لندن – «القدس العربي»: تكشف العملية العسكرية التركية في شمال سوريا ودعمها لمقاتلين في المعارضة السورية عن التغيرات السريعة التي تطرأ على دينامية الحرب هناك، فقد جاء الهجوم على جرابلس بعد أيام من الهجوم الإنتحاري الذي نفذه طفل لم يتجاوز عمره 12-14 عاماً على حفل زفاف في مدينة غازي عينتاب وفي محاولة من تركيا منع المقاتلين الأكراد الذين تدعمهم الولايات المتحدة من التوسع إلى البلدة بعد سيطرتهم مع ما يطلق عليها قوات سوريا الديمقراطية على مدينة منبج القريبة من حلب.
وكان الأكراد قد وقعوا على اتفاق وقف إطلاق للنار مع قوات النظام السوري بعد هجمات جوية على مدينة الحسكة حيث حذرت الولايات المتحدة النظام السوري بأنها سترد إن تعرضت قواعدها بمناطق الأكراد السوريين للهجوم. ويصب توقيع وقف إطلاق النار في صالح الأكراد بشكل قرب من سيطرة هؤلاء على الحسكة عاصمة الإقليم في شمال شرق البلاد مما يعطيهم المساحة للسيطرة على كل المنطقة باستثناء بعض المناطق الصغيرة. وبهذا تكون الحسكة ثالث مدينة تخرج عن سيطرة النظام بعد إدلب والرقة. وكان الطيران التابع للنظام قد قصف ولأول مرة منذ بداية الحرب الأهلية قبل خمسة أعوام ونصف عام مواقع الأكراد وهو ما يعلم بداية مرحلة مضطربة في المنطقة التي ظل فيها القتال يدور بين القوات الكردية وتنظيم الدولة الإسلامية.
تحول في التحالفات
وتعلق صحيفة «نيويورك تايمز» بأن سيطرة الأكراد على المحافظة وعاصمتها الحسكة قد يؤدي لتحول في التحالفات المحلية والإقليمية. فقد تدفع التطورات تركيا التي تعادي نظام بشار الأسد والتوسع الكردي إلى مصالحة جزئية مع نظام دمشق، حالة وجدت أنه يمثل تهديداً عليها أقل من الأكراد الذين يعملون على بناء منطقة حكم ذاتي على الحدود مع تركيا. وقالت الصحيفة إن عملية جرابلس مدفوعة في جزء منها لمنع المقاتلين الأكراد من الوصول إليها أولاً. وتقول الصحيفة إن القتال في الحسكة يطرح أسئلة أخرى عن الدور الأمريكي في الحرب حيث تحركت الطائرات الأمريكية لمنع الطيران السوري ضرب المقاتلين وفي الوقت نفسه لم تستجب للدعوات التي اطلقها المقاتلون المحاصرون في مدينة حلب لحماية المدنيين من القصف الجوي الروسي وطيران النظام.
ورفضت الولايات المتحدة دعوات إقامة منطقة حظر جوي حيث اعتبرتها محفوفة بالمخاطر في ضوء المشاركة الروسية في الحرب. وتظل التغيرات الميدانية في الحسكة وجرابلس مدعاة للتساؤل حول علاقة النظام مع الأكراد حيث اتسمت بعدم اعتداء كل طرف على الآخر وانسحبت قوات النظام من المناطق الكردية كي تركز على مواجهة المعارضة المسلحة التي مثلت خطراً على النظام أكثر من الأكراد. ومع أن المناطق التي سيطر عليها الأكراد في الحسكة غير كبيرة إلا أنها خطوة نحو السيطرة الكاملة عليها. وفي الوقت الحالي يسيطرون على سجن وملعب رياضي وقاعدة عسكرية صغيرة في المدينة بالإضافة لمناطق شاسعة في المحافظة.
ولا يسيطر النظام إلا على بعض المربعات الأمنية التي يجب أن يحرسها مدنيون بموجب الإتفاق وقاعدة عسكرية خارجها ومطار يريد الأكراد بقاءه عاملاً حتى لا تتأثر عملياتهم ضد تنظيم الدولة. وفي الوقت الذي قلل فيه النظام من أهمية وقف إطلاق النار وتأكيد الحكومة السيطرة على معظم المدينة إلا أن الأحداث الأخيرة تظهر عدم قدرة النظام توسيع سيطرته على كامل البلاد رغم التقدم الذي حققه بدعم من الإيرانيين والروس. وترى «نيويورك تايمز» أن ضرب النظام للأكراد يشير إلى محاولة للتقارب مع تركيا التي تعتبر بالنسبة للنظام الجائزة الكبرى والعدو الأكبر للأكراد.
