التفاهمات التي تم التوصل اليها مؤخراً بين حركة حماس في غزة والقيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان، تمثل انتكاسة جديدة في مسار الحركة، وتكريسا أعمق للانقسام الفلسطيني، إذ أن هذه التفاهمات ستؤدي إلى خلق طرف سياسي ثالث في المشهد الفلسطيني لم يكن موجوداً أصلاً، أو على الاقل كان مطروداً من القطاع.
نتفهم الدوافع التي أدت الى هذه التفاهمات، فحركة حماس – التي طردت دحلان من غزة قبل أن يطرده عباس من حركة فتح- وجدت نفسها أمام وضع بالغ السوء والصعوبة في قطاع غزة، ووجدت أن دحلان هو المفتاح الوحيد لمعبر رفح المغلق بقرار مصري، أما دحلان فوجد في هذا المشهد فرصته الوحيدة للعودة إلى داخل الأراضي الفلسطينية، ومن ثم مناكفة الرئيس محمود عباس من الداخل، فضلاً عن أن تحالفه مع حماس سيجعل في فلسطين طرفين ضد حكم عباس في رام الله.
المشكلة في المشهد الجديد هو أن كلاً من حماس ودحلان، يظن بأنه يخدع الآخر أو «يضحك» عليه، والصحيح أن دحلان ليس لديه ما يخسره، لأنه خسر كل شيء سابقاً وبات خارج فلسطين. أما حماس فتقوم بعملية انتحار سياسي قد يؤدي إلى نهايتها بشكل شبه كامل، إذ أن أغلب الظن هو أن دحلان يطمح في الوصول إلى السلطة، وهذا يعني بالضرورة أنه يخطط للإطاحة بحكم عباس في الضفة الغربية، وحكم حماس في غزة، ويظهر على أنه الذي وحد الشعب الفلسطيني، وعندها أيضاً سوف تكون «فتح – دحلان» هي الجهة الوحيدة المؤهلة لابرام اتفاق سلام نهائي مع اسرائيل. الأزمة الحالية التي تعيشها حركة حماس هي نتيجة طبيعية لأخطاء استراتيجية سابقة أهمها، وأولها وأكبرها المشاركة في انتخابات 2006، ومن ثم المشاركة في سلطة لم تكن تعترف بها الحركة، ولم تكن أصلاً هدفاً وطنياً يستحق أن تتنافس مع فتح عليه، حيث كان يجب – ولا يزال يجب- التعامل مع السلطة الفلسطينية على أنها مؤسسة ظهرت بحكم الضرورة، وبحكم الأمر الواقع، ولا تمثل طموح الفلسطينيين ولا مشروعهم الوطني، وإنما هي في أفضل أحوالها مجرد خطوة انتقالية في المسار الكفاحي الطويل للشعب الفلسطيني.
تورُّط حركة حماس في انتخابات 2006 أدى بها الى التورط في المشاركة بالسلطة، وهذا أورثها عبئاً ثقيلاً هو الذي يدفعها اليوم للتفاهم مع دحلان ومصر وغيرهما، من أجل تخفيف الحصار عن قطاع غزة، ولذلك فان الانسحاب الكامل من عبء المشاركة في إدارة السلطة الفلسطينية، والعودة الى مربع المقاومة هو الحل الوحيد لأزمة غزة وأزمة حركة حماس. حركات المقاومة لا يمكن ويجب أن لا تتحول الى أحزاب سياسية، كما لا يمكن أن تتحول الى جيوش نظامية، ولا اجهزة أمنية، ولا حكومات محلية، لأن كل هذه الحالات هي انتحار حقيقي بالنسبة لأي حركة مقاومة، ولذلك فان تورط حركة حماس بإدارة قطاع غزة جعلها تتحول الى سلطة مدنية لادارة شؤون الناس.. وهذا الحال ذاته ينطبق على حركة فتح عندما انشغلت منذ عام 1994 بإدارة الشؤون اليومية لحياة الناس في الضفة الغربية، وانشغلت في تأمين رواتب الموظفين، والمشكلة أن الأخطاء تتكرر والحركات لم تتعلم من تجارب من سبقوها.
إدارة قطاع غزة ليست مكسباً، ويجب عدم التعامل معها على أنها كذلك، فالقطاع هو أرض فلسطينية محتلة وعلى سلطات الاحتلال أن تتحمل أولاً وأخيراً مسؤولياتها التي يفرضها عليها القانون الدولي، والتخلي عن إدارة القطاع يمكن أن يشكل حلاً للأزمة الراهنة التي تعيشها حركة حماس، على أن تسليم القطاع يجب أن يتم للسلطة الفلسطينية التي يترأسها الرئيس المنتخب محمود عباس، لا أن يتم العمل على إنشاء طرف فلسطيني ثالث، فيصبح الجسد الفلسطيني مفتتاً أكثر ومقسوماً على ثلاثة بدلاً من اثنين كما هو الان.
خلاصة القول: أعيدوا قطاع غزة الى سلطة الرئيس عباس، واتركوا عباس يتفاهم مع اسرائيل ومصر بشأن الحصار والمعابر والرواتب، ودعوه يتورط وحيداً في هذه الادارة المدنية، ولا تساهموا في تكريس الانقسام داخل فتح، لأن حركة حماس لا يمكن أن تستفيد في النهاية من ذلك الانقسام، كما أنها لم تستفد طوال السنوات العشر الماضية من إدارة القطاع، ولا من تحمل أعباء المليوني فلسطيني الذين يعيشون في داخله.
كاتب فلسطيني
محمد عايش