«الجيش المصري يسيطر على شمال سيناء كليا»، هذا ما قاله أمس المتحدث باسم الجيش المصري، الجنرال محمد سمير، «الآن بدأ التحقيق في كيفية وصول الإرهابيين، من ساعدهم ومن أين حصلوا على الزي الذي يشبه الزي العسكري المصري». بعد يوم دموي قتل فيه 17 جنديا مصريا و100 شخص من مليشيا «انصار بيت المقدس» التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). صحيح أن الجيش المصري موجود في شمال سيناء، وأن المعارك قد هدأت، إلا أن أحدا لا يعرف كم من الإرهابيين شاركوا في الـ 15 هجوم على الاهداف العسكرية المصرية، ويصعب ايضا تقدير عددهم في جميع أنحاء سيناء.
قبل سنتين كانت تقديرات الجيش المصري تقول إنه يوجد 4 آلاف مقاتل في صفوف المليشيا، اغلبيتهم مواطنون مصريون وبعضهم جاء من كازاخستتن وافغانستان، لكن الكثيرين منهم توجهوا إلى ليبيا في اطار السعي لاقامة موطيء قدم في الدولة.
هذه المليشيا التي أنشئت في غزة في 2010 على يد عبد اللطيف موسى بعد خلافه مع حماس وانتقاله إلى سيناء، حيث تقرب هناك من التنظيم الراديكالي «التوحيد والجهاد»، وعمل ضد أهداف اسرائيلية. وكانت هذه المليشيا مسؤولة عن التفجير المتكرر لانبوب الغاز والهجمات على مراكز الشرطة المصرية في شمال سيناء.
«أنصار بيت المقدس» كانت واحدة من دزينة مليشيات مسلحة عملت في شمال سيناء وفي داخل مصر. منظمات تابعة للحركة السلفية الجهادية أو القاعدة مثل «جند الإسلام» و»مجلس شورى المجاهدين» قامت بتنفيذ عدة هجمات دموية في سيناء وقتلت 16 جنديا مصريا قرب رفح في آب 2012، واختطفت جنود مصريين في أيار 2013. وقد تمت هذه الهجمات قبل اسقاط نظام محمد مرسي. لم تكن الثورة في مصر هي التي أدت إلى حدوث الهجمات الإرهابية. لكن الموجة الإرهابية الاكبر حدثت بعد سقوط نظام الاخوان المسلمين في نهاية حزيران 2013 وتسلم عبد الفتاح السيسي السلطة.
وقد بادرت الدولة في عهد السيسي إلى أكبر هجوم وملاحقة ضد الاخوان المسلمين، وقتل مئات المتظاهرين في المواجهات مع قوات الامن واعتقال الآلاف من زعماء ونشطاء الحركة، ومنهم الرئيس المخلوع مرسي. النظام في مصر ووسائل الإعلام المصرية سارعا إلى تعريف الاخوان المسلمين كمنظمة إرهابية مسؤولة عن العمليات في سيناء. وتم اعتبار الحركة رسميا أنها حركة إرهابية وحُكم على بعض قادتها بالاعدام.
لكن هذا الصراع واعتبار منظمة الاخوان المسلمين منظمة إرهابية لم يساعدا على القضاء على العمليات الإرهابية في سيناء وفي المدن المصرية. الربط الذي قام به النظام المصري بين الاخوان المسلمين وحماس وحزب الله والمليشيات الجهادية في سيناء خلق الانطباع بأن النظام يبحث عن اسباب سياسية لتبرير حربه ضد الاخوان، لكن ليست لديه براهين حقيقية حول الصلة العسكرية بين الاخوان المسلمين وباقي التنظيمات.
صحيح أن حماس هي الحفيد الايديولوجي للاخوان المسلمين، وبينها وبين حزب الله توجد صلة عسكرية. والتعاون ايضا بين كتائب عز الدين القسام وبين التنظيمات في سيناء، عندما استخدمت حماس خدمات التهريب ومخازن السلاح. أما التنظيمات فقد وجدت في غزة ملجأ للقيادات التي تمت ملاحقتها من قبل اجهزة الامن المصرية.
لكن الظروف تغيرت، فحماس انفصلت عن سوريا وإيران وحزب الله.
قوات حماس في مخيم اللاجئين اليرموك في دمشق التي تحمل اسم «اكناف بيت المقدس» قاتلت ضد جنود الجيش السوري وحزب الله. في غزة حيث تمر حماس بازمة صعبة بعد تجفيف مصادر التمويل الإيرانية، استبدلت تركيا وقطر بالخزينة الإيرانية. لكن هذه المساعدة لم تفد حماس لأن الحدود مع مصر مغلقة واغلبية الانفاق تم تدميرها، واسرائيل تفرض منذ 2007 الاغلاق حول القطاع، إلى أن وجدت حماس صعوبة في دفع رواتب موظفيها ومقاتليها، رغم أن قطر اقترحت التمويل لكن البنوك الفلسطينية وبضغط من اسرائيل لم توافق على نقل الاموال لحماس.
