القاهرة-»القدس العربي»:كأنه رضيع عثر عليه أمام باب أحد المساجد فأنكره الجميع ورفض أي منهم ان ينسبه لنفسه، تعاملت كافة القوى الوطنية مع يوم 11/11 بتجاهل تام للحد الذي دفع الكثيرين للتبرؤ منه. ولدت ثورة الغلابة بلا شجرة عائلة تنتسب إليها، فقد قذفها الجميع بالحجارة بمن فيهم ثوار الميادين الذين باتوا في معزل عن الأحداث منذ صعود عبد الفتاح السيسي لقمة السلطة ونجاحه في تأميم الميادين عبر خطة جهنمية تضمنت إرسال رموز الثورة للسجون والدفع بقواعدها إما للموت جوعاً عبر سلسلة إجراءات اقتصادية عصفت بمقدرات ملايين الأسر أو بدفع الشباب للعزلة واليأس من حدوث أي انفراجة في القريب العاجل. لكل ذلك كانت كل التوقعات تشير إلى ان ثورة الغلابة التي حدد لها يوم 11/11 ولدت مشوهة وميتة ولم تقو على البقاء، وأبرز الأسباب التي رشحتها لعدم النجاح ما صاحبها من حملة إنكار وتشويه من قبل الحركات الوطنية المختلفة حتى جماعة الإخوان المسلمين التي نسب لأحد أذرعها الوقوف خلف الدعوة، كشفت قبل حلول فجر يوم 11/11 في إصدار بيان ملخصه ان الجماعة ستشارك في الفعاليات حال مشاركة الناس وهو الأمر الذي أسفر عن تلطيخ سمعة «يوم الغلابة» قبل حلوله.
بروفا للانتفاضة المقبلة
ونحن ننقب عمن وقف أولاً وراء الدعوة للتظاهر في 11/11 لم يكن من السهل تقبل مزاعم الجماعة المجهولة التي تسمي نفسها (حركة الغلابة) والتي خرجت للنور من باطن الغيب وشددت على عدم انتمائها لأي فصيل، ولا يعلم أحد بمعظم مؤسسيها ما يعزز المزاعم التي أكدت ان جهازا أمنيا يقف وراء تلك الحركة التي دعت إلى تنظيم المظاهرات احتجاجا على إجراءات التقشف التي تقول الحكومة إنها مطلوبة للحيلولة دون انهيار مالي في أكبر الدول العربية سكانا.
لا يمكن ان نستبعد اجتهادات يتهم أصحابها قوى النظام بأنها تقف خلف ثورة الغلابة من قبيل إجراء ما يشبه البروفا الحية على قمع أي انتفاضات واسعة مرشح قيامها خلال المرحلة المقبلة بعد تعاظم الأزمات الاقتصادية التي ترزح تحتها الأغلبية المطحونة. ويعزز من هذا الرأي التصريح الشهير للرئيس السيسي بتاريخ 26-9-2016 بأن شبكة الطرق التي تم انشاؤها وتكلفت المليارات من خزانة الدولة المرهقة تؤهل الجيش للانتشار في ربوع البلاد بطولها وعرضها في غضون الساعات الست المقبلة. فيما يتناقل بعض المراقبين المحسوبين على لواء المعارضة في ما بينهم ان زيارة اللواء علي مملوك، رئيس مكتب الأمن القومي السوري التابع لنظام بشار الأسد، إلى القاهرة خلال الأسابيع الماضية كان الهدف منها ان تستفيد الأجهزة المصرية من تجربة بشار الأسد في قمع المعارضة السورية.