ودعمت أنقرة المقاتلين السوريين منذ بداية الإنتفاضة إلا أنها تواجه تحديات متعددة: تمرداً كردياً في الجنوب، وضربات يقوم بها تنظيم الدولة للمدن التركية وأزمة لاجئين مع أوروبا و3 ملايين لاجئ سوري ومحاولة إنقلابية فاشلة. وضمن المعادلة السورية يظل الأكراد التهديد الأكبر لتركيا، فالدعم الأمريكي لهم وعمل المستشارين على الأرض معهم قد يمنحهم حساً بالتفوق ويحاولون تعزيز سيطرتهم على المناطق الحدودية مع تركيا.
وتخشى حكومة بشار الأسد من الطموحات الكردية. ولوحظ تغيراً في اللهجة بعد القصف الجوي للحسكة حيث أعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أن الأسد يمكن أن يبقى في السلطة أثناء عملية الإنتقال السياسي، مع أن الحكومة التركية أصرت في الماضي على رحيله. وعليه فالموقف الجديد يضع تركيا قريباً من موقف روسيا فيما يتعلق بالعملية السياسية. وفي السياق نفسه تبنت حكومة النظام الخطاب التركي حول تسمية قوات حماية الشعب التابعة لحزب الإتحاد الديمقراطي بأنها جزء من حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابياً. وفي قلب التحركات الميدانية الدور الروسي والأمريكي حيث تلعب موسكو دور الوسيط في المعارك بين النظام والأكراد وتقوم بمحادثات مع الأمريكيين حول الحسكة. إلا أن كل طرف في النزاع يحافظ على أوراق رهانه منتظرا نتائج الإنتخابات الأمريكية في كانون الثاني (يناير).
الدور التركي الجديد
وترى صحيفة «واشنطن بوست» أن المهمة التركية الجديدة في شمال سوريا هي محاولة من أنقرة لإظهار أنها مع الأمريكيين في المعركة ضد تنظيم الدولة. وجاء توقيت الحملة قبل وصول نائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن إلى العاصمة التركية. وقالت الصحيفة إن دخول القوات التركية إلى الأراضي السورية تأتي في وقت تنخرط فيه القوات الأمريكية الخاصة بدعم المقاتلين في المعركة، وذلك نقلاً عن مسؤول أمريكي يرافق بايدن في جولته. وتقول إن قوات المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة كانت تحشد مقاتليها قرب بلدة قرقميش في داخل الحدود التركية ومنذ عدة أسابيع. وتعتبر جرابلس آخر بلدة من المناطق كانت تحت سيطرة الجهاديين. وهي محاولة لإحباط محاولة موازية للمقاتلين الأكراد الذين يتقدمون ضد مناطق التنظيم في الجنوب موسعين مناطق نفوذهم. وتقول إن تركيا مصممة على منع تقدمهم في مناطق جديدة والعملية هي محاولة لعرقلة عملياتهم بقدر ما هي عملية لاستعادة المدينة من تنظيم الدولة.
وتتزامن التحركات العسكرية التركية في وقت عادت فيه العلاقات التركية- الروسية بعد عام من التوتر عقب إسقاط الطائرة الروسية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015. وتوتر في العلاقات الأمريكية – التركية على خلفية الإنقلاب الفاشل في 15 تموز (يوليو) والذي تتهم فيه الحكومة التركية رجل الدين فتح الله غولن بترتيبه مع عناصر في الجيش ومؤيدين له في مؤسسات الدولة.
