زار مبعوثو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الاسبوع خمس عواصم دائمة، وعاصمة مؤقتة هي رام الله. لا يتوقع كثيرون نتائج ملموسة لجولة الوفد الأمريكي الثلاثي: جاريد كوشنر، صهر الرئيس ومستشاره الاقرب؛ والمبعوث الخاص للمنطقة، جيسون غرينبلات؛ ونائبة مستشار الأمن القومي الأمريكي للشؤون الاستراتيجية، دينا حبيب باول، المصرية الاصل والمولد، وتتقن العربية، وهي، اضافة إلى ذلك ايضا، تشغل منذ كانون ثاني/يناير الماضي، منصب مستشارة الرئيس الأمريكي للمبادرات الاقتصادية.
اسباب كثيرة ومتداخلة تدفع الحكومة الاسرائيلية، ورئيسها بنيامين نتنياهو على الاخص، إلى عدم تلبية أي من المطالب الفلسطينية، والى التهرب من احتمال ان تساند الادارة الأمريكية أي واحد من تلك المطالب بالغة التواضع. وغالبية هذه الاسباب معروفة، ولعل اهمها: 1ـ كون هذه الحكومة غاية في يمينيتها وعنصريتها الفاقعة. 2ـ خضوعها إلى الاكثر عنصرية في اليمين الاسرائيلي وبين قطاعات المستعمرين/المستوطنين. 3ـ محاولات نتنياهو صرف الانظار عن القضايا الجنائية التي يخضع هو وافراد عائلته والاكثر قربا منه اليها، وتتعلق بالفساد والرشوة وسوء الأتمان وغيرها.
وبالرغم من ان اسرائيل قلقة بالفعل من تثبيت وتركيز وتوسيع التواجد العسكري الإيراني على الاراضي السورية، الا ان رائحة التهرب الاسرائيلي عموما، وتهرب نتنياهو على الاخص، من مواجهة أي استحقاقات فلسطينية، تفوح من تقصد نتنياهو ترتيب لقائه الخاطف مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، عشية وصول الوفد الأمريكي بالضبط، واربعة وعشرين ساعة فقط قبل اللقاء مع الوفد الثلاثي المذكور. ناهيك عن حرص نتنياهو على اخراج هذا اللقاء السادس مع بوتين، خلال عامين، بشكل دراماتيكي، حيث اعلن مع استعداده للقاء انه اجرى مشاورات معمقة مع المسؤولين الأمنيين الاسرائيليين، وانه يصطحب معه لذلك اللقاء، رئيس «الموساد» وعددا من كبار القادة العسكريين الاسرائيليين. ثم الحق ذلك بتسريبات انه «هدد في اللقاء مع بوتين، من ان اسرائيل ستمنع إيران من ان ترسّخ اكثر، (نعم: اكثر)، سيطرتها في سوريا». ولعل كلمة «اكثر» في هذا السياق، تفيد ان «التهديد» ليس فوريا، واهم من ذلك انه يعني القبول بالوضع الراهن. كل ذلك يوحي ويفيد ان تهديدات نتنياهو ليست اكثر من مناورة، قد يكون هدفها الاهم حرف انظار الاسرائيليين عن القضايا القانونية والجنائية التي حولت نومه إلى مسلسل من الكوابيس. هذا على الجانب الاسرائيلي. فماذا عن الجانب الفلسطيني؟.
التشبث الفلسطيني، المبالغ فيه، بخصوص موضوع «حل الدولتين» يُضعف الموقف الفلسطيني، في اعتقادي على الأقل. طبعا انه لا يضيرنا ولا يضرنا اقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس العربية. اكثر من ذلك: ان تحقيق ذلك هو خطوة كبيرة على طريق حل كل القضية الفلسطينية. لكن عدم تطبيق ذلك يلحق باسرائيل مخاطر اكبر بكثير من تلك التي نتعرض لها. انه تحويل عملي ورسمي لاسرائيل إلى دولة فصل عنصري، ابرتهايد، الامر الذي لا يهدد مصالحها ومستقبلها فقط، وانما يهدد وجودها ذاته، لانه يحولها، بل هو آخذ في تحويلها إلى دولة منبوذة في المجتمع الدولي عامة، وليس في اسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية فقط.