تفويض جديد
ورغم ان أنصار عبد الفتاح السيسي اعتبروا عدم خروج الناس من بيوتهم في تلك المناسبة يمثل استفتاء جديدا يرقى إلى مستوى التفويض الذي منح للنظام عشية اعداده لأستئصال شأفة الإخوان من المشهد وحفلات التهنئة التي لم تبرح الصحف والفضائيات حتى الساعة تطلقها على فشل ثورة الغلابة، إلا ان الشواهد التي لا تخطئها العين تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك ان جنيناً مشابهاً لثورة 25 يناير يوشك ان يولد على أرض النيل، وإن زعمت الحكومة ان كل شيء تمام وكررت ما قامت به مؤخراً حينما وجهت الشكر للمصريين لأنهم تحملوا الإجراءات الاقتصادية المؤلمة التي اتخذت أخيراً لمواجهة الأوضاع الكارثية التي يمر بها الاقتصاد الوطني. رغم كل ما سبق فإن الأوضاع على الأرض ترشح ثورة المصريين على الديكتاتور المستبد حسني مبارك للتكرار في ظل استمرار النظام تجاهله معاناة المصريين الذين يخوضون حروب شوارع يومية للحصول على كيلو سكر فيما الدولة المصرية ما زالت تعيش لذة المهرجانات والمؤتمرات التي لا تلبث ان تعود كلما خبت متخذة من «شرم الشيخ» مستقرا لها، وهي المدينة التي لم تتطهر من آثام الديكتاتور الفاسد الذي حكم المصريين ثلاثة عقود وملأ الأرض جورا.
على مدار العامين الماضيين انفقت الحكومة بشهادة مؤسسات تابعة لها قرابة مئة وخمسين مليون جنيه على مؤتمرات لم تحصد من ورائها الخزانة العامة التي تعاني الأفلاس أي عائد مجز، فقد تبددت أوهام المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في شرم الشيخ عن «صفر كبير» حيث لم ير أي مشروع النور من تلك المشاريع التي زعمت آلة النظام انها ستدفع بمصر لمصاف الدول العظمى. وعلى الرغم مما تعانيه الدولة من حالة افلاس اقتصادي يعترف بها رئيس الحكومة ومساعدوه في العديد من المواقف إلا ان الانفاق الأمني بعيداً عن المناطق الساخنة التي تشهد عمليات إرهابية في سيناء، آخذ في التعاظم وتسترعي الانتباه في هذا الشأن الحشود الأمنية التي تغرق تحتها العاصمة في مناسبات كلما دعا للتظاهر داع ولو كان فصيل غير معروف أو «ناشط» عبر الشبكة العنكبوتية، وهي الاستنفارات التي تكلف الدولة «المريضة» أموالا باهظة في زمن عز فيه الدولار ولقي خلاله الجنيه حتفه.
أردوغان في التحرير
أول ما حجب الجماهير الغفيرة عن المشاركة في ثورة الغلابة والخروج من بيوتها تمثل في تهمة لحقت بتلك المناسبة والداعين لها، حيث راج بين الناس ان الأجهزة الأمنية هي التي قامت من نفسها بالدعوة لثورة الغلابة لتحقيق أهداف بعينها. ويقول أنصار هذا السيناريو ان السلطة والأجهزة الأمنية على وجه الخصوص أرادت لفت أنظار المصريين قبل الإجراءات المؤلمة التي تزامنت مع الدعوة للخروج ثم ما لبثت ان أوقعت الفتنة بين الفصائل السياسية من خلال نشر شائعات حول الجهة الداعية للتظاهر، ووصل الأمر لاتهام عدد من الإعلاميين تركيا والرئيس أردوغان بأنه يقف خلف ثورة الغلابة وان السيناريو الكامل للثورة تم في مكتبه بمشاركات إخوانية. أبواق السلطة كانت جاهزة للاستفادة من الدعوة بشكل يعيد التعاطف للسيسي ويعمل على عودة الحشد له من خلال اطلاق صاروخ دعائي عابر للقارات مفاده ان الإخوان خططوا لاختطاف الرئيس من القصر الرئاسي وأخذه رهينة مقابل الافراج عن كل عناصرهم الموجودة في السجون وفي طليعتها الرئيس المنتخب محمد مرسي ومرشد الجماعة محمد بديع وكافة قيادات الإخوان المتواجدة في السجون، كما نالت جماعة حماس بعضاً من التهم بالمشاركة في سيناريو أردوغان.
