لندن ـ «القدس العربي»: أدت المواجهات الأخيرة في شمال لبنان لرفع درجة التوتر الطائفي وسط مخاوف من انتقال زخم الحرب الأهلية السورية إلى لبنان بشكل يهدد الإستقرارالهش الذي يعيشه هذا البلد. فالمواجهات التي خاضها الجيش اللبناني في مدينة طرابلس تعتبر الأقوى التي يقوم بها ضد مقاتلي حي التبانة منذ سنوات، في وقت تتخمر فيه المشاكل في منطقة أخرى من البلاد المعروفة بتاريخها المتقلب وهي سهل البقاع التي تعيش تحت ضغط التوتر الطائفي المتزايد. فقد ظلت المنطقة التي برز منها حزب الله وطوال السنوات الماضية تعاني من آثار الحرب الأهلية في سوريا لكنها اليوم تبدو وكأنها جبهة قتال كما تقول صحيفة «نيويورك تايمز»، فنذر الحرب ظهرت في الأيام الماضية عندما شدد المتمردون السنة في سوريا من هجماتهم الصاروخية على البلدة الشيعية اللبوة انتقاما للأعمال العسكرية التي يقوم بها الجيش اللبناني في مدينة طرابلس.
وتقول الصحيفة إن شمال سهل البقاع كان على حافة الإنفجار حتى قبل بدء العمليات العسكرية الأخيرة في مدينة طرابلس التي تسكنها غالبية سنية. فليس بعيدا عن بلدة اللبوة هناك مدينة عرسال ذات الغالبية السنية والتي تحولت لمنطقة متفجرة نظرا لقربها من الحدود السورية ولجوء أعداد كبيرة من السوريين إليها ولتحولها لنقطة إمداد واستراحة للمقاتلين من سوريا.
ويعيش في هذه البلدة الآن حوالي 90.000 لاجىء، وعبر قادة البلدة عن دعمهم العلني للإنتفاضة السورية ضد بشار الأسد المدعوم من حزب الله. وتطور الوضع لمواجهة مفتوحة بين الجيش اللبناني والمعارضة السورية خاصة مقاتلي «جبهة النصرة» وعناصر أخرى من تنظيم الدولة الإسلامية.
وألقت جبهة النصرة القبض على 30 جنديا لبنانيا، حيث أعدمت 3 منهم. وقام المقاتلون السوريون أيضا بسلسلة من الهجمات على قرى البقاع، ويهدد توسع النزاع على طول الحدود اللبنانية بغمرالقرى الشيعية والمسيحية والسنية القريبة بشكل يفحص قدرة سكانها على البقاء خارج النزاع الطائفي وهو الخط الوحيد للدفاع عن لبنان واحد.
خوف
وتقول الصحيفة إن المسيحيين والشيعة يشعرون بالخوف من تزايد العناصر المتطرفة بين المتمردين حيث يتحدثون عن النزاع من خلال منظور طائفي.
ويقومون بنفض الغبار عن أسلحتهم وينظمون جماعات للمتطوعين لحراسة بلداتهم. وفي الوقت الحالي يستمعون لنصائح قادة حزب الله والجيش اللبناني الذين يطالبونهم بتجنب الإنتقام خاصة أن العنف الطائفي هو ما يسعى إليه الأعداء. وتنقل عن أحد سكان اللبوة و اسمه فياض قوله «كشيعي أشعر بالتهديد».
وشبه التقاطع الذي يربط شارع البلدة مع الشارع الرئيسي المؤدي لبيروت بـ «الخط الأخضر» في إشارة للخط الذي فصل بين المسيحيين في بيروت الشرقية والمسلمين في بيروت الغربية أثناء الحرب الأهلية. لكن الوضع في البقاع مختلف فهنا تتداخل البلدات المسيحية والسنية والشيعية ويتم التزاوج بين سكانها ويتشارك الأولاد في المدارس والآباء في التجارة والزراعة والتهريب.
وترتبط حياة السكان الإقتصادية والإجتماعية مع المدن السورية مثل حمص أكثر من العاصمة بيروت. وفي الوقت الحالي يصف فياض سكان عرسال بالخونة قائلا «يمكننا ضربهم ولكننا لا نريد». وأضاف «ليس لدينا ما نخسره، نحن مستعدون وننتظر الأوامر». ويقول عمدة اللبوة رامز أمهز لـ «نيويورك تايمز» حتى لو مات ألف شخص من اللبوة فلن نقع في شرك النزاع الطائفي».
ويضيف «نحن في اللبوة قمنا بحماية السلام في لبنان، وحافظنا على سكان عرسال، ولم نسمح للقرى الأخرى بإيذائهم رغم ان الكثيرين يحملونهم المسؤولية» أي سكان عرسال. ويقول أمهز إنه يتعاون مع القوات الأمنية ويحاول تطمين عائلات الجنود الأسرى. ويطالب العمدة بعدم تحميل اللوم لكل سكان عرسال وأن للبلدة «تاريخ مشرف» من التضحيات في الحروب مع إسرائيل.
