تونس ـ أيمن جملي: لم تتمكن الحكومات التونسية التي تولت السلطة منذ 2011 (7 حكومات)، من طي ملف البطالة وحسمه، والذي أصبح كتلة النار التي تحرق كل وزير يحاول إخمادها.
كان مطلب «التشغيل» أول الشعارات التي رفعها المحتجون أمام نظام بن علي، ومن أشهرها «التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق»، غير أن السلطة فضّلت في كل مرة حلولاً أشبه بمسكنات محدودة الفاعلية لمرض عضال ما فتئ ينتشر ويتسع في كل مرة، استنادا لمراقبين محليين.
ووفقا لإحصائيات رسمية، يوجد في محافظة القصرين فقط نحو 30 ألف عاطل عن العمل، أكثر من نصفهم من حاملي الشهادات العليا ومن خريجي الجامعات التونسية، من مجموع 700 ألف عاطل عن العمل في البلاد.
وشهدت القصرين (وسط غرب)، منذ بداية الأسبوع الماضي، مظاهرات احتجاجية، بعد أن تجمع عدد من الشباب، رفضاً لما أسموه «تلاعب السلطة المحلية في قائمة أسماء المعينين في وظائف حكومية»، ورشقوا قوات الأمن بالحجارة، كما أشعلوا النيران في عجلات مطاطية وسط الطريق الرئيسي بالمدينة.
وجاءت تلك المواجهات التي سرعان ما امتدت لمدن أخرى، بعد يومين، من وفاة شاب متأثرًا بإصابات نتجت عن صعق كهربائي، بعد تسلقه لأحد أعمدة الإنارة، احتجاجًا على عدم ورود اسمه في قائمة كشوف المعينين بالوظائف.
وفي خطوة لإخماد الاحتجاجات، أعلنت حكومة «الحبيب الصيد» عن برامج للتدخل في أزمة التشغيل (تراوحت بين العاجلة والآجلة)، للتنفيذ السريع على غرار حوار وطني، بحيث تشرف عليها الحكومة في أقرب وقت ممكن من العام الجاري، وتوفير 23 ألف موطن شغل (فرصة عمل)، منها 16 ألفا للوظيفة الحكومية تخصص أغلبها للجيش والأمن والصحة، وتشغيل فرد عن كل عائلة معوزة، كما ألغيت شروط الضمان في الحصول على قروض المشاريع.
إلى ذلك دعت منظمات اجتماعية وأحزاب سياسية ونقابات إلى ضرورة إرساء حوار وطني للتشغيل، تكون مخرجاته كفيلة بوضع إستراتيجية طويلة المدى للحد من ظاهرة البطالة.
الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي، يرى أن «القطاعات المنتجة هي أساسا في الاستثمار الخاص، لأن القطاع العام لم يعد يتحمل استيعاب المزيد من العاطلين عن العمل، فعدد الموظفين التابعين للقطاع الحكومي بلغ مستويات قياسية، إضافة إلى أن إنتاجية الإدارة التونسية تقلصت كثيرا، فنسبة غياب الموظف تقدر بـ 10 دقائق في اليوم، كما أن المطالبة المستمرة في الزيادة في الأجور أرهقت القطاع».
ويواصل الشكندالي: «الدولة لا تستطيع الذهاب لأبعد من ذلك، والدور موكول للقطاع الخاص والاستثمار الذي يعاني بدوره من أرقام سلبية منذ 2012، بسبب فترة الانتقال الديمقراطي والدولة لم تعد قادرة على تحفيز الاستثمار».
بدوره يرفض زيادة العذاري، وزير التشغيل والتكوين المهني، ما يصفه بـ»الحلول العاجلة لتهدئة الأوضاع والمطالب الاجتماعية التي لم تتوقف منذ 2011»، حيث يُبين في تصريحات إعلامية بعد أحداث القصرين «لا نريد حلولا ترقيعية ومُسكنات، يجب العمل على خطط طويلة المدى لاستيعاب طالبي الشغل»، معلناً أنه «خلال 2016 الدولة ستوظف 16 ألف في الوظيفة العمومية، وهذا رقم مهم ولكن غير كافي، يجب دفع القطاع الخاص ونقولها بكل صراحة يجب دفع القطاع الخاص».
وتواجه الحكومة التونسية صعوبات مالية، خاصة وأن عجز الميزانية فاق 4٪، وكتلة أجور موظفيها بلغت رقماً قياسياً في العام 2016، بقيمة 6 مليار دولار ضمن ميزانية قدرها 15 مليار دولار.
واعتبر العذاري أن «الدولة ستنهار لو تم استيعاب كافة العاطلين عن العمل»، وكانت وزارته أطلقت مشروعا باسم ”فرصتي» منذ سنة، يهدف لإعانة الشباب وتشجيعهم على خلق مشاريع صغرى خاصة، للمساعدة في امتصاص مطالب التشغيل.
ويرجع الشكنداني (أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية) تراجع الاستثمار لأسباب عديدة، منها التجاذبات والأزمات والتحالفات السياسية غير المعلنة في البلاد، وعليه أصبح المشهد السياسي والرؤية ضبابية أمام المستثمر، كما أن الوضع الأمني غير المستقر لا يقدم ضمانات لحماية الممتلكات، وملف العدالة الانتقالية لم يحسم بعد.
كما يشخّص وضع ملف التشغيل والبطالة من منطلق أن «الحكومات منذ 5 سنوات تلجأ لمُسكنات، وأصبح الاقتصاد التونسي مُدمن مسكنات وأقراص مسكنة وهي القرارات العاجلة لمواجهة البطالة»، وفقاً لوصفه.
ويرى رضا الشكندالي، وهو مدير سابق لمركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية (حكومي)، أن الحل يكمن في قطاع الزراعة والصيد البحري، وأنه الوحيد، وفق تعبيره الذي يستطيع امتصاص الكم الهائل من طالبي الشغل (العمل)، لأنه برهن خلال السنوات الـ 5 السابقة، أنه ورغم مشاكله الهيكلية حقق أرقاما هامة جنبت تونس «كارثة» اقتصادية من خلال فوائض الحليب وزيت الزيتون والتمور.
وفي سياق متصل، بسبب ازدياد طالبي الشغل في السوق التونسية، يرجح وزير المالية الأسبق والخبير الحسين الديماسي، أن المنظومة التعليمية في تونس أصابها منذ ما بين 15 إلى 20 عام ما وصفه بـ «عدم مواكبتها لما يطلبه السوق».
وتابع: «المنظومة التعليمية لم تتأقلم ولم تعد تواكب ما يطلبه السوق، لأن التعليم العالي كان حكرا منذ سبعينات القرن الماضي على الطبقة الغنية، لذلك خريجو الجامعات عددهم محدود.. أما اليوم فأصبحوا في تزايد مستمر، ما أضعف مردودية المنظومة وضعف التكوين».
ويضيف «من أثر الثورة، تراجع الاستثمار الذي كان من شأنه أن يقلل من طلبات الشغل، وفي بعض القطاعات اضمحل تقريبا، فضلاً عن أن الحكومات أصبحت تنساق لظغوطات الشارع والمطالب الاجتماعية بالزيادة في الأجور والتوظيف، وهي قرارات عشوائية لا يمكن أن تخلق فرص شغل دائمة، بل وتزيد في تأزم المشكل وهي قرارات تصبير فقط».
(الأناضول)