ما يسبق العاصفة
ظن الحكومة وخلاياها الإعلامية باستكانة الأغلبية الفقيرة ورفعها الراية البيضاء أمام توحش السلطة ورضاها بأن تقبل بالفقر ضيفاً دائماً في حياتها، لا يجد له من مسوغات على أرض الواقع، ذلك لأن السلوك شبه اليومي للسلطة في تعاملها مع قضايا مصيرية لها علاقة بأولويات واحتياجات الجماهير الملحة خلف حالة سخط عام، ربما الأجهزة الأمنية بمفردها وبحكم التجارب التي اكتسبتها في زمن مبارك هي الوحيدة التي تقدر صعوبة الموقف وتنامي الغضب العام وهو الأمر الذي جعل تلك الأجهزة لا تغادر الشوارع والميادين وأن تكون في حالة استنفار تام ما جعلها مصدر عبء على الخزانة العامة.
لهذا لم يخرجوا
رهان السلطة على ان الجماهير لم تخرج من بيوتها للميادين مرة أخرى ليس مرده ما يتصوره خيالها المريض وكتائبها الإعلامية من ان الناس راضية عن الأداء الاقتصادي والممارسات الحكومية، فلا أحد يرحب بالفقر ولكن بقدر قسوة الفقر والبؤس الذي حل بالجماهير ما زالت الأغلبية الساحقة منهم ترى ان السيناريو الأشد قسوة من الجوع هو الفوضى، وهو السيناريو المعد سلفاً منذ زمن المخلوع لتفعيله كلما لزم الأمر وما زالت السلطة نفسها التي تحكم البلاد بوسعها اللجوء لسيناريوهات شبيهة خلال المستقبل يشجعها في ذلك مناخ يؤهل للعنف ويحض عليه في كثير من الأحيان.
أدركت الجماهير ان تبعة العمل الثورى أكبر من رغبة الشعب المصري في التغيير غير الآمن للسلطة، تلك الجماهير لم يغب عنها الفراغ الأمني الممنهج خلال الأيام الأول لثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير والذي لجأ له نظام مبارك كي يعود الناس لبيوتهم ويتركوا الميادين ومبارك لحال سبيله. غير ان فكرة تخلي المصريين عن الثورة مطلقاً هي بمثابة رعونة في التفكير ودليل على خلل من يقر هذا الرأي، إذ ان الأوضاع الراهنة التي تمر بها البلاد من حيث الأزمة الاقتصادية أشد بؤساً من زمن مبارك، لذا فالقطع بإلتزام المصريين بيوتهم خلال المرحلة المقبلة مجرد استسلام للكسل اللذيذ الذي غالباً ما يسيطر على الحاكم أو السلطة قبيل حلول الانفجار الشعبي كما اخبرتنا تجارب التاريخ في العديد من البلدان من حولنا.
الإحصاء: 30 مليون مصري تحت خط الفقر ودخلهم اليومي أقل من دولار ونصف
أظهرت معطيات تقرير رسمي نشر 16 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ارتفاع نسبة الفقر المدقع في مصر إلى 5.3% من السكان في 2015، ارتفاعاً من 4.4% في عام 2012.
وأرجع الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، ارتفاع نسبة الفقر المدقع في البلاد خلال العام الماضي، إلى صعود أسعار السلع الغذائية. ويعرف الإحصاء المصري في بيانه، الفقر المدقع، بأنه الوضع الذي لا يستطيع فيه الفرد أو الأسرة توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية.
ويأتي إصدار الإحصاء المصري للبيان، تزامناً مع اليوم العالمي لمكافحة الفقر، الذي يحييه العالم يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر من كل عام.
