حلب… كي تكتمل الصورة

حجم الخط
6

ما ان إنتهت الهدنة لأسبوع بين فصائل المعارضة من جهة والروس وباقي الميليشيات بنسخها العربية والأعجمية بما فيها نظام الأسد، حتى اندلعت الحرائق المهولة من جديد بوحشية وتجرّد تام «كعادتها الحروب» من أبسط ما يمكن أن يتفق عليه كإمداد المدنيين المحاصرين داخل المدن المقصوفة والمدمّرة بالمؤونة والماء الشروب والأدوية.
طائرات السوخوي تقصف بشكل جنوني كل ساكن ومتحرك ،لم يسلم شبر في حلب من نيران صواريخها الحاقدة على جرأة هذا الشعب الذي سعى إلى إقتلاع نظام حرس الحدود الإسرائيلي. كل مشاهد القتل والتمزيق والبتر، مشاهد الصراخ والصمت المفجوع في أعين عمران وغيره من صغار سوريا التي تتناقلها وسائل الإعلام المرئية والمقروءة على مدار الساعة ، يبدو أنّها غير كافية لحد الآن لزعزعة الضمير الإنساني ،الكل شاهد وساكت على خراب سوريا الذي يتم على قدم وساق بأيدي الروس الذين أفاقوا بعد سبات شتوي على وليمة مشرقية دسمة يقومون بإلتهامها قطعة قطعة بمباركة أمريكية وإسرائيلية، فأقدموا على فعلهم الإجرامي دون حسيب أو رقيب.
في أحد التسريبات المتداولة الأخيرة «التي أصبحت لا تقدم ولا تأخر ولا تغير في ما تمّ رسمه وتحديده مسبقا»، يقول جون كيري بكل صفاقة ،أن الروس تدخّلوا في سوريا بدعوى من النظام القائم ، لذلك هم «الأمريكيون « لا يوجد لديهم غطاء قانوني يتيح لهم فرص مساعدة المعارضة «المعتدلة» .»على أساس أن تدخلاتهم لنصرة العدالة والقيم الديمقراطية في فييتنام وأفغانستان والصومال وليس آخرها العراق كانت تلبية لنداء جان جاك روسو؟»
هذا المشهد السياسي والعسكري الذي يصيب بالحنق والقهر، يقابله مشهد أو بالأحرى مشاهد لا تقل قتامة وبؤسا عن خبث السياسة ورائحة الدم والبارود. وهي مشاهد «النخب» أو الجوقة التي تعزف نشازا فكريا وإنسانيا ، ذلك لإستماتتهم في قلب المفاهيم والتنصل من الحقيقة الوحيدة المتمثلة في أنهم لا يؤمنون بالحرية والإنعتاق من السادية والحكـم الواحد، بأنهم عبدة ملالي ودولارات، بأنـهم أجـبن من أن يقولوا كلمة الحـق : «أن الشـعوب العـربية مـن حقّها أن تثور وتقول كلمتها للتاريخ ، لسنا أقل شأنا من آل الشمال، ذخرنا الثقافي والديني والفكري يؤهلنا أن نكون سادة لا عبيد.»
يظل أحد أولئك يتحدث في كل ما يخص أمريكا ومخطّطاتها ، والصهيونية والمؤامرة الكونية، ويتحاشى ذكر مجزرة حماة، وعذاب المساجين السياسيين والسياسة العرقية التي مارسها آل الأسد مذ وضعهم على سدة الحكم، بعد خدماتهم الجليلة في القنيطرة في غابر الأيام ، هذه الطبقة «المثقفة» تطبل للفاتح الروسي الذي سيقتلع براثن الإمبريالية، ويعيد القدس للفلسطينيين ويلملم جراح العراق واليمن ، ويوقف المدّ الصفوي الذي بات هو الواقع والملموس لا أحد غيره، لا تدري وأنت تستمع لحديثه ومحاولاته الباهتة للذود عن حمى الأسد وآله ، هل الرجل في كامل قواه العقلية ؟ أم أصيب هو الآخر بفصام النظري والتطبيقي؟
ولأنك كيفما قلّبت وحاولت الفهم ستجد نفسك أمام حقيقة الغدر والخديعة الكامن في نفوس هؤلاء، وأولئك «الساسة» سبب خيباتنا، وهذا الكيان الإسرائيلي المغروس في أرضنا ،الذي تقدّم له كل فروض الطاعة والولاء وعلى المكشوف هذه المرّة ،آخرها الوفود العربية التي ذهبت لمراسم دفن جندي الهاغانا السابق ومهندس المفاعل النووي ديمونا، وقائد مجزرة قانا، «صاحب نوبل للسلام»؟ هؤلاء بدّلوا وجوههم العربية ، بوجوه الذل العار، ليكتمل المشهد في لوحة سريالية.
وقد جاء في الأثر عن سيد البشر: «إن لم تستح فافعل ما شئت».

كاتبة من الجزائر

حلب… كي تكتمل الصورة

منى مقراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية