 طنا بدلا من 80 طنا في السابق.
«أما الأسواق فهي تفتقر إلى الخضار والمنتجات الزراعية، لأن المدينة لا تملك مساحات زراعية كبيرة»، يقول الحاوي، «إلاّ أن المجلس بدأ العمل على مشاريع زراعية صغيرة ومتوسطة وتوزيع البذار»، إلا أنه لم يبد تفاؤله بنتيجة جيدة، «لضيق المساحات».
وبيّن أن هناك ارتفاعا كبيرا في الأسعار ولا سيما المواد الأساسية كالمحروقات والطحين والمواد التموينية، مقدرا نسبة الارتفاع بـ 40 في المئة بالنسبة لفترة ما قبل الحصار، ما دفع المجلس إلى تشكيل لجنة رقابية على الأسعار، باتفاق بين المنظمات المدنية والهيئات العسكرية، بغية ضبط الأسعار قدر المستطاع.
وقال أحد المدنيين في مدينة حلب أن سعر كيلو الأرز ”إرتفع من 100 إلى 500 ليرة سورية (41 سنت إلى 2 يورو) وأن معظم المتاجر أغلقت أبوابها».
ريما شري