لعل أبرز ما ميز مدينة حلب منذ انطلاقة الثورة السورية، هو عزوف جزء واسع من سكان المدينة عن المشاركة في الحراك السلمي بفعالية، وعن العمل المسلح لاحقا، حيث كانت المناطق الشرقية الفقيرة هي معقل المظاهرات انطلاقا من حي صلاح الدين، وهي مناطق ينتمي الكثير من سكانها للريف الحلبي أو إلى ادلب، وبالسياق نفسه كانت هذه الأحياء هي من استقبل طلائع القوات المسلحة الأولى للثوار التي دخلت حلب المدينة، وأيضا كانت تلك القوات من الريف الحلبي حصرا .
وأمام هذه الاشكالية التقليدية المتكررة بين الريف والمدينة، باتت حلب منقسمة بين فضاء للثورة وجمهورها وفضاء للنظام وجمهوره، بينما ظهرت انقسامات جديدة بين فصائل المعارضة، خصوصا بين تلك الاصولية الجهادية وبين المجموعات الأقل راديكالية والمقربة لغرف الدعم والتسليح.
وعلى مدى السنوات الخمس الماضية تمكن النظام من الحفاظ على مركز المدينة والأحياء الغربية، بينما ظلت مناورات الفصائل تركز على المواقع العسكرية الوازنة في حلب ومحيطها، كمدرسة المشاة والسجن المركزي، واللواء ثمانين والمخابرات الجوية، وثكنة هنانو ومطار حلب والنيرب، وعلى طرق الامداد الرئيسية، جنوبا من خناصر والسفيرة والقطع العسكرية عندها مثل معامل الدفاع، وشمالا حيث طريق الكاستيلو.
ظلت المعارك تأخذ طابع الكر والفر في كثير من تلك المواقع العسكرية الرئيسية، كاللواء ثمانين وهنانو، سقط بعضها كالمشاة، وظل بعضها الآخر محاصرا أو شبه محاصر لشهور، كالسجن المركزي والمخابرات الجوية ومشفى الكندي. ومنذ عامين ونصف بدأت الكفة تميل في حلب لصالح النظام، حيث فك الحصار عن تلك القطع العسكرية، والأهم ان النظام تمكن وعلى مدى شهور من اكمال طوق حصار حلب شرقا، صاعدا من مطار حلب والنيرب نحو طريق الباب شرق حلب وهو كان أحد الشرايين الهامة بين حلب وريفها، نحو الشيخ نجار شمال شرق حلب، وصولا لاكمال الحلقة عند سجن حلب المركزي، مبقيا طريقا وحيدا للمعارضة يصل المدينة بالريف وهو طريق الكاستيلو شمالا، وقبل ان يقوم النظام بقطع هدا الطريق، تمكن من تشكيل حلقة جديدة ثانية تفصل الريف عن المدينة مستهدفا في الوقت ذاته فك الحصار عن قريتي نبل والزهراء الشيعيتين، فقام النظام بالتحالف مع الميليشيات الكردية بفصل الريف الشمالي لجزئين أحدهما متصل بتركيا عبر اعزاز، والآخر مبتور الصلة بالمدينة ومقوقع بين ادلب غربا والأكراد شمالا.
وبعد هذه الخطوة، التي استمر العمل عليها لأشهر، تمكن النظام من قطع شريان حلب بالريف وهو طريق الكاستيلو، بعد هجمات على العقد الرئيسية التي يتمركز حولها معارضوه مثل هضبة عبد ربه، وصالات الليرمون، وتكفل الأكراد بالشيخ مقصود بالمهمة على الجانب الآخر. وعلى مدى هذين العامين، ظلت جبهات حلب المدينة خامدة، دون أي عمليات أو معارك كبرى ضد النظام، وبدت الفصائل المنتشرة داخل المدينة وكأنها في حالة هدنة غير معلنة مع النظام.
وبانتهاء هذه المرحلة التي استمر العمل عليها على مدى عامين، فرض النظام طوقا على الأحياء الشرقية في حلب، وفتت الريف الشمالي وأضعف قدرته على أي تحرك فاعل نحو المدينة.
وهكذا فان هذه العملية الأخيرة التي قادتها النصرة، تأتي بعد سنوات ثلاث مالت فيها الكفة تدريجيا لصالح النظام، وتبدو تلك العملية لاعادة التوازن لصالح قوى المعارضة المسلحة في حلب شاقة وطويلة، خصوصا وأنها بدأت من نقطة الصفر مجددا وهي فك الحصار عن مناطق المعارضة في حلب الشرقية، رغم ان الحصار كان منفكا من شمال حلب طول السنوات الماضية ولم يمنح المعارضة أي نقاط ايجابية لتحسبن وضعها داخل المدينة.
وهكذا فان التعويل على تحقيق نصر كبير وحاسم وسريع في حلب لا يبدو متسقا مع مجريات ومحصلة التطورات الميدانية للسنوات الأخيرة، كما ان الخرق الوحيد الذي يمكن ان يحدث فرقا استراتيجيا هو السيطرة على مركز حلب أو على أحد مواقعها السيادية الرمزية وسط المدينة، غير ذلك، لن يكون الآتي من المعارك سوى تكرار لمواجهات الكر والفر والسيطرة المتبادلة على احياء إلى ان تميل الكفة مرة أخرى لصالح الطرف الأكثر مطاولة وتنظيما وقدرة لوجستية وعسكرية.
وائل عصام