مهمة بايدن
وفي هذا السياق دعت «واشنطن بوست» في افتتاحيتها يوم الثلاثاء بايدن إلى التحلي بالصبر واستخدام الإقناع مع أردوغان خاصة أن الأخير نجا من محاولة إنقلابية ودعا الجماهير للخروج إلى الشوارع دفاعاً عن الديمقراطية. مشيرة لحملة التطهير الواسعة التي قام بها الرئيس التركي في الجيش وضد من يشتبه بتورطهم في العملية الفاشلة. وكان بايدن يثني في الماضي على أهمية تركيا للناتو وكونها حجر أساس في منطقة تعيش سلسلة من الإضطرابات. وهما أمران لا يزالان صحيحين. ودعت الصحيفة بايدن لتطمين القيادة التركية والاشارة إلى أنهما حليفان مهمان ضد تنظيم الدولة الإسلامية وفي الجهود لإنهاء تداعيات الحرب الأهلية في سوريا على تركيا والمنطقة بشكل عام «وعليه أن يكون واضحاً بأنه يفهم معاناة المدنيين من هجمات تنظيم الدولة». ونظراً لأن تركيا تشارك في عمليات الناتو النووية وتخزن أسلحة نووية على أراضيها فيجب على بايدن والحالة هذه إقناع أردوغان بأن الولايات المتحدة لا ترغب بزعزعة استقرار تركيا وهو ما بدا في خطابه بعد اجتماعه مع الرئيس التركي. وتعلق الصحيفة أن أردوغان ربما لم يكن راغباً بالإستماع لبقية الرسالة التي يحملها معه بايدن. فالمحاولة الإنقلابية قد تكون من ترتيب مجموعة من العسكريين الحانقين على سياسة أردوغان إلا أن خروج الجماهير بالملايين للشوارع لتأكيد ثقتهم في الديمقراطية ما هي إلا إشارة مشجعة. وتتهم أردوغان بأنه هو الذي قوض الديمقراطية وحكم القانون. وتنقل وجهة نظر فتح الله غولن الذي قال إنه لا علاقة له بالإنقلاب، وربما شارك بعض أتباعه به. وترى أن الهجوم الذي شنه الرئيس التركي على المنظمة مبالغ فيه. وتقول المنظمة إن السلطات أغلقت 4.262 شركة ومؤسسة تابعة لها وأن هناك أكثر من 40.029 معتقلاً. وأعفي 79.000 موظف ورجل شرطة وضابط من مهامهم. وأطلقت الدولة سراح 39.000 معتقل لاستيعاب المعتقلين الجدد. وتطالب تركيا بترحيل غولن إلا أن الوثائق التي قدمتها تركيا لدعم طلبها لا علاقة لها بالإنقلاب حسب مسؤول أمريكي نقلت عنه الصحيفة. وبناء على هذا دعت الصحيفة بايدن إلى التحلي بالصراحة وأنها لن تسلم غولن بناء على مزاعم. وترى أن استخدام الإنقلاب كذريعة لتطهير الأكاديميات والإعلام ومؤسسات الدولة ليس في صالح البلاد أو قوتها.
التطهير الكبير
وفي هذا السياق كتب المعلق التركي المعروف مصطفى أيكول مقال رأي ناقش فيه اهتمامات الصحافة الغربية بالتطهير أكثر من حرصها على سلامة الأمة التركية. وقال في صحيفة «نيويورك تايمز» إن الشعب التركي شعر بالسعادة لأنه منع هجوماً على الديمقراطية كان سيؤدي لعودة حكم العسكر الوحشي بل ولحرب أهلية. وفي حديثه عن عملية التطهير الكبيرة بالأرقام قال إن هذه الإجراءات تثير ذكريات قاتمة حدثت في الماضي مثل التطهير الكبير الذي قام به ستالين ضد المعارضين في الثلاثينات من القرن الماضي أو استخدام هتلر الحريق الذي اندلع في الريستاغ لقمع الشيوعيين. إلا أن وضع تركيا معقد بدرجة لا تصلح فيها المقارنات مع حوادث الماضي. فحزب الشعب الجمهوري، الحزب الرئيسي المنافس لأردوغان يتفق مع الرئيس على ضرورة تطهير مؤسسات الدولة من الأشخاص الذين شاركوا بالمحاولة الإنقلابية.
