دخل الغريبُ القريةَ لدَى الغروب وقد تأبَّطها الظلامُ جملةً. كأن ليلا سابقا لم يغادرها، أو كأن الظلامَ حلَّ بها وحدَها دون القُرى. أزاح لثامَه وطرَفَ عِمامتِه عن رأسٍ ككُرة الكوكب. تساقط ما علِق بلثامه من رمال عاصفة الصحراء الهوجاء. نجا منها بأعجوبة. أرخى أخيرا قبضتَه وألقى الحبلَ على غارب دابَّته وتركها تمضي كأنها مأمورة. جابت به الدروبَ وهو يتمتم نافيا عن نفسه التردد والتوجس من غروب بلا شفق:
– اللهم ربَّ السماوات وما أظللْن، وربَّ الأرَضِين وما أقللن.. أسألك خير هذه القرية الكونية وخيرَ أهلها، وأعوذ بك من شرها وشرِّ أهلها.
توَغَّل في الأزقة تحت سُرُجٍ تضيء قُطرًا صغيرا حولها وهي أصلا متباعدة متناثرة. بلغ نزلا عرفَه من علامة نحاسية عليها صورةُ ثعلبِ الصحراء. تهَجَّى حروفا تحتها: «فندق الفَنْكْ»
أوثق دابَّتَه. استأجر حُجرةً سفلية لها نافذة على الزقاق ومربضِ الدواب، أودع فيها أمتعته. انتقى ثيابا نظيفة دافئة ببقايا حرارة النهار. تنسَّمَها. بالمجان. راقه فيها عبقُ حُقَّة مسكٍ نفيس بين ملابسه، استقدمه من أقصى الشرق ليبيعه في أقصى الغرب، بثمن أخفته الشمس عن القمر. لف الثياب في رِزْمَةٍ وخرج يبحث عن حمَّام بلَدِي. الماء الساخن مرهمٌ لِوعثاء السفرِ ومشقتِه، والنومُ بعدَ الحمَّام في مكان ساكنٍ آمن كهذا الفندق هو النعيمُ المُعجَّل. وكذاك، عند أول منعطف وجد مكتوبا على لوحة نحاسية مزنجَرة: «حمام العالم الجديد» فدخل تُسابقُ دهشتُهُ دخولَه.
الإضاءة داخل الحمام مثل الخارج أو أقلُّ قليلا. خَطا خُطوة نحو مرآة عتيقة مُثبتة على الأسطوانة، بريقـُها ذهبت به تقلـُّباتُ الحرارة وتعاقبُ الأبخرة. مسحَها بكُمِّه. عَفَّرَها من حيث أرادَ أن يجلوَها. نظر فيها رغم ذلك. لم يحضُرْه دعاءُ المرآة وحُسْن الخُلق مع الخَلق وقد هالَهُ شبحُ هيأته وتشعُّثُ شعره ولحيته. كان كثير الأوضار، شديدَ الاغبرار وكان يُرى عليه من السفر الطويل العريض علاماتُ قِطعةٍ من نار. لكن يا لسعادتِه! كل ذلك سيطويه الاستحمام ويمحوه. على قدر الأدران وإرادةِ الطهر يكون نعيمُ التَّطهُّر..
كان الجالسون في الردهة متلفعين بمنشفاتهم وقد أولج كلٌّ منهم رجليه في دلو ماء بارد استباقا لبرودة الليل في الخارج. إنْ هُم فعلا كانوا للخروج يتهيأون.. ودون إبطاء أخذ الرجل ينْضُو ثيابَه وسط نظرات الحُضَّارْ الصامتة، إلا مئزرَه. ثم قصد الجَلَّاسَ القابض الذي بدا من فرط بدانته محصورا مسبوكا في قالَب مكتبه. أدى له مسبقا واجبَ الاستحمام وثمنَ أدواتِه وواجبَ التدليك. ناولَه الرِّزمة وقد زادت حجمًا بحجم ما نزع من ثياب. لم يتفوه القابض بكلمة. القبقاب الخشبي وحده كان عالي الصوت تحت قدمي الرجل وهو يولي ظهره ويتقدم نحو الحُجُراتِ الحارة..