لا يجدر بالفلسطينيين التصدي لـ»حل الدولتين». لكن، لا يجدر بهم ايضا جعله الهدف الأسمى، مع ما في ذلك من مخاطر تحويله الهدف النهائي.
واضح ان مصلحة من يقف على رأس هرم السلطة في فلسطين تكمن في تحقيق انجاز تاريخي كبير. هذا حقه الشخصي. وهذا واجبه الوطني، لأنه يشكل نقلة ايجابية نوعية لكامل وضع الشعب الفلسطيني. لكن القبول بتحقيق هذا الهدف، بل والسعي اليه وبذل الجهد لانجازه، لا يجوز ان يتحول إلى سلاح بيد العدو، او قل الاعداء، يساوموننا عليه، ويفرضون علينا شروطا، ويكبلوننا بقيود مقابل «تكرمهم» على جزء من الشعب الفلسطيني بتحقيق جزء من حقه الطبيعي الثابت في تقرير مصيره بنفسه ودون أي قيد او شرط.
تكمن المعضلة هنا في كيفية التنسيق بين مصلحة آنية في غاية الاهمية، وبين مصالح مستقبلية لنا ولاحفادنا اكثر من ذلك اهمية. والشق الثاني للمعضلة التي نحن بصددها: كيف نمنع الصدام بين مصلحة رأس الهرم الفلسطيني، وجموع جماهير الشعب الفلسطيني في الوطن وفي مخيمات اللجوء والشتات. وكيف يمكن السعي لتناغم العمل الفلسطيني في كافة مستوياته، ولتكريس التكامل بدل التناحر.
تحضرني، في هذا السياق، واقعة مشرقة في التاريخ العربي الحديث، (على قلة مثل تلك الوقائع واللحظات). ففي نيسان/ابريل عام 1960، انفجرت «معركة الباخرة كليوبترا». اثناء احتدام تلك المعركة/الحرب، التي استمرت على مدى ثلاثة اسابيع كاملة، القى خلالها الزعيم المصري العربي خطابا قال فيه: «يهددوننا بتجويع مصر.. أُهدّدهم بجوع مصر». ألَيس في مقدور الرئيس الفلسطيني، ابو مازن، ان يقول له، بل ولهم جميعا: «يهددوننا بعرقلة جهودنا من اجل اقامة دولة فلسطينية مستقلة.. أُهدّدهم بحرماننا من اقامة دولة فلسطينية مستقلة».
وجب التوضيح لابناء الامة العربية الذين حرمتهم جميع انظمة الحكم العربية، والسلطة الفلسطينية ايضا، من جعل الانتصار العربي الكبير في معركة/حرب الباخرة كليوبترا، درسا تعليميا في مناهج التاريخ في المدارس العربية.
لا يتسع المجال للاستفاضة. لذلك، أُجْمِل، مضطرا، في نقاط مختصرة:
ـ يوم 13.4.1960 وصلت الباخرة المصرية «كليوبترا» إلى ميناء نيو يورك، محملة بشحنة قطن مصري طويل التيلة، على ان تفرغ شحنتها هناك، وتعود محمّلة بشحنة قمح أمريكي لمصر.