ففي الأيام الاولى من المحاولة الإنقلابية زار زعيم الحزب كمال كليتشدار أردوغان في مـقره الرئاسـي. بل وتحدث الزعيمان المتنافسان في تظاهرة مليـونية. وبعبارات أخرى يقول أيكول إن «المؤامرة الإنـقلابية التي حاولت تمزيق ديمقراطيتنا أدت لتقوية عزيمتـنا». فالإسلاميون والعلمانيون والأحزاب الكردية والقومية تقف متحدة وراء قضية واحدة. وهم موافقون على أن الإنقلاب لم يكن بتدبير عناصر منفردة من الجيش ولكنه من عمل جماعة إسلامية ذات تبجيل للزعيم قامت باختراق مؤسسات الدولة وهي منظمة فتح الله غولن الذي يعيش في الولايات المتحدة منذ عام 1999.
وبالنسبة للمشاهد الخارجي فإن هذا الموقف قد يبدو وكأنه واحدة من نظريات المؤامرة . ولكن الذين يعرفون البلد يتفقون على أن هذه الرؤية صحيحة. وأخبر جيمس جيفري، الذي عمل سفيرا في أنقرة ما بين عامي 2008- 2010 صحيفة تركية أن الغولونيين قاموا «بعملية اختراق واسعة» لقوات الشرطة والقضاء التركيين وأن «ولاءهم للجماعة لا الدولة» وأنه يعتقد بتورط الغولونيين بالعملية الإنقلابية. وتقول السلطات التركية إنها متأكدة من تورط الغولونيين بالمؤامرة وأنهم تلقوا أوامر بناء على اعترافات عدد من المعتقلين.
وقام المسؤولون بفك رسائل مشفرة تحتوي على أوامر. وقال قائد الجيش الذي احتجزه العصاة ليلة الإنقلاب إنهم طلبوا منه التحدث إلى «قائدهم» غولن. ويرى أيكول إن التطهير الكبير في تركيا لا يهدف لمعاقبة كل معارض ولكن تفكيك الحضور الخطير لهذه المنظمة في مؤسسات الدولة.
وقارن إبراهيم كالين، المتحدث باسم أردوغان الوضع بإحالة مئات الألوف من عمال الخدمة المدنية الشيوعيين بعد انهيار جدار برلين. وكتب كارل بيلدت، رئيس الوزراء السويدي السابق أن أي دولة تعمل ما عملته تركيا عندما تواجه تمرداً من الداخل. ومع ذلك فقد يذهب التطهير أبعد من المقصود، خاصة أن منظمة غولن هي جماعة مجزأة وهي تحتوي على جمعيات خيرية ومدارس تدعم الفقراء ويجب أن لا يكون العمل معها مدعاة للاعتقال كما حصل للبعض. ويشير إلى مذكرات اعتقال 40 صحافياً معروفين بالكتابة والمشاركة في الصحف المؤيدة لغولن. ولكن الصحافيين يقولون إنهم نقاد للحكومة ولا يعرفون بصلة هذه الصحف بجماعة غولن.
المتحمسون
ويقول إن بعض المؤيدين المتحمسين لأردوغان لا يتجاهلون هذه المظاهر بل يريدون البحث عن «شيفرة غولونية» وراء كل نقد. لكل هذا يرى الكاتب أن على أردوغان الذي أرسل عدداً من الرسائل الإيجابية منذ الإنقلاب خاصة فيما يتعلق بالمصالحة الوطنية، الحد من حماس مؤيديه وعلى أردوغان مواصلة العمل مع المعارضة التركية والتي تفهم خطورة المشكلة التي تمثلها حركة غولن وتحذر في الوقت نفسه من مخاطر المبالغة في عملية القمع. وفي الوقت نفسه على الغرب أن يتفهم أن ما يجري ليس متعلقاً فقط بأردوغان وميوله الشمولية. ولكنه متعلق بالتهديد الذي تواجهه تركيا والذي عبر عن نفسه بشراسة في ليلة 15 تموز (يوليو). وفي الوقت نفسه تعاني تركيا من كدمات العمليات الإرهابية التي يقوم بها تنظيم الدولة والإنفصاليون الأكراد. ومن أجل أن تكون قادرة على مواجهة هذه التحديات في حدود ما تمليه القيم والتقاليد الديمقراطية فتركيا ليست بحاجة لنقاد معادين ولكن لأصدقاء ناقدين. وعليه فما يجب على الغرب عمله هو مد يد الصداقة لتركيا وفهم ما تمر به من أزمات وتقديم النصيحة لها بعد ذلك حول الطريقة التي تلتزم بها بحقوق الإنسان وحكم القانون.