ألقى العاهل المغربي الملك محمد السادس خطابا بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الجديدة التي تصادف انتخابات جديدة كذلك، وتحلى بالواقعية في إبراز الوضع المزري للإدارة المغربية إلى مستوى عدم التردد في وصف المغرب باقترابه من العالم الرابع أو الخامس.
وهذا الاعتراف يأتي ضمن سلسلة من الاعترافات في بعض الخطابات بعيدا عن المبالغة التي طبعت خطابات سابقة كانت بعيدة عن الواقع نسبيا مثل القول بأن المغرب ضمن نادي الدول الصاعدة. وشن الملك حملة انتقاد قوية ضد التهاون الحاصل في الإدارة المغربية عموما إلى مستوى التسيب، مستعرضا الكثير من الانزلاقات والفوضى وغياب الضمير لدى بعض الموظفين، وانتهى المطاف به إلى التساؤل في جملة قوية في الخطاب بقوله: «ولأن النجاعة الإدارية معيار تقدم الأمم، ومادامت علاقة الإدارة بالمواطن لم تتحسن، فإن تصنيف المغرب في هذا الميدان، سيبقى ضمن دول العالم الثالث إن لم أقل الرابع أو الخامس». ويبدو أن خطاب الملك محمد السادس تزامن مع الصرخة القوية التي صدرت عن سائق «توك توك» في مصر، وهي صرخة تحدث هزة سياسية واجتماعية في هذا البلد العربي بشكل يعادل تقريبا استشهاد التونسي البوعزيزي الذي فجر «الربيع العربي». وقد تكون صرخة السائق مقدمة لموجة من الاحتجاج في مصر. بعدما أصبحت الأوضاع لا تطاق.
ولكن الفارق والمواطن المصري، فالأخير هو مواطن اكتوى بنار الغلاء وغياب الأفق في ظل سيادة الديكتاتورية التي تشهدها مصر بعد وعد الرئيس عبد الفتاح السيسي الشعب بالرفاهية والاستقرار في أعقاب انقلابه على الرئيس محمد مرسي، أما فهو مسؤول رفقة آخرين عن الإدارة المغربية بحكم تمركز جزء كبير من التسيير بين يديه ومساعديه من المربع الملكي أو الديوان الملكي. وهكذا، يلتقي الملك في خطابه مع التقارير الوطنية لهيئات مستقلة ومع الهيئات الدولية التي تتحدث عن غياب كفاءة الإدارة المغربية ومعاناة المواطن مع هذه الإدارة. وهذا الوضع يقود حتما إلى انتشار الفساد الذي يعاني منه الكثير من مواطني المغرب. وهذا يجرنا إلى الحديث عن شيئين مرتبطين بهذا النوع من الخطابات، في المقام الأول، أمام الاعتراف بالواقع المر، لماذا لا يركز الملك محمد السادس على مبدأ تفعيل المحاسبة الحقيقية لتفادي الانزلاقات السياسية والاجتماعية التي قد تعصف باستقرار البلاد. ومنطقيا، لو ساد مبدأ المحاسبة لما وصلنا إلى الوضع المتردي الذي يمر به المغرب. ويتجلى الثاني في تغليب منطق القرابة العائلية الذي يطلق عليه بالدارجة المغربية «باك صاحبي». ويضاف إلى هذا سيادة ثقافة التملق وغياب الكفاءة. ولا يقتصر هذا على الإدارة بل قطاعات أخرى مثل التعليم. ويعيش التعليم في المغرب أسوأ موسم دراسي منذ الاستقلال سنة 1956 حتى الآن، وبدأ يقترب من الانهيار. والمتعارف أن وزير التعليم رشيد بلمختار تم تعيينه من طرف الديوان الملكي، وفق ما كشف عنه رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران. وبالتالي، نرى هنا بامتياز سيادة «باك صاحبي» ثم غياب المحاسبة.
ويأتي خطاب الملك ذو المضمون الانتقادي ضمن سلسلة من الخطابات خلال السنتين الأخيرتين بالاعتراف بالواقع المر بعدما سادت صورة وردية في الخطاب الرسمي أو «المغرب مثل فيينا» . وهكذا، نجد الملك وقد اعترف في خطاب العرش سنة 2014 بسوء توزيع الثروة في البلاد، واعترف بانهيار التعليم المغربي لاحقا، ونبه إلى ضرورة إصلاح منظومة القضاء، وهذه المرة يتحدث عن سوء الإدارة المغربية. ولائحة مساوئ المغرب طويلة ومنها وقوف أطراف من الدولة المغربية وراء حملات تشويه ناشطين سياسيين وإعلاميين في الإعلام المقرب من دوائر الحكم. هؤلاء الناشطون الذين كانوا ينبهون الى ما يردده الملك الآن من اعترافات من اقتراب المغرب من العالم الرابع والخامس جراء بدء مسلسل انهيار قطاعات أساسية للبلاد. وعليه، هناك الكثير من القواسم المشتركة بين خطاب ملك المغرب وصرخة سائق «توك توك» المصري، بتعيين مكامن الداء في البلاد. لكن صرخة المصري هي صرخة تنتظر جوابا من المسؤولين، بينما خطاب الملك مختلف لأنه يمتلك مفاتيح الإصلاح إذا كانت هناك نية حقيقية حتى الآن. وخطاب الملك سيبقى بدون جدوى ونتيجة ملموسة إذا لم يتم تفعيل مبدأين أساسيين، الأول وهو المحاسبة السياسية، فهذه الأخيرة تغيب في المغرب بشكل كبير مع استثناءات تكون سياسية في أغلب الأحيان، والثاني يتجلى في وضع حد لسياسة تغليب القرابة والتملق على حساب الكفاءة.
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»
د. حسين مجدوبي