وأشار إلى أن نسبة الفقراء في البلاد صعدت من 25.2% في العام 2011، إلى 26.3% في 2013، وواصل الارتفاع إلى 27.8% في 2015. وأوضح الجهاز أن متوسط قيمة خط الفقر المدقع للفرد شهرياً، يبلغ 322 جنيهاً (36.2 دولار) في 2015.
وكشف أن 57% من سكان ريف الوجه القبلي (جنوب) فقراء، مقابل 19.7% في ريف الوجه البحري (شمال)، مشيرا إلى أن نسبة الفقر بلغت 27.4% في حضر الوجه القبلي (جنوب) ، وتقل إلى 9.7% في حضر الوجه البحري (شمال)، موضحا أن 15% من سكان المحافظات الحضرية فقراء.
وأضاف أن نسبة الفقراء تصل إلى أعلى مستوياتها في محافظتي أسيوط وسوهاج لتبلغ 66%، كما أن 18% من سكان محافظة القاهرة (العاصمة) فقراء.
وارتفع عدد سكان مصر من 72.8 مليون نسمة في 2006 إلى 76.1 مليون نسمة مطلع 2009 إلى 90.1 مليون نسمة بداية 2016، وفق الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.
وقال الجهاز إن متوسط الدخل السنوي للأسرة المصرية بلغ 44.2 الف جنيه ( 4.9 آلاف دولار) في عام 2015، وارتفع متوسط الإنفاق الكلي للأسرة بنحو 40% ليصل إلى 36.7 ألف جنيه ( 4.13 آلاف دولار) خلال العام نفسه، مقابل نحو 26.2 ألف جنيه ( 2.95 ألف دولار) في 2012/2013
وعلى صعيد إنفاق الأسر المصرية على الطعام والشراب، ذكر الجهاز أن ذلك يمثل 34.4% من إجمالي الإنفاق السنوي، فيما تبلغ نسبة الإنفاق على السكن ومستلزماته 17.5%، والخدمات والرعاية الصحية 10%، والثقافة والترفيه 2.1%، والاتصالات 2.5
وبدأت مصر تطبيق سياسات تقشفية، عبر تخفيض دعم المواد البترولية في تموز/يوليو 2014، ورفع أسعار الكهرباء والمياه، وقانون الضريبة على القيمة المضافة، وقانون الخدمة المدنية.
وتزامنت الإجراءات التقشفية، مع تراجع متواصل في سعر الجنيه مقابل الدولار، وزيادة عجز الميزان التجاري المصري بعشرات المليارات من الدولارات.
والأربعاء الماضي، قالت وزيرة التعاون الدولي المصرية سحر نصر، إن بلادها تعمل على القضاء على الفقر بشكل كامل بحلول عام 2030.
وأوضحت أن السبيل لإخراج كل تلك الفئات من دائرة الفقر يكمن في توفير القاعدة الصلبة للتنمية، وعلى رأسها تعزيز النمو الاقتصادي، وإيجاد فرص العمل اللائقة للجميع بما في ذلك تطوير الصناعة والابتكار، ودعم البنية الأساسية.
ويعرف البنك الدولي الفقر حول العالم، بأنه الوضعية التي يقل فيها دخل الفرد الواحد عن 600 دولار أمريكي سنوياً.
ومطلع الشهر الجاري، أكدت دراسة للبنك الدولي، أن الفقر المدقع على مستوى العالم، يواصل التراجع على الرغم من حالة السبات العميق التي دخل فيها الاقتصاد العالمي.
وحذرت الدراسة من انه «على الرغم من اتجاهات النمو المتوقعة، فإن خفض معدلات عدم المساواة المرتفعة قد يشكل مكوناً ضرورياً للوصول إلى الهدف العالمي، الرامي إلى إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2030.
0
حسام عبد البصير