وفي الوقت الذي لام زوار لبيت العمدة السنة بأنهم يقدمون المأوى للمتمردين، يرفض العمدة هذه اللغة «الطائفية». في المقابل يقول النقاد إن تدخل حزب الله في سوريا لدعم النظام السوري جر معه منطقة الجنوب اللبناني للحرب، فيما يقول مؤيدوه إن مشاركته حمت مناطقهم من غزو المتمردين السنة لها.
ورغم لغة العمدة التصالحية إلا أن زوجته ليندا تقول إن كل بلدة على ما يبدو أنغلقت على نفسها. وفي المقابل يقول سكان عرسال إنهم يعاقبون بسبب موقفهم من سوريا. فهذه البلدة الفقيرة زادت أعباؤها بسبب اللاجئين والمحاصرة من الجيش اللبناني وقذائف الجيش السوري.
ومنذ بداية مواجهات عرسال طرد أكثر من 5.000 لاجىء سوري، طردهم لبنانيون غاضبون. وفي البلدة المسيحية رأس بعلبك تقوم دوريات مسلحة بمراقبة شوارع البلدة ووضعت سكانها لمدة 14 ساعة تحت حظر تجول.
ويصف التقرير كيف يهب سكان قرى في الجنوب عندما يسمعون عن مواجهات بين حزب الله ومقاتلين سنة حيث يسارعون ببنادق الصيد وشباب لم يطلق رصاصة واحدة في حياته.
في طرابلس
ومقابل ما يجري في الجنوب، ففي مدينة طرابلس يشعر المقاتلون في حي التبانة بأن الجيش يستهدفهم ويضطهدهم حيث يتهمونه بالرضوخ لأوامر حزب الله.
وينقل مراسل صحيفة «كريستيان ساينس مونتيتور» عن الشيخ بلال البارودي، وهو رجل دين من طرابلس «لقد فقدنا كل الثقة بالجيش»، ويضيف «هناك غضب داخل المجتمع السني ولن ينتهي حتى يثبت الجيش أنه لا يدعم حزب الله».
ويعتبر الجيش اللبناني المؤسسة الوحيدة المتماسكة في الدولة اللبنانية وينظر إليه كضامن لاستقرار البلد.
وكان انهيار الجيش في أثناء الحرب الأهلية 1975-1990 علامة على تدهور الوضع الأمني.
ومنذ نهاية الحرب أصبح من المحرم «تابو» انتقاد الجيش، لكن هذا التابو كسر وسط المجتمع السني الذي يتهم الجيش بالتعاون مع حزب الله لملاحقة مؤيدي الثورة السورية. ولاحظوا كيف لم يمنع الجيش اللبناني حزب الله من إرسال آلاف من مقاتليه للمشاركة في العمليات العسكرية حيث لعبوا دورا مهما في الدفاع عن نظام بشار الأسد. وهناك أربعة جنود سنة على الأقل انشقوا عن الجيش وانضموا ل «جبهة النصرة».
وقلل الجيش من أهمية الإنشقاق وقال إنه لا يشكل تهديدا على تماسك الجيش. ومع ذلك تؤشر هذه الإنشقاقات على مشاعر الحنق المتزايدة بين السنة تجاه الجيش.
وبحسب آرام نيرغوزيان من معهد الدراسات الإستراتيجية والدولية فقوة الجيش اللبناني الحالية تشمل على 61.400 جندي إلى جانب 4.100 في سلاح الجو والبحرية، ويشكل السنة 35% من مجمل قوة الجيش والشيعة 27% والنسبة الباقية من الطوائف الأخرى. ويعلق نيرغوزيان المتخصص في الجيش اللبناني على الإنشقاق «أربعة انشقاقات من قوة 22.900 سني يمثل حالة شاذة لم تترجم بعد إلى توجه عام».
وأشار إلى أن الإنشقاقات جاءت من الصفوف الدنيا في الجيش وينتمي الجنود لمناطق لم تتأثر فقط بالأزمة السورية بل من إهمال الحكومة اللبنانية.
ورغم أن المواجهات بدأت بملاحقة الجيش لأحمد ميقاتي في بلدة عاصون قضاء الضنية. ويتهم الجيش اللبناني ميقاتي بذبح جندي من الجنود الأسرى لدى «جبهة النصرة». كما ويقول الجيش إن المجموعة كانت تخطط لعمليات انتحارية وتفجيرات.
وعبرت بعض القيادات السنية السياسية والدينية عن قلقها من استغلال حزب الله العنف في شمال لبنان ويشجع الجيش على استخدام القوة العسكرية ضد المتشددين.