أولى، فثانية، فثالثة.. وبقدر توغله كان الضياءُ الناقص أصلا يغرَق في الخفوت. لم يبق باديا للعيان سوى أشباحُ المستحمين وغمغماتٌ ضخَّمها جوفُ الحمام. مضى حتى بلغ القاعةَ الحامية. كان مَن فيها يلفُّهُم البُخار. ملأ دلوا وصبَّه على مكانٍ رشَّحه للاسترخاء والتسخين انتظارا لحضور الكَسَّال. تمدد وأطبق جفنيه هنيهة. تذكر نجاته من عاصفة الصحراء وريحها الجهنمي. أين منها اللطف المحيط به الآن هنا. مُغمضَ العينين تبسم منتعشا كرضيع لا يُدرى لمن يبتسم. لكن.. هل تصفو أبدا! ما إن فتح عينيه ثانية والتفت إلى جاره حتى جفَّتْ مَسَامُّه ونضب عرقُه المتصبب منذ قليل. نظر إلى الثاني والثالث والرابع.. كلٌّ منهم مدَّ أمامَه قوائمَ وحش أسطوري تنتهي بمخالبَ رهيبةٍ وقد زادتها ظلمةُ الحمام رعبا. هب مقشعرا ذاهلا تاركا متاعَه وقبقابه. سارع غير مُبالٍ بالانزلاق، بل تمناه لعلَّه يبلغ البابَ بسرعة. لم تطاوعه الأرضية رغم بللها. المكان لَزُوق جاذِب ممغنِـــط كدروب كابوس لَيْلي. مرَّ بالمستحِمين وقد انتصبوا على القوائم نفسها ينظرون إليه شزرا، يكادون يتخطـَّفُونه. كأنَّ وعيَه المتأخر بطبيعتهم استفزها من غفلتــها أمام دخيلٍ هش اللحم والعظم كهشاشة حضوره في كونٍ بدايتُه نار انفجار أخفى عنفوانُها النور.
بلغ الردهة لاهثا. لمح أحدَ الجالسين وهو يُخرج القوائم نفسها من الدلو أمامَه. همس: تبا! وقد لحق الريقُ بالعرقِ في الجفاف. قصد الجَلاسَ القابض وهمس له مُغالبا شهيقَه وجفافَ لسانه:
– سيدي .. في حَمَّامِك كائنات مرعبة!!
تجشأ القابض البدينُ والتفت إليه ضجِرًا وقال بنبرة بلعومية شنيعة:
– كيف ذلك؟
– كائناتٌ مرعبة.. أجسام بشر وقوائم وحوش..
أحنى القابض رأسَه ينظر شيئا تحت قِمطره وأخذَ يحسِرُ ثوبَه. رفع بعناء كبير إحدى رجليه وحطها فوق المنضدة حتى سُمع أطيطُ مفاصل الخشب، فإذا مُسافرنا ذو الغُرْبَتين على مسافةِ صفرٍ من ساق وحش أوضحَ وأفظعَ. وقال له بحشرجة وزفير:
– تقصد مثل هاته؟
كبَّرَ الرجل وسبَّح وحوقل وأطلق للريح قدميه الحافيتين. كاد يسقُط مئزرُه. لو أمسكه أحد لزهد فيه كذلك دون تردد. لحق الفندق. دخل الغرفة. غلـَّقَ الباب. دون أن يلبس لملم ما أمكن من أمتعة وهو يستشفع بما سبَّقَ مِن الدعاء كيلا تنتقض عُرَى عقله. توقف. هل من محيص. هل بالإمكان حمل كل تلك الأمتعة دون لفت انتباه أحد، أم أن شدقي المكان والزمان قد أطبقَا عليه. كلُّ هواجس الصبا ووساوسه ورْعَبه ومخاوفه حَضَرَتْه. وأساطيرُه التي ما هي بأساطير. جدته كانت صادقة. حضرته قصتها عن الفضائل التي اجتمعت يومًا، كلٌّ منها يختار لباسا. الشجاعة اختارت لباسا؛ والقناعةُ، لباسا؛ وكذا الفطنة، والقوة، والحب.. كلٌّ اختار لنفسه لباسا، ما عدا الحق. قال لهم صارخا: «اتركوني عاريا!» .. بحث عن حُقـَّةِ المسك بين أمتعته. تأبطها وحدَها وفرَّ من القريةِ عاريا.
٭ قاص مغربي
رضا نازه