حلم أوروبي بالمكسب العربي

لا تنفك الأخبار السيئة تأتي كل يوم بالدليل على أن كره الأجانب قد أعمى بريطانيا حتى جعلها تفعل بنفسها ما يفعل العدو بعدوه. وها أن حكم القضاء الخميس بأن البرلمان هو السيد في تقرير طريقة التفاوض على شروط «البركسيت» قد أوقع حكومة تريزا ماي في مأزق ما هي بخارجة منه حتى تعلن أنها ستسعى في المفاوضات مع بروكسل إلى الحفاظ على عضوية بريطانيا داخل السوق الأوروبية الموحدة. وجواب بروكسل معروف: العضوية في السوق الموحدة امتياز. وشرط الامتياز، أو ثمنه، هو حرية تنقل المواطنين بين جميع البلدان الأوروبية: أي حق البولنديين والتشيك، الخ. في الإقامة والعمل في بريطانيا، تماما كما يحق للبريطانيين الإقامة والعمل حيثما شاؤوا في البلاد الأوروبية. فإما أن تقبل بريطانيا خسارة هذا الامتياز، وهي خسارة فادحة جدا لا تتحملها البلاد، وإما أن تقبل شرط الامتياز فتعود إلى نقطة الصفر، ويكون البركسيت كله مجرد تمرين في العبث.
ولا يمكن لمن يتأمل في عبثية هذه الحلقة المفرغة التي ارتمت فيها بريطانيا بملء إرادتها، وفي صعوبة ما يتخبط فيه الاتحاد الأوروبي من مشكلات، ليست قضية البركسيت سوى أبرزها عنوانا، إلا أن يتذكر قولة جان موني الشهيرة: «كان الأوجب أن نبدأ بالثقافة». كان جان موني من الآباء المؤسسين عام 1957 للسوق الأوروبية المشتركة، التي صارت تعرف لاحقا بالمجموعة الاقتصادية الأوروبية ثم الاتحاد الأوروبي. وقد نسبت إليه هذه القولة في سياق التدليل على أن الصعوبات التي تعترض مساعي الاندماج الأوروبي، منذ كان عدد أعضاء السوق المشتركة لا يتجاوز ست دول، إنما هي صعوبات ناجمة أساسا عن اختلاف في العقليات والثقافات. اختلاف ثقافي في صلب الديمقراطيات الأوروبية الأصليّة بين أوروبا اللاتينية، ممثلة في فرنسا وإيطاليا، وبين البقية: ألمانيا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ. اختلاف ثقافي بين الميل الألماني إلى التوصل إلى الحلول التوافقية، بل الإجماعية، وبين الميل الفرنسي إلى الصراع الذي لا يمكن أن ينتهي إلا بمنتصر ومنهزم.
وقد اشتهرت هذه القولة المنسوبة إلى جان موني حتى أنه لا يكاد يمر أسبوع إلا أتت على لسان أحد الساسة أو المثقفين الفرنسيين. ولهذا فقد استشهد بها الناقد الأدبي فيليب سولرز الخميس في إحدى الإذاعات عندما استضيف للتعليق على الأوضاع السياسية في فرنسا وأوروبا وعلى إعلان فوز الروائية الفرنسية ذات الأصل المغربي ليلى سليماني بجائزة غونكور عن روايتها «أغنية هادئة». ولكن رغم وجاهة القول بأن التقارب الثقافي هو شرط لنجاح الحلم الأوروبي بتحقيق اندماج اقتصادي وسياسي لا نظير له في التاريخ، فإن جان موني لم يقل شيئا من ذلك! وإنما هي رمية من غير رام:إذ إن انتشار مقولة وجوب البدء بالثقافة يثبت أنها عبرة عميقة أثمرتها التجربة الطويلة. ولهذا كان ميتران يقول لخاصته إن الاندماج الأوروبي صعب شاق لأنه ضد الطبيعة!
مقابل هذا الوجه السالب من الإشكالية الثقافية أوروبيّا يقف الوجه الواجب عربيّا: ما تحلم به أوروبا هو تحصيل حاصل لدينا! ذلك أن هنالك من المثقفين العرب الذين لا يزالون مؤمنين بإمكانية اتحاد العرب يوما ما من يقول إن الوحدة الثقافية بين العرب قائمة أصلا. فلم يبق إذن، لو انفتحت البصائر وصدقت العزائم، سوى البدء بالتكامل الاقتصادي الذي لا بد أن يؤدي يوما إلى التكامل السياسي في تجمّع كونفدرالي أو إلى الاندماج السياسي في اتحاد فدرالي. ويرى هؤلاء أن الفائدة من التكامل الاقتصادي من البداهة بحيث لا يحتاج إلى تبريرات عاطفية، وإنما يكفي أن يقوم على الحساب المصلحي المشترك. أما البقية، فسيتكفّل زخم مسارات اشتباك المصالح بتسهيل تحقيقها.
كلام يبدو محلّقا في البعيد، بالنظر إلى ظلام ما نحن فيه من أوطان تمزق بالحروب والفتن وأخرى تستلّ منها الروح في احتضار بطيء تطيله بلادة الحكام وسوء التدبير وموت الضمير. كلام يبدو محلقا في البعيد بالنظر إلى رداءة ما نحن فيه من تخلف، ليس عن الغير بل عن الذات. ذلك أننا صرنا متخلفين لا عن ركب العالم فحسب (إذ بيننا وبينه منذ القديم سنوات ضوئية) وإنما صرنا متخلفين حتى عن ركب أنفسنا. فقد صار يبدو من المستحيل علينا مجرد الرجوع إلى ما كنا عليه قبل حوالي نصف قرن. ولكن قد تكون هذه هي لحظة إمكان انبعاث طائر الفينيق من الرماد. الآن بالضبط ربما يصبح الشاق المستحيل الذي حلمت به الأجيال هو الممكن الوحيد لمواجهة احتمال الفناء.

٭ كاتب تونسي

حلم أوروبي بالمكسب العربي

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية