مناخات الحقبة الرقمية : في مناخات مضطربة يشهدها إنسان الحقبة الرقمية، تبرز منصات التعبير تمثيلاً أشد وجاهة من مشروعية الأجناس. فالفنون والآداب عامة بدأت تتخذ من الوسائط الجديدة منهجاً ورؤية للتعبير، لكونها تضيف تشكيلاً غير مسبوق من إدراك القوى الكامنة في النص، وتقاطعها مع المتلقي، ومن النماذج المتقدمة في هذا المستوى مجموعة الشاعرة روبي كور التي بدأت كتابة الشعر عبر إحدى وسائل التواصل الاجتماعي لتنتقل بعد سنوات إلى أكثر الشعراء مقروئية في العالم، وتتصدر مجموعاتها الشعرية «حليب وعسل» الكتب الأكثر مبيعاً.
ولعل هذا يعلل بأن روبي كور استجابت لحدسها الشعري للتعبير عما يطرأ على الإنسان في عالم شديد التعقيد، ومن هنا فإننا نعالج هذا الحضور لشاعرة قائمة بين ثقافتين، بالتوازي مع إشكاليات الكتابة العربية.
لعل التفسيرات للفعل الإبداعي بوصفها نمطاً من التعبير عن القضايا والإشكاليات التي يعاني منها الإنسان، غير أنها تبدو غير واضحة في هذه المناخات التي تنطوي على الكثير من التداخلات، والاضطراب، ما أفقد الكتابة والتلقي بهجتهما البدائية، ففي التكوينات السردية التي بدأت تطيح بعالم الشعر، ثمة مسألة مشروعة تتعلق في واقع الشعر العربي، أو الشعر عامة في ظل هذا الهذيان من تراكمات الخطابات التي تنتشر هنا وهناك، غير أن قيمة الشعر بوصفه أداة تعبيرية في الثقافة العربية لا يمكن أن ننعته بتوفر حالة إبداعية صحية، كما في معظم عقود الثقافة ما بعد الحقبة الاستعمارية؛ أي أن الكتابة تخضع للرغبة في التعبير عن أمر ما شديد التعلق بالمناخ السياسي، أو الطارئ الخارجي، الذي يفضي إلى تحولات في طرائق التعبير الأكثر قدرة على تكوين تصورات، وأفكار مناسبة. فوعي الكتابة لدينا لا ينتج من إدراكنا لملاءمة الصيغة للذات، إنما لما هو خارج الذات، فلا جرم إن أصبحت كافة قضايانا ومشاعرنا يعبر عنها من خلال الرواية على الرغم من أنها ربما لا تعد الجنس الأمثل لبعض القضايا، لقد حيدنا القصة والشعر بلا وعي إدراكي، إنما امتثال لرغبة الشائع، ما يعني أننا أمة لا تؤمن بالفعل التجاوري، أو بما يمكن أن نطلق عليه معنى التنوع، وهذا على ما يبدو أقرب إلى جرثومة في حياتنا العربية، التي تؤمن بمبدئي الإلغاء والتجاوز والإقصاء، فنحن إما أن نكون أمة شعر، وإما أن نكون أمة رواية بالمطلق، لا يمكن أن ندرك أن التعبير ينطلق من الأداة المثلى، فكيف يمكن أن نحشر كافة مشاعرنا وعواطفنا وأحاسيسنا في رواية؟ ومن ثم نبدأ نجتر، أو نستعيد، أو نعيد إنتاج كل شيء عبرها، هذا ما يمكن أن يعد حالة من حالات التشوه الإبداعي والنفسي والثقافي.
الشعر في الوعي
إن قراءتنا للمنتج الإبداعي من ناحية كمية؛ أي عبر مستويات القراءة سنجد أن تمثيل الشعر في وعينا بات في حالة إرجاء، في حين أنه يبقى شكلا من أشكال التعبير الأكثر قدرة على اختزال الكثير من منظوراتنا تجاه الحياة، بحيث يعجز السرد عنه. لقد أفقدنا الشعر رونقه في ممارستنا التي بدأت تبحث عن مبررات، واشتراطات الكتابة، وعلاقة الموروث بالتجديد، ومحاولة تحديد القيم، وهذا ما يجعلنا نعتقد بأننا غير قادرين على الإيمان بفكرة التنوع، فإما أن نرفض الشعر التقليدي، وإما أن نرفض الشعر الحر، في حين أن قصيدة النثر ترفض كليهما، أو مرفوضة من كليهما.
هذا التنازع البغيض على التعريفات والحدود، أفقدنا معنى الإبقاء على فاعلية الكتابة ودفئها ضمن ظاهرة التنوع الأجناسي، فلم تعد كتابة الشعر سوى ممارسات على الهامش، فثمة تراجع واضح لكافة الأجناس الأدبية أمام الرواية انطلاقاً من انحراف تاريخي يتصل بإشكالية تعاطينا معه، أو لعله استجابة لنزعة جينية مزمنة لا تعترف بمعنى التنوع، أو أنها تؤمن بإلغاء الآخر، كما في أدبياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
روبي كار ومجموعتها «حليب وعسل»
لا شك أن كافة الثقافات لا تسعى لإلغاء ذاتها، إنما تسعى للتعلم من قبول كل شيء بوصفه جزءاً من العالم. فالأمم الناضجة لا ترتهن لماضيها أو تراثها بالكلية، ولا تقتله بالمطلق، إنما تعمل هذا الأشياء بمحاذاة بعضها بعضا، تتزامن وتتجاور، فعلى سبيل المثال نجد أن مجموعة الشاعرة روبي كور (25) عاما- الهندية الأصل والكندية الجنسية- تسعى إلى إحداث هزة في وعي المتلقي، نظراً لحساسية موضوعاتها، وجرأتها وبساطتها. المجموعة أثارت جدلاً كبيراً من منطلق انطوائها على ما نخشى أن نتحدث عنه، ولكن الشاعرة قدّمت صوتها ضمن منظور عميق، أو لعله على العكس من ذلك بدت بسيطة إلى حد أنها باتت ظاهرة، وهنا ينبغي التنبه إلى أنها خاطبت وعي القراء من مختلف الأعمار، غير أنها استقرت في مناخات أبناء جيلها، كما بنات جنسها، ربما تبدو لغتها صادمة للبعض، وربما تبدو للبعض شديدة الخصوصية، أو الفرادة، غير أن ثمة اتفاقاً على أنها متميزة جمالياً، وهذا ربما لكونها تصاغ بين ثنايا العقل والروح… ولكن أليس هذا هو الشعر الحقيقي؟ في جملها الشعرية القصيرة، ورسومها الحاملة لإيحاءات مندمجة في البيئة الكلية للقصيدة، نجد أن لغتها قابلة لأن تتخذ تشكيلها تبعاً لوعي من يقرأ، فالفتاة التي أدركت أنها في عوالم مختلفة، طارئة بين ثقافتين، لجأت للحديث عن اللغة والعرق، والأنوثة والإرث الشرقي، بما في ذلك هيمنة الأب وأزمة الهجرة، بالإضافة إلى قيمة الجسد، والفقد، والخسارة… كلها مستويات أغرقتها روبي كار بالتأمل الشعري القائم على استثمار الممارسة الطبيعية إلى أسئلة شديدة الحساسية حيث تقول:
عندما تفتح أمي فمها
لتشرع بمحادثة على مائدة العشاء
يحشر والدي كلمة الصمت بين شفتيها
ويطلب منها ألا تتكلم وفمها ممتلئ
هكذا تتعلم النساء في عائلتي العيش
وفمهن مغلق
وفي مقطع آخر تقول :
كل ثورة
تبدأ وتنتهي في شفتيه
وفي سعيها لتحديد أنوثتها من منظور إنساني عميق تقول في قصيدة لها:
وضع يديه على عقلي
قبل أن يصل إلى خصري أو شفتي…
لم يقل في البدء إني جميلة
إنما قال رائعة
هكذا تتخذ تكويناتها الشعرية – بجملها الشديدة الاختصار- معاني لا يمكن إلا أن نتأملها لا بوصفها موقفا ما، فهي تنطوي على مساحة من الفضاء لإدراك حدود التأمل، وبالتحديد حين تبدو اللغة منسجمة مع ذاتها، غير نافرة، لا تدّعي ولا تسعى لأن تتطاول كي تدهش عبر البحث عن الاستعارات، والتغريب بمقدار ما تبنى على تموضعها في السياق العادي الذي يعاد إنتاجه، أو إطلاقه محملاً بطاقات جديدة لا تحتاج إلى ورم سردي أو بنية شعرية متحذلقة، لا نتقن صناعتها.