هذا الترتيب الذي تقوم به اسرائيل ومصر بالتضييق على حماس من الجانبين وتبعدان تركيا وقطر عن التدخل في القطاع وفي الموضوع الفلسطيني عموما، لا سيما بعد الجرف الصامد، خلق الشعور بأن غزة هي جزيرة معزولة ولا تستطيع عمل شيء. إلا أن شهر كانون الثاني 2015 شهد تحولا في السياسة السعودية مع تنصيب الملك سلمان، حيث تحولت حماس مرة اخرى إلى ورقة ضغط عربية في الصراع السعودي ضد التأثير الإيراني. ونتيجة للضغط السعودي، أزالت الحكومة المصرية لقب منظمة إرهابية عن حماس بعد ان اعتبرتها المحكمة كذلك قبل بضعة اشعر. بدأ ممثلو النظام في مصر في عقد لقاءات مع ممثلي حماس وعلى رأسهم موسى أبو مرزوق نائب خالد مشعل. وقام ضباط بمدح حماس في وسائل الإعلام بسبب جهدها في منع المتسللين على جانبي الحدود. تم فتح معبر رفح بشكل محدود من اجل عبور الناس والبضائع، وهناك شائعات حول مفاوضات غير مباشرة مع اسرائيل لترسيخ وقف اطلاق النار طويل المدى واعتبار حماس شريك ممكن.
إن شعار نتنياهو الذي يقول «حماس هي داعش وداعش هي حماس» تبخر، ولا سيما بعد تهديد تنظيم الدولة بتصفية قيادة حماس في اعقاب الهجمة التي قامت بها حماس ضد مؤيدي تنظيم الدولة في القطاع الذين كما يبدو كانوا مسؤولين عن اطلاق الصواريخ على اسرائيل. واذا سارع المصريون في المرات السابقة في اتهام حماس بالعمليات في سينا، فقد امتنعوا هذه المرة وبعد هجوم الشيخ زويد عن القول إن حماس شريكة في هذه العمليات. محللون وباحثون واشخاص من الحركات المدنية وجهوا اصبع الاتهام لحماس، لكن ليس بصفتها متعاونة مع تنظيم الدولة بل مع الاخوان المسلمين، وكجزء من الصورة الإرهابية للاخوان.
يبدو أنه بخلاف التقديرات الاسرائيلية، فان الحكومة المصرية تريد الحفاظ على الصلة مع حماس، والتفريق بينها وبين تنظيم الدولة، واجراء الحوار معها وكأنها ليست جزءا من الاخوان المسلمين. وقد نشر في الاسبوع الماضي أجزاء من لوائح الاتهام التي قدمت ضد قيادات من الاخوان وتشمل اقتباسات وتنصت على المحادثات الهاتفية تظهر أن حماس ارسلت ممثلين عنها إلى مصر في اعقاب دعوة من الاخوان في 2011 وساعدت في تحرير نشطاء من الاخوان من السجن بالقوة. المهم هو أن هذا مؤشر على وجود علاقة بين ممثلي حماس والاخوان وتركيا وقطر والـ سي.آي.إيه، وأن محمد مرسي قام بنقل أسرار دولة إلى إيران. وقدمت ايضا لوائح اتهام ضد قادة من حماس أو على الاقل طلب لتسليمهم. لكن يبدو أن النظام في مصر يفضل الآن تخفيف التوتر مع المنظمة.
معضلة مصر الحقيقية ليست حماس بل تنظيم الدولة وباقي التنظيمات في سيناء والمدن المصرية. رغم كشف الجيش يوميا عن الخلايا المسلحة ومخازن للسلاح لتنظيمات مختلفة، إلا أن تكاثر العمليات ونسبتها واهدافها تشير إلى الضعف الاستخباري في الجيش والى البنية اللوجستية الفعالة للتنظيمات. محللون مصريون يقولون إن الحكومة ستزيل جميع القيود من اجل ضرب بؤر الإرهاب، ومثال على ذلك شوهد أول امس عندما قتلت قوات الامن تسعة من نشطاء التنظيم الذين اجتمعوا في أحد المنازل في القاهرة، رغم أنه كان يمكن اعتقالهم. يمكن أن يقوم النظام ايضا باعدام زعماء الاخوان ومنهم محمد مرسي بعد عيد الفطر. لكن هناك شك في أن تؤثر هذه الخطوات على سلوك التنظيمات الإرهابية التي اتهمت قبل شهرين الاخوان بترك الجهاد والتوجه إلى المصالحة والديمقراطية، وأنهم مسؤولون عن الوضع الراهن.
هآرتس 5/7/2015
تسفي برئيل