الاصوات التي تُسمع مؤخرا ضد حل الدولتين ليس لها وزن سياسي وجماهيري، ورغم ذلك فانها مقلقة. اليمين الايديولوجي واليسار الراديكالي ما بعد الصهيوني يتغنون بالعيش المشترك: الرئيس رؤوبين ريفلين يعلن أن البلاد لن تُقسم، وهو يحلم بدولة واحدة للإسرائيليين والفلسطينيين. في حين يُهلل جدعون ليفي في «هآرتس» لريفلين ويقول إن «الدولتين ليس حلا»، ويعلن أورن يفتحئيل أن فكرة الدولتين «كذبة» ويدعو إلى وطن واحد مشترك في اطار الكونفيدرالية.
الخطير في هذه الاقوال أنه لا توجد جهة سياسية تفكر في تبنيها، ايضا ليس القائمة العربية المشتركة. ومثلما يحدث دائما في اليسار الذي يسلك حسب الموضة، ويحول فكرة الدولتين إلى فكرة أقل جاذبية، وإلى أمر «قديم» من التسعينيات، وبالتدريج سينشأ نقص في الطاقة الكامنة للنضال من اجل البرنامج، الامر الذي سيتضعضع وسيصل إلى اليسار الجدي.
يسار الموضة يجب أن يشعر أنه «صحيح» ومتجدد، وبعدها يمل ويذهب إلى الامر التالي، في البداية كان الصراع ضد الاحتلال، بعد ذلك الاحتجاج الاجتماعي، ومن ثم الغاز لفترة من الوقت، بعد ذلك مشاعر الذنب بخصوص الموضوع الشرقي، وغدا يمكن أن نتوقع أن الجميع سيتحدثون عن العودة إلى خزانة الكتب اليهودية، وبعد غد قد يتحدثون عن وطن واحد.
رغم الصعوبة وخيبة الأمل، لا توجد ولن تكون خطة سياسية عادلة وقابلة للتطبيق، باستثناء خطة الدولتين للشعبين، ومحظور الكف عن النضال من اجلها. الدولتان هو ما يريده ويحتاجه الفلسطينيون والإسرائيليون. من المهم للطرفين العيش على انفراد، أن يعرف كل طرف من هو، وما هي هويته، وما هو مسموح وما هو ممنوع بالنسبة له، وماذا يريد من اجل ذاته في بقعته الخاصة.
المشروع القومي اليهودي بدأ عندما حدد آباء الصهيونية الجوهر القومي لليهود. واستمر في تشكيل الدولة التي يفترض أن تعيد الشعب اليهودي إلى التاريخ، وعلق بشكل تراجيدي، باعقاب الفشل في تحديد حدود الدولة. المشروع القومي الفلسطيني تطور كصورة مرآة لنشوء اليشوف اليهودي وتلقى ضربات صعبة عام 1948 و 1967 والمواجهات اللانهائية مع إسرائيل، ونجح الفلسطينيون خلال السنوات بالتحرر من سيطرة العالم العربي، واقناع المجتمع الدولي وقوى مركزية في إسرائيل انه يجب اقامة دولة فلسطينية مستقلة.
هناك علق. الدولة لم تقوم وتدهور الفلسطينيون إلى وجود ما قبل قومي مقسم ومعزول بين مطرقة الاحتلال الإسرائيلي وسنديان الحروب الإسلامية المتطرفة. تسببت حالة الجمود للإسرائيليين والفلسطينيين برغبة أو بدون رغبة، بعدم حسم مصير المشروع القومي. إسرائيل تهرب من رغبة الاختيار بين الحلم الديني المسيحاني للمستوطنين بكافة تعبيراته الكولونيالية وبين كونها دولة ديمقراطية في عائلة الشعوب. وتمتنع الدولة عن القول إلى متى ستتعامل بعدم مساواة مع المواطنين العرب وإلى متى ستعتمد على القوة العسكرية. الفلسطينيون يتهربون من التقرير إذا كانوا مستعدون لتركيب امة واحدة موحدة واذا كانوا مستعدين للتنازل عن حلم حق عودة اللاجئين وادارة حياتهم على ارض الواقع، وعدم التعامل مع انفسهم كضحية.
الشعبين لم يحسمان بعد ما هي حدودهم، الجغرافية والنفسية، من يعارض حل الدولتين ويتسلى بفكرة الدولة الواحدة أو الكونفدرالية يريد أن يعفي إسرائيل والفلسطينيين من الحسم الذي يتهربون منه وتركهم يستمرون بعدم تحمل مسؤولية المستقبل.
الانفصال ليست كلمة سيئة. خصوصا إذا كانت بناء على رغبة واتفاق وتخدم الحاجات العميقة للاطراف. إذا لخصنا ما يتوقعه الفلسطيني من العملية السياسية ـ انه لا يريد رؤية الجنود والمستوطنين. ويسعى الإسرائيليون إلى الحصول على التطبيع والهدوء وعدم وجود تهديد سياسي وأمني.
ان حل الدولتين هو الحل الوحيد الذي يستطيع الزعيم الفلسطيني او الإسرائيلي بيعه. وليس ابقاء 600 الف مستوطن في الدولة الفلسطينية وليس جغرافيا إسرائيلية ـ فلسطينية مختلطة. حدود، جوازات سفر، بيت قومي منفصل وآمن، حيث تطبق فيه الاستقلالية وترك كل طرف للاخر.
هآرتس 16/9/2015
رامي لفني