إنها تسعى لأن تحدث قيمة من التأثر، حيث تذهب بعيداً في تقديم أسئلة لا نطرحها عادة، أو هي تعيد طرحها بصورة جديدة، فالحب والهجرة والألم والصدمة والأنوثة والخسارة وكافة القضايا التي تحتل وعينا، ونحيد عن طرحها تقوم الشاعرة الجريئة بمعالجتها، بما في ذلك علاقة الأب مع ابنته، وقيم الهيمنة، ومعنى الحرية، كما في الوعي بالحب وأزمته أمام الآخر، أو تقدير المتعة المتأتية من الحياة، وعشق الجسد، لا شيء يبدو كبيرا أو عميقا للبعض، ولكنه لذات مراهقة، أو شابة يعني كل شيء. فإن تشعر بأنك مختلف في مجتمع آخر، في مدرسة ما، أو أن تستشعر اختلاف لون بشرتك، أو صدمتك عن ملاحظة الآخرين لمخارج الحروف عندما تتكلم لغة أخرى، هي من الأمور التي تمكث في وعي الشاب، فهل يمكن أن نجد وعياً لدى أدبنا قادرا على أن يعكس، أو أن يناقش مشاكل غير النخبة من الأدباء المنشغلين بالبحث عن مصادر تفوقهم، أو مقاومة السلطة بظاهر اللغة.
في المجموعة ثمة عودة لقراءة ماذا تعني الحياة ببساطة؟ تلك المجموعة الشعرية التي كتبت بدون وعي بقيمتها، تحولت إلى ظاهرة حيث بيع منها أكثر من 3 ملايين نسخة، وقبل ذلك كانت عبارة عن سطور شعرية على منصة رقمية. هذا ما يجلعني أتساءل عن فيض الكتابة الرقمية العربية، التي لم تتمكن من إيجاد صدى للتعبير، فماذا نكتب وعما نكتب؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن نفكر فيها، ماذا يكتب الشباب العرب على منصاتهم الرقمية؟ هل ثمة وعي بأزمتنا، بما في ذلك الكراهيات والحروب التي لا تنتهي، أو عن مدى انسحاق الإنسان العربي في ظل غياب الدولة، وكيف لا نعي أن نستخلص العقل من التجربة؟
الكتابة العربية التجاور والإلغاء
اللافت أن الكتاب العربية أضحت نموذجاً أحادياً، ليس هنالك سوى عوالم سردية لا تنبض، إلا ضمن الحدود الضيقة، في حين أن كتل المشاعر التي تحتاج إلى صيغ أو منصات تبدو معطلة، ومعها يغيب الكثير من القدرات الجمالية التي نفتقدها، كما القدرة على خلق وجهات نظر جديدة، ولاسيما تجاه قضايا يومية كالحب والفقد والموت والتسامح. ففي الشعر ثمة التركيز والتكثيف على الموضوع بما يمكن أن ينتج عنه من دهشة ومفارقة، هي تلك الرغبة التي يمكن تتلاشى من عالمنا إذا ما مضينا في هذا القدر السردي المحكم، فهذا الأفول لشعري، والتيه في تحديد النمطية، والصيغة الكتابية تبدو أزمة حقيقية، وهذا يبدو فعلا تاريخياً في الثقافة العربية الحديثة، التي لا تؤمن إلا بالاستبدال، أو الإلغاء، أو التقديس، وحين ندخل في طور التحول نسعى للمقاومة، ومن ثم ينهار الجميع ليتحول الجديد والطارئ شائعاً، ويمكن أن نستدل على ذلك بالشعر عينه حيث كل مدرسة شعرية نبذت الأخرى، فما زالت بعض المؤسسات الثقافية لا تعترف بقصيدة النثر، في حين أن الرواية لدى البعض رجس من عمل الشيطان، وبأن الحداثة بدعة وضلالة، وأن ما بعد الحداثة مشروع استعماري، وأن النقد الثقافي لم يلغ النقد النصي، أو الأدبي، إننا نقاوم لآخر رمق، أو ننهار ونتبنى كل شيء، كما في الثقافة، والدين والاقتصاد والسياسة. فما كنا نعتقد أنه حقيقة أمسى بين ليلة وضحاها سراباً، أو خطأ في التفسير أو التأويل، وحان الوقت كي نبدل ما كنا نؤمن به، ربما لأن ثمة من يتحكم في الأمر، وعلى الجميع أن يبقى في مدار عقله الذاتي. لا يمكننا أن ندرك إلى الآن أن هذا العالم يتسع للجميع، وأن اللغة للجميع، والعقل منوط بصاحبه وحسب، وأن قيمة الكتابة بتعددها وتجاورها.
٭ كاتب فلسطيني أردني
رامي أبو شهاب