■ لن يتوقف أعداء المقاومة الفلسطينية كما لم يتوقفوا من قبل عن ترويج الشبهات الجديدة، التي تطعن في مشروعية المقاومة. فهاهم بعد أن استهلكوا خرافة الصواريخ العبثية، يقومون بترويج وتسويق شبهة جديدة مفادها أن حماس لا تُعلي من قيمة الحياة والإنسان الفلسطيني، وأنها لم تهتم ببناء ملاجئ وخنادق لسكان قطاع غزة، كما اهتمت ببناء الأنفاق التي تطلق منها الصواريخ، وأنها تبقي الأنفاق حكراً على رجالها. والحقيقة أن هذه الشبهة لا تقف على أرضية منطقية صلبة، للاعتبارات التالية:
أولا: الأنفاق التي بنتها المقاومة ليست أنفاقاً بخمسة نجوم، واستخدامها أصلاً يحتاج لمقاتلين على مستوى عال من الصلابة والجلَد واللياقة البدنية والتدريب واليقظة، وهي بالأساس أنفاق ذات بناء معدٍ لأغراض قتالية، أي أنها ليست ملاجئ يختبئ فيها المقاتلون من بطش القصف الصهيوني. ونظرا لصعوبة الأوضاع في هذه الأنفاق وافتقادها لشروط الحياة، فقد تابعنا خلال السنوات الماضية كيف كان الغزيون يموتون مختنقين في أنفاقهم التي حفروها بين مصر والقطاع، من أجل تهريب البضائع، مع أنها أنفاق حُفرت في ظروف غير ظروف الحرب وفي زمنٍ غير زمن العدوان والتضييق.
وحتى القول بأن المقاومة قد تمكنت من بناء بعض الملاجئ المحدودة جداً للقيادات الكبيرة كإسماعيل هنية، فإنه- إن تأكد- أمرٌ طبيعي، إذ أن خسارة قيادات المقاومة الأولى يعطي لإسرائيل نصرا معنويا أمام شعبها، وقد يسبب هزيمة نفسية للفلسطينيين. ومع ذلك فإن وجود مثل هذه الملاجئ، إن صح وجودها، لا يعني بشكل من الأشكال أنها تمييز لعائلات قادة المقاومة عن غيرهم من المواطنين، وقد رأينا كيف استشهدت عوائل تلك القيادات مثلما حصل مع عائلة خليل الحية، رحمهم الله.
ثانيا: إن هذه الأنفاق القتالية ـ وهي شبكة بالغة التعقيد – حُفرت أساساً بمنتهى السرية والاحتراف، وقد ذكرتني في بداية العدوان – على سبيل المجاز والطرافة- بمتاهة الملك مينوس ملك «كريت» في الأساطير اليونانية، التي صممها المعماري دايدالوس لاحتجاز وحش المينوتور، عقاباً له كما تقول الأسطورة. هذه السرية التي باغتت العدو الإسرائيلي كانت ستُفتضح لو حاولت المقاومة بناء ملاجئ غير قادرة على صد هذا العدوان، وكان عنصر المباغتة المهم جداً في الحروب سيزول.
ثالثا: خلال تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وحتى تاريخ الاحتلال والإرهاب الأمريكي، لم تنجُ ملاجئنا العربية من القصف المتوحش، ولعل الجميع يتذكر ملجأ العامرية الذي أحرقته القوات الأمريكية بمن فيه سنة 1991 من دون رحمة. أما سجل إسرائيل في هذا المجال فهو لا يقل سوءا وإجراما، فقد قصف جيش الاحتلال ملجأ قانا سنة 1996، علماً بأن الملجأ كان مقراً تابعاً لقوات اليونيفل (ارتكب العدو الإسرائيلي مجزرةً ثانيةً في قرية قانا سنة 2006)، كما استخدمت إسرائيل القنابل الفراغية بكثرة أثناء حصارها لبيروت سنة 1982، وهي قنابل أُعدت لاختراق التحصينات والملاجئ والأنفاق عن طريق توليد انفجارات ثانوية داخل النفق، بسبب عاملَيْ التفريغ والتعويض السريعين في ضغط الهواء، مما يؤدي إلى تدمير البنية الهيكلية للنفق وما يحتويه من مخازن أو غرف قيادة، مهما كان شكل النفق أو عدد طبقاته، وما يمكن أن يحتويه من أجهزة ومعدات وأحياء.
وعلى الرغم من الاعتبارات السابقة التي تسقط شبهة تغافل المقاومة عن بناء الملاجئ لحماية المدنيين في غزة، فإنه ليس من المستبعد عن هذه المقاومة العبقرية والصادقة اجتراحها أساليبَ ومعماراً يحمـــــي سكان القطـــاع وكل فلسطين من اعتداءات الصهاينة في المستقبل، المستــــقبل الذي لن يحظى فيها الصهاينة بالحماية من المقاومة، مهما امتلكوا من ملاجئ وغرف محصنة.
٭ كاتب فلسطيني
أنس عمار