ـ بتحريض اسرائيلي صهيوني مباشر، وبمشاركة دافيد بن غوريون شخصيا، منعت نقابة عمال الموانئ الأمريكية تموين وتفريغ وشحن الباخرة «كليوبترا» والسماح لبحارتها من مغادرتها، ومنعت تقديم أي خدمات لها، واشترطت لرفع هذا العقاب توقف مصر عن منع وحجز البواخر التي ترفع اعلاما لأي من دول العالم وتمر عبر قناة السويس، وبين حمولاتها بضائع من اسرائيل. وفي مواجهة غير مبررة، تم فقء عين احد افراد طاقم الباخرة التي ترفع علم «الجمهورية العربية المتحدة»، الذين يبلغ عددهم 103 افراد.
ـ تمت تدخلات كثيرة، واتصالات واقامة دعاوى قضائية مستعجلة لدى المحاكم واجهزة القضاء الأمريكية، واتصالات دبلوماسية مع الخارجية الأمريكية، وسيد البيت الابيض حينها، دوايت آيزنهاور، ووصلت حتى امين عام الأمم المتحدة، داغ همرشولد، وباءت كل تلك المحاولات بالفشل.
ـ كانت حجة/ذريعة نقابة عمال ميناء نيو يورك، ان منع مصر لعبور سفن أمريكية تحمل بضائع اسرائيلية، قد تسببت في الاستغناء عن خدمات عمال بحر أمريكيين.
ـ مقابل هذا التصرف الأمريكي، بتحريض اسرائيلي صهيوني، تصرف عبد الناصر فورا، وناشد اتحاد عمال الموانئ العربية بالرد الفوري في تعامله مع السفن الأمريكية بالمثل، أي بمنع شحن وتفريغ أي سفينة أمريكية راسية بأي ميناء عربي، في الوقت الذي كانت فيه 80 سفينة أمريكية راسية بموانئ عربية من طنجة حتى طرطوس في البحر المتوسط وموانئ عربية في المحيط الاطلسي، وكذلك في البحر الاحمر والخليج العربي.
ـ قرر اتحاد عمال الموانئ العربية، (يمثل 230 الف عامل عربي)، الاستجابة لنداء عبد الناصر، وحدد منتصف ليلة 29.4.1960 لبدء تنفيذ قرار المقاطعة العربية للبواخر الأمريكية، تموينا وخدمات وتفريغا وشحنا، وتعاملا مع اطقمها. ـ بعد اربعة ايام فقط لبدء مقاطعة عمال الموانئ العربية للبواخر الأمريكية، بدأت خطوات التضامن الآسيوية والافريقية، وكان اولها قرار عمال ميناء بومباي الهندي مقاطعة البواخر الأمريكية، ما لم يتم تفريغ وشحن وخدمة الباخرة العربية «كليوبترا».
ـ في اليوم ذاته تقدم اثنان من اعضاء الكونغرس الأمريكي بطلب تعديل قانون المساعدات الخارجية الأمريكية، بهدف منع المساعدات المقررة لمصر. ولكن عضو الكونغرس، جيمس فولبرايت، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس تصدى لهذا المشروع وافشلله، وطالب بالتوقف عن استفزاز مصر.
ـ لحق بذلك اصدار جيمس لاوسون، زعيم الحركة الوطنية الأفريقية المتحدة بالولايات المتـحدة، بقيام العمـال السود في نيويورك بتفريغ الباخرة بالقوة.
ـ في اليوم الخامس للمقاطعة العربية اعلن وكيل وزارة الخارجية الأمريكية، ديلون، انه مقابل الحاق الضرر بكل باخرة عربية في الموانئ الأمريكية، تتضرر 30 باخرة أمريكية في الموانئ العربية.
ـ في اليوم السادس انتهت مقاطعة الباخرة العربية «كليوبترا» بطلب ومناشدة من آيزنهاور، وتم تفريغ شحنتها من القطن، وتحميلها بالقمح، واقتصر عنوان «الاهرام» يوم 7.5.1960 على كلمة واحدة: «انتصرنا». وباءت محاولات اسرائيل بالفشل. ووصل القمح المطلوب إلى مصر».يهددوننا…نهددهم»….
٭ كاتب فلسطيني
عماد شقور