كتب مؤخرا عميد الصحافيين الجزائريين سعد بوعقبة مقالا في عموده اليومي في جريدة «الخبر» اليومية، يتفق فيه مع مقولة رئيس حزب التجمع الوطني للثقافة والديمقراطية محسن بلعباس توقع من خلالها انهيارا وشيكا للنظام الجزائري، على ضوء الصراعات الحاصلة داخل السلطة وما بين أجنحتها، بل داخل الجناح الواحد نفسه، في ظل نهاية الكاريزما التي كان يسعها سابقا التحكم في إدارة خيوط الصراع وتحقيـــق التوازن فيما بين تلك الأجنحة، على مدار العقود التي أعقبت الاستقلال.
لكن لا بوعقبة ولا حتى محسن بلعباس، استشرف لنا مستقبل السياسة في الجزائر، في حال انهار النظام القائم منذ الانقلاب على شرعية الحكومة المؤقتة سنة 1962، وهو من يومها يرث التاريخ الوطني ويحتكر الوعي وكل فُهوم العيش المشترك، وفق رؤية غنائمية ليس للسلطة فحسب، بل للوطن ككل، ولم يترك لغير أبنائه فرصة طرح وتحقيق المبادرة السياسية التي من شأنها أن تسهم في تنشئة فاعل سياسي جاد ومسؤول مشبع بقيم العمل المؤسسي، فكيف وحال هذه بات البعض يبشر بجمهورية ثانية؟ وهل تداعت جل الأطراف لشرطية التحول العددي في الأنموذج الجمهوري؟ بل إن السؤال الملح يظل يفرض نفسه إن كنا نملك حقا الوعي المفهومي لهذا التحول الجمهوري؟ لكن يغدو حري بنا، قبل أن نحاول الإجابة عن تلك التساؤلات المرتبطة بشعار التحول «الرقمي» في العيش الجمهوري، أن ننوه بظاهرة باتت تصنع اللحظة السياسية التي تولدت عن التحول الكبير الذي حصل على مستوى بيت السلطة، بانقضاض الرئاسة على الرأس المدبر للسلطة، والمتمرد عليها من قبل الاستقلال حتى، ونعني به هنا جهاز المخابرات، وضمه إليها، بعد إقالة مسؤوله الأسطوري الفريق توفيق. تحول هزّ المشهد السياسي الوطني على اعتبار أن السلطة هي الماسكة بتلابيب هذا المشهد والمديرة والمدبرة له عبر رؤوسها الثلاث، بالشاكلة والتوقيت والآليات التي تراها الانسب، ومن جملة تداعيات ذلك التحول كانت بداية انكشاف الولاءات السابقة من طرف ما يسمى بأحزاب المعارضة، رؤوس السلطة تلك، بعضها كان يدين بالولاء للرئاسة حتى لا نقول الرئيس، وبعضها للمخابرات، من هنا رأينا كيف انساب الصراع وامتد شرخه من الرأس ليصل إلى الأقدام، وتمظهرت كسوره داخل القصور الصغير لبعض الأحزاب الكبيرة، أو هكذا تنعت جزافا على الأقل في الخطاب التعددي السياسي والاعلامي المكسور بالجزائر، فتمرد البرلماني نور الدين آيت حمودة، ابن أحد كبار قادة جيش التحرير الوطني، العقيد عميروش، بفعل تمدد شرخ التحول في هاته السلطة، على حزبه وزعيمه التاريخي سعيد سعدي، والأمر ذاته يحصل مع أبو جرة سلطاني في حركة مجتمع السلم، المحاولات الحثيثة الجارية الآن لتفجير حزب العمال للويزة حنون، وقبل هؤلاء جميعا كان العبث قد عصف بجبهة التحرير الوطني، كل ذلك يبرز ويبرر السؤال المحير كيف لتحول في السلطة أن يفجر أحزاب المعارضة، في الوقت الذي يفترض أن يحدث فيه العكس؟ هذا ما يؤكد حقيقة إمساك السلطة بقانون وميدان وتوقيت اللعبة السياسة في البلد، وأن التعددية إما أن تكون ديكورية، أو تطالها آليات البطش الديكتاتورية.
هي إذا حالة من الانكشاف لمشهد تعددي وهمي دام لربع قرن، لم يكن في حقيقة الأمر أكثر من إضافة «أسلوبية» في فن تقاسم السلطة ودوائر اشتغالها، بدلا من التأسيس لمجتمع سياسي حقيقي يقوم على التعدد والتنوع في الأفكار والأجهزة الحزبية الصحيحة والصحية، وهذا يعكس حالة التعثر المستديم في الانتقال السياسي السليم بالبلاد.
