وقف إطلاق النار غير الرسمي بين إسرائيل وقطاع غزة دخل إلى حيّز التنفيذ فعلياً (غير الرسمي أيضاً) في صباح يوم الأربعاء الماضي. لكن منذ ذلك الحين تجدد إطلاق النار من القطاع بين ليلة السبت وساعات الصباح الباكر أمس تم إطلاق قذائف هاون وصواريخ من القطاع. حسب إعلان المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي فإن القبة الحديدية اعترضت 4 من بين 6 قذائف وصواريخ. سلاح الجو رداً على ذلك هاجم أهدافاً في ثلاثة مواقع لحماس في القطاع. لم يتم الابلاغ في أي منها عن مصابين.
التفسير الإسرائيلي لإطلاق النار الفلسطينية الذي يشكل خرقاً للاتفاق الذي تم التوصل اليه بوساطة مصرية هو أنه تقف من ورائه منظمات مارقة، فصائل جهادية فلسطينية لا تخضع لحكم حماس، إلا أن مشكلة السيطرة الفجائية لحماس في القطاع يجب النظر اليها بدرجة من الشك. خلال شهرين تقريبا حيث قتل أكثر من 100 فلسطيني بإطلاق نار الجيش الإسرائيلي في المظاهرات على طول الجدار لم يتم إطلاق أي قذيفة من غزة. إطلاق النار بدأ فقط في يوم الثلاثاء الماضي عندما أطلق الجهاد الاسلامي صليات من القذائف من أجل الرد على قتل ثلاثة من نشطائه على أيدي الجيش الإسرائيلي قبل يومين من ذلك. في حينه انضمت حماس لإطلاق النار، وقامت إسرائيل بالهجوم مرة أخرى والنيران أوقفت فقط في أعقاب تدخل مصر. كيف انتقلت حماس من سيطرة كاملة على إطلاق النار وكذلك على قوة الاحتكاك في المظاهرات إلى صعوبة في الضبط؟ يطرح السؤال هل تجديد إطلاق النار لا يخدم الآن قيادة حماس. وأكثر من ذلك يبدو أنه على الأقل جزء من إطلاق النار الاخير تم بمصادقتها. حماس يمكنها أن تجني منه فائدة من جهتين: الاولى كعامل آخر في المواجهة إلى جانب المظاهرات وإطلاق الطائرات الورقية الحارقة، التي أحرقت مناطق واسعة من حقول غلاف غزة. يبدو أن هذا خليط من الوسائل هدف إلى دفع إسرائيل للتنازل.
استمرار المظاهرات يتوقع أن يكون غداً في الذكرى السنوية لحرب الايام الستة وكذلك في يوم الجمعة. حينها سيصادف «يوم القدس» الذي يخلده الإيرانيون. الثانية هي جزء من معادلة الردع الجديدة التي تقول إنه اذا استخدمت إسرائيل النار ضد أهداف عسكرية للتنظيمات (قواعد حماس في عمق المنطقة، مواقع حماس والجهاد الاسلامي على طول الجدار)، ستواجه بإطلاق الصواريخ والقذائف على المستوطنات.
الحديث يدور عن انتصار إسرائيلي في جولة الضربات في يوم الثلاثاء كان طرحا فارغا بالضبط مثل الادعاءات عن هزيمة نكراء. فعليا، الحكومة وهيئة الاركان لا تريدان في الوقت الحالي حربا في غزة لأنهما تخافان من أن إسقاط حكم حماس لن يجلب معه بديلاً أفضل في القطاع وسيكلف إسرائيل ثمناً باهظاً.
إضافة إلى ذلك هم يركزون الآن على الجهود لتسوية إبعاد إيران والمليشيات الشيعية من جنوب سوريا. معقول أيضاً أن حماس والجهاد الاسلامي، بتشجيع من إيران، بالذات معنيان بالاحتكاك في غزة. يصعب التصديق، في المقابل، أن التنظيمات في القطاع تريد الآن مواجهة شاملة. علاقة القوة بين الطرفين معروفة، ويبدو أن الافضلية الاولى لحماس هي تخفيف الوضع الاقتصادي في القطاع، التي عليها تلقى المسؤولية عن الوضع البائس السائد فيه باعتبارها الجهة التي تسيطر في غزة.
إلا أن متاهة الاعتبارات والاهداف هذه يصعب جداً التلاعب بها. الخطر الكامن في استمرار إطلاق النار هو أنه آجلاً أم عاجلاً ستكون هناك خسائر حقيقية في أحد الطرفين. حينها فإن قدرة القيادات على السيطرة بحجم اللهب ستواجه تحدياً كبيراً. الطرفان يصممان هنا على رفع مبلغ الرهان، بعد أن تبين في الجولات السابقة أنهما يجدان صعوبة في قراءة الواحد لنوايا خصمه وأنه من السهل جداً الانزلاق لحرب.
