من بين سحب الدخان التي تغطي الفظاعة الكبرى، صدحت أمس صرخة أكثر من مئة طفل سوري، اصغرهم ابن سنتين واكبرهم ابن ثمانية ـ تيتموا من أبائهم في القصف الجوي على حلب ويختبئون في قبو لمبنى سكني في شرقي المدينة.
فقط خمسة رجال ونساء كبار نجوا من القصف، يرعون اليتامى الصغار. أحدهم، د. خالد ابو ناصر، صرخ أمس مستنجدا في وسائل الإعلام العربية: «اطفالنا يموتون جوعا، ومياه الشرب والادوية تنفد». ولكن حتى هو لم يعد يؤمن بأن العالم سيصل حقا للمساعدة أمام الفظائع والمذبحة الجماعية في حلب.
د. أبو ناصر، طبيب أسنان في اختصاصه. روى بصوت مخنوق بأن قوات الجيش السوري التي دخلت إلى حلب «يمسكون بكل من يسير في شوارع المدينة المدمرة، ويقتلون بلا حساب».
ما لا يقل عن مئة الف من سكان حلب لا يزالون عالقين في المدينة المدمرة. 82 قتلوا ليلة أول أمس، حين دخل جنود الجيش السوري إلى القسم الشرقي من المدينة ونفذوا اعدامات جماعية للشيوخ، النساء والاطفال. الرجال رفعوهم إلى السيارات العسكرية و «تخلصوا» منهم قبل أن يصلوا إلى حواجز المدينة. وروى شهود عيان أمس بأن عشرات جثث الرجال ملقاة في أزقة المدينة الخربة.
ومساء أمس كشفت قناة «الجزيرة» عن تفاصيل أولية لاتفاق تحقق مع روسيا بوساطة تركية لاخلاء تدريجي لسكان المدينة المحاصرة. وحسب الاتفاق، سيحصل الاف النساء والاطفال على الاذن لمغادرة حلب برعاية الجيش السوري، والرجال الذين يوافقون على الاخلاء يسمح لهم بحمل السلاح الخفيف فقط للدفاع عن النفس.
وأعلنت منظمات الاغاثة الدولية امس عن أنها قررت وقف جهودها لنقل الغذاء، الادوية والعتاد، احتجاجا على الصمت الدولي في قضية حلب. وبالتوازي، ردت روسيا كل الاقتراحات والاعلان عن وقف نار فوري وتجميد القصف الجوي، بدعوى أنه «طالما كان الإرهابيون يختبئون في حلب، فسنطاردهم بلا حساب».
أما السكان ممن لا يزالون ينجحون في البقاء على قيد الحياة، فلا يتمكنون من الفهم لماذا يسكت العالم امام الفظاعة. احداهم، لينا الشامي، نشرت أمس نداء «نجدة» في التويتر من المكان الذي تختبىء فيه في حلب، وتوجهت إلى ضمير العالم. «حتى متى ستجلسون مكتوفي الايدي وتتركونا نموت بالبراميل المتفجرة والصواريخ التي تطلق علينا من طائرات المجرم بشار والمجرم بوتين؟». محمود بركات، الذي تمكن من الفرار من حلب إلى بيروت في لبنان وصف صورة الوضع في المدينة الكبرى التي دمرت حتى الاساس فقال: «من فر ليس له إلى أين يعود، ومن لا يزال عالقا في المدينة المحاصرة يختبيء للنجاة بحياته».
بعد ان وجهوا اتهامات شديدة للرئيس بوتين، الرئيس اوباما وزعماء الاسرة الدولية، يتركز غضب سكان حلب على صمت حكام العالم العربي. فقد خرج أمس الالاف للتظاهر في بيروت، في القاهرة، في عمان وفي امارات الخليج العربي ضد زعمائهم. واشتكى الناطق بلسان «الهلال الاحمر» الموازي الشرق أوسطي للصليب الاحمر على المصاعب التي يضعها النظام السوري فقال: «لا يوجد لنا سبيل لتقديم المساعدة واخلاء المصابين في حلب، فالنظام السوري يمنعنا من الاقتراب»
وبالتوازي مع الهجمات في حلب افادت «العربية» أمس بأن سلاح الجو السوري ألقى ببراميل متفجرة على مدينة حماة في سوريا. وحسب التقرير، كنتيجة للقصف، قتل 85 شخصا، بينهم 17 طفلا، جراء استخدام براميل غاز السارين الذين يتسبب بالموت الفوري خنقا.
وفتح أمس في التويتر هشتاغ «حلب تدمر»، ويحظى بعشرات الاف المتابعين. وضمن امور اخرى رفع إلى الشبكة فيلم قصير تتجمد له العروق لمحمد ابن الثالثة من حلب، قبل لحظات قليلة من موته بشظايا صاروخ أصاب منزله. فقد قال الطفل الصغير قبل أن يغلق عينيه إلى الابد: «سأروي لله ما تفعلونه بنا».
يديعوت 14/12/2016