لكن ما ينبغي التسليم به هو أنه حتى يتسنى لنا أن نُمعلم بالأرقام والأعداد تحولات مراحل تاريخنا الجمهوري ينبغي لنا أن نعي أولا طبيعة تحولات كهذه، إذ أن التحول ليس لباسا دستوريا يُلبس على قاعدة التعاقب الموسمي بفصوله الأربعة، التحول الجمهوري ينبلج كنتاج لإفرازات التفاعل الحاصل مع طبيعة التطور الناجز على مستوى الوعي الوطني، والحاجة الملحة للخلاص من شاكلة وجود نمط في التعايش الجمعي في نطاقات عدة، وإلا تعفن ذلك التعايش وحدث الانفجار الذي قد لا يُهتدى لتجاوزه مطلقا من سبيل. فهل خضعت جمهوريتنا الأولى إلى نقد مرجعي مؤسس، بحيث يتيح لنا التحول فعلا إلى مرحلة أخرى من عمرنا الجمهوري؟ فنحن في الجزائر لم نبرح بعد سؤال التأسيس الجمهوري وإشكالاته المتوالية وثنائياته المتوارية، كسؤال الأولويات، وأوليات من على من؟ السياسي على العسكري، الداخل على الخارج؟ فالتعديل الدستوري الأخير عاد وأعطى الأولوية للداخل على الخارج في تهميش آخر للدياسبورا الوطنية، كما أننا لم نحل بعد على مستوى الخطاب التاريخي ذي الارتباط بالحالة السياسية مسألة الشرعية التي اغتصبت صيف سنة 1962، فعن أي جمهورية هنا نتحدث وإلى أي جمهورية نبغي التحول؟
من هنا تبرز مشكلة القاموس السياسي الذي يغذي لغة أطراف المشهد السياسي الوطني، التي تتماهى في أدبيات خطاب الآخر في تاريخ السياسة وسياسة التاريخ، فكما أن فرنسا تحولت عدديا ومرحليا من جمهورية إلى أخرى يمكننا أن نلبس تجربتها ونرقمن تحولاتنا حتى إن لم نتحول فعليا قط! فالفاعل السياسي في الجزائر يبدو فاقدا للبوصلة التي من شأنها أن تتيح له فهم مسالك حركته في التاريخ، فهو إما أن يقرأ السياسة بالتاريخ أو يقرأ التاريخ بالسياسة، لذا ظل مفصولا عن حركة الواقع واستخراج وإبداع النموذج التحولي الخاص من طبعه وطبيعته، لهذا لم يجد تجار السلطة عسرا يذكر في تسويق البضاعة الدستورية الجديدة سياسيا وإعلاميا، بالاستيلاء على ما يملأ فكر السياسي الجزائري من ذاك القاموس، بالتأكيد على أنها – أي السلطة – ماضية بالأمة إلى نموذج آخر في الشراكة الوطنية تحت مسمى الجمهورية الثانية.
تماما مثلما حصل مع قانون المصالحة الوطنية الذي صيغ بطريقة مترفعة عن عرف التصالح وأهم أعمدته التي هي حتمية التصارح، فأنزلته كما أنزلت الدستور على القواعد، وقالت على لسان الرئيس بوتفليقة حينها إن ذلك جاء استجابة للوضع الهش في العلاقة القائمة بين مختلف أطراف المأساة الوطنية، في احتكار مستمر لمسألة تفعيل آليات اشتغال الوعي الوطني.
إن طبيعة التجربة في المجتمع هي التي تفرض نمط وميقات التحول، فالتحول قبل أن يكون عددا فهو عُدة، من ألم وأمل ووعي بهما، كل ذلك يفجر في عبقرية الشعوب ونخبها ويفجرونها على أرض الواقع، فحين نرى الإصلاح، والتغيير وحتى الثورة في عالمنا العربي، والجزائر على وجه أخص، أصبحت من قائمة الأعطيات التي تتفضل بها السلطة على الشعب الغارق في التألم والنُخبي المستغرق في المتأمل، ندرك حقا سبب الإخفاق في تجاوز الراهن.
شخصيا أعجب كثيرا من شعار التحول إلى جمهورية ثانية كيف يرفعه مؤسسو الجمهورية الأولى، ويزداد عجبي حين أرى النخب الإعلامية والسياسية وقد لاذت بالصمت إزاء هذا الذي يحدث، وكأنها لفرط ما نالها عبر عقود من تهميش وصلف وبطش السلطة، خطابا وممارسة، باتت أسيرة لغة هاته السلطة التي تصوغ بها الوعي الوطني وتديره كيف وأنى شاءت، إلى درجة أن نضب الخيال التغيري ولم يعد بوسع المعارضة أن تفعله لاستحضار نمــوذج خاص، أكثر من أن تستعير تعابير حركة التاريخ لدى أمم أخرى قامت تجاربها على خصوصيات جزئية قد لا تتوافق معنا، وتلزمك عبثية المشهد الساخر أن ترى أيضا، في خضم ضجيج «الجمهورية الثانية» الحنين يضطرم في عقول ونفوس النخب والعامة من الجزائريين لقادة الجمهورية الأولى وبالأخص لبومدين وزمنه، في ارتكاس فاضح مفضوح للوعي بالتاريخ، وهذا في عز المطالبة بالرقمنة الجمهورية والانتقال العددي فيها من دون عُدة، في مفارقة عجيبة عاكسة لحالة الفراغ الكبير الذي بُني عليه والوجود الوطني خطابا وممارسة منذ الاستقلال الوطني.
٭ كاتب صحافي جزائري
بشير عمري