لقد فتحت لحكومة نتنياهو بالتحديد الآن نافذة فرص للتوصل إلى تسوية مع حماس، ربما تمكن من التوصل إلى وقف إطلاق طويل المدى مقابل تسهيلات جوهرية في الحصار الاقتصادي على القطاع. هذا هدف قابل للتحقق حسب تقديرات الجيش الإسرائيلي، كما قال ضابط كبير في محادثة مع مراسلين في يوم الخميس الماضي. في غياب التسوية، فإن استمرار إطلاق النار من شأنه أن يؤدي إلى انفجار، خلافا لهدف الحكومة.
جيران قدامى جدد
في الشمال الاتصالات حول اتفاق لإبعاد إيران والمليشيات الشيعية عن الحدود الإسرائيلية في هضبة الجولان لم تثمر بعد، رغم ما نشر في وسائل الاعلام العربية (وبدرجة أقل الإسرائيلية). ولكن الخطوط الهيكلية للاتفاق الآخذ في التبلور آخذة في التوضح: روسيا مستعدة لإبعاد إيران ومليشياتها عن الحدود، ربما حتى شارع دمشقالسويداء الذي يقع على بعد 70 كم عن هضبة الجولان الإسرائيلية. مع ذلك فإن موسكو معنية بأن توافق إسرائيل مقابل اخراج إيران على إعادة قوات نظام الاسد إلى الحدود.
توجد لإسرائيل شكوك في ما يتعلق بالجيران الجددالقدامى. اضافة إلى ذلك فإن رئيس الحكومة نتنياهو قرر مؤخراً المطالبة بإبعاد كامل للإيرانيين والمليشيات من أراضي سوريا كلها. هذا طلب لم يقبله الكرملين حتى الآن وهناك شك في أن يقبل به مستقبلا لأن من شأنه أن يكون مقرونا بمواجهة مباشرة له مع طهران. في هذه الاثناء ينثر الرئيس بشار الاسد نفسه بلبلة موجهة بزعمه أنه لا يوجد لإيران أي جنود في سوريا، بل فقط «مستشارون».
بعد التدقيق في مجمل ما نشر وفحص الأمر مع عدد من المصادر الإسرائيلية، يبدو أنه نشأت هنا إمكانية لإبعاد إيران عن جنوب سوريا في الوقت القريب. إبعاد كامل من الدولة كلها سيكون التوصل اليه أصعب بكثير. أحد الاحتمالات هو أن الاتفاق الجزئي سيتم التوصل اليه، كما في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، باتفاق بين روسيا والولايات المتحدة والأردن، وإسرائيل تستطيع الاعلان أنها ليست طرفاً فيه، لذلك هي غير ملزمة ببنوده.
أيضاً حينها سيكون ما زال يمكن رؤية هل ستعمل إسرائيل ضد أهداف إيرانية في عمق سوريا بعد أن يأخذ الوجود الإيراني هناك نوعاً من انواع الموافقة المجددة من روسيا. نتنياهو قال أمس في افتتاح جلسة الحكومة إن «إسرائيل ستواصل الحفاظ على حرية عملها ضد التمركز الإيراني في كل منطقة في سوريا».
يتطلعون شرقا
خلال ذلك إسرائيل ستكون مضطرة لأن توجه في الايام الاخيرة اهتماماً اكبر لما يجري في الأردن. في المملكة جرت في الاسبوع الماضي مظاهرات كبيرة بمشاركة مئات الآلاف في مدن كثيرة احتجاجا على غلاء المعيشة والسياسة الاقتصادية للحكومة. في الخلفية هناك صعوبة في استضافة اكثر من مليون لاجىء سوري وإلى جانب ذلك التوتر بين السلطات والاخوان المسلمين.
الملك عبد الله الذي اختصر زيارة رسمية في الخارج من أجل العودة إلى بلاده قام في السابق بالتعامل بشكل جيد مع موجات احتجاج كهذه. تل أبيب تدرك الحساسية الأردنية للتدخل في الشؤون الداخلية للجيران، لهذا ليس من المعقول أن نسمع أي وزير إسرائيلي يتطرق بشكل علني لما يجري وراء الحدود الشرقية. ومع ذلك فإن استقرار المملكة هو مصلحة أمنية عليا بالنسبة لإسرائيل.
في القدس يتابعون الآن بانتباه خاص المظاهرات في الأردن وجهود النظام لكبح الاحتجاج.
هآرتس 4/6/2018