ويقول الشيخ زيد زكريا، مفتي عكار « من يقوم بدفع الجيش تجاه الحل العسكري ضد المتشددين رغم أن هذا يهدد حياة الجنود والمدنيين؟.
ويقول الشيخ الباردوي إن المتشددين «يكرهون بشدة النظام السوري وحزب الله» و»يحاول الجيش إلقاء القبض عليهم ولن يكون الأمر سهلا لأنهم لن يتخلوا عن القتال بسهولة».
ويرى الجنرال المتقاعدة إلياس حنا إن الجيش اللبناني سينجح في حملته حيث نقلت عنه صحيفة «واشنطن بوست» قوله «يشعر الجيش بأنه قادر على السيطرة عليهم» أي المتشددين، وبرر هذا بقوله أن معظم السكان مؤيدون للجيش ولا يوجد والحالة هذا ملاجىء آمنة لهم.
ويقول إن الهجوم حظي بدعم قطاع من الجماعات السياسية في لبنان بمن فيها حزب الله الذي يقاتل في سوريا أيضا.
هجوم على إدلب
وما دام الحديث عن العامل السوري في الأزمة الحالية في لبنان. قال روبرت فيسك في تقرير له في صحيفة «إندبندنت» عن الخسائر الجديدة للنظام السوري وذبح تنظيم «داعش» لضباط في الجيش.
وذلك في هجوم مفاجىء على مدينة إدلب التي لا تزال تحت سيطرة النظام. وقال فيسك إن إدلب كادت أن تسقط بيد الجهاديين بعد تعرضها لهجوم واسع. ولو نجح «داعش» لكان سيطر على مدينتين كبيرتين في سوريا.
وقام بالهجوم على إدلب مقاتلون من «داعش» تعاونوا مع تنظيم «جبهة النصرة». ويقول فيسك إن المقاتلين اقتحموا المدينة وسيطروا على مقرات في المحافظة وبدأوا بقطع رؤوس ضباط.
ومع وصول قوات الحكومة وسيطرتها من جديد على المدينة كان عدد الذين قتلهم «داعش» و»جبهة النصرة» 70 جنديا عددا كبيرا منهم برتب عليا. وبحسب رسالة وصلت لدمشق قبل تأمين المدينة «لقد ذبحوا».
ويقول فيسك إن الرقة سقطت بيد «داعش» منذ شهور ولكن إدلب تقع في منطقة إستراتيجية بين حلب ومدينة اللاذقية الساحلية.
ولو سقطت إدلب لكانت ضربة قوية ومدمرة للحكومة. وتلقت الأخيرة أخبارا من داخل المدينة أنها سقطت بعد انشقاق قوات أمن وشرطة قامت بتسليم مقرات المحافظ الجديد خير أديب السيد وانضمت للمتمردين.
صحيح أن بعض القوات سلمت مقراتا للمتمردين لكن جنود الحكومة الذين كانوا في أطراف المدينة واصلوا قتال مئات من المقاتلين الذين حاولوا الدخول إلى إدلب، وظلوا يقفون أمام تقدم «داعش» حتى تمت استعادة مقر المحافظ.
ولا تبعد إدلب سوى 30 ميلا عن حلب ويقطنها 200.000 نسمة، وتشتهر بمتحفها الذي كان يؤمه الزوار الراغبين بالتعرف على تاريخ الرومان و»مدن الموتى» الواقعة شمال سوريا، وتعيش المدينة منذ عام تقريبا حالة حصار. ويرى فيسك إن الصدمة في دمشق حول إمكانية سقوط المدينة كانت واضحة، حيث قام المحافظ الجديد الذي لم يكن بالصدفة في مكتبه بالإتصال بمقرات الجيش ومنع الإعلان عن سقوط إدلب.
ويعلق فيسك إن المهاجمين كانوا يهدفون لتحقيق انتصار جديد لما يطلق عليها الخلافة الإسلامية التي تمتد من شرق حلب إلى ضواحي العاصمة العراقية بغداد.
ويضيف إلى أن شراسة الهجوم تظهر الكيفية التي يكابد فيها نظام الأسد في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية الذي يرغب الرئيس الأمريكي باراك أوباما بإضعافه والقضاء عليه. فعندما دخلت قوات «داعش» مركز المدينة فعلوا مثلما فعل رفاقهم عندما سيطروا على مدينة الموصل في حزيران/يونيو الماضي، حيث قاموا بإلقاء القبض على أكبر عدد من الضباط الكبار، وقام «داعش» بقتلهم باستخدام السكاكين بدلا من الرصاص.
وقبل فقدان المهاجمين السيطرة كانت «جبهة النصرة» قد أعلنت عن انتصارها وصورته بـ «الرقة الثانية». وفي تلة المشمع سيطر الجهاديون على مصفحتين و12 جنديا لا يعرف مصيرهم.
إبراهيم درويش