يحب الإنسان دوماً متابعة أخبار المشاهير في مجتمعه، هذه السمة المشتركة في كل مجتمع وعلى مدى التاريخ، على الرغم من أن هذه الأخبار لا تؤثر في حياته اليومية بأي شكل من الأشكال، إلا أنه من الواضح أن هذا النوع من الفضول مترسخ في الطبيعة الإنسانية. من ناحية أخرى تصبح هذه الأخبار خير وسيلة للتواصل مع الآخرين وموضوعا مسليا للحديث، كما أنها بالنسبة للبعض دليل على سعة معرفتهم بما لا يعرفه الآخرون. ويحاول الكثيرون تقليد الشخصية الشهيرة في تصرفاتها وملبسها، فالشخصية الشهيرة بما أنها ناجحة اجتماعيا واقتصاديا، والجميع يريدون أن يكونوا مثلها، فعندما ارتدت ملكة بريطانيا فكتوريا (1819 ـ 1901) فستانا أبيض في حفلة زواجها عام 1840 أصبح الفستان الأبيض من أساسيات الزواج في جميع أنحاء العالم. أما الممثل الأمريكي كلارك غيبل (1901 ـ 1960) فعندما نزع قميصه في أحد أفلامه، اكتشف المشاهدون أن الممثل لم يكن مرتديا قميصا داخليا، فانخفضت مبيعات القمصان الداخلية بشدة في الولايات المتحدة. ولم يكن العالم الشهير آينشتاين استثناء، فقد كان ولا يزال أشهر شخصية علمية في الإعلام العالمي، وكانت من عاداته ارتدء الحذاء بدون جوارب، وأصبح الكثيرون يقلدونه في هذا، ولكن الأمر أكبر من هذا بكثير بالنسبة الممثلة الأمريكية مارلين مونرو (1926 ـ 1962) فلا تزال ظاهرة ثقافية وتجارية مهمة، والكثيرات من النساء وحتى المشهورات، يقلدنها، مثال المغنية الأمريكية مادونا التي تقوم بتقليدها بشكل كبير. وقد يعتقد البعض أن العالم العربي في منأى عن هذه الظاهرة، إلا أن هذا الاعتقاد عار عن الصحة، فتأثير هيفاء وهبي وكاظم الساهر وعادل إمام على المواطن العربي لا يمكن تجاهله، وعندما ارتدى الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر ما يسمى (السافاري) قلده كثير من العرب.
ظاهرة قديمة
من الخطأ الاعتقاد بأن هذه الظاهرة من الظواهر الحديثة، فقد تميز المجتمع اليوناني بها، دون اقتصار الشهرة على الحكام والأغنياء، بل الرياضيين والآلهة. أما الرومان فقد كان من مشاهيرهم المصارعون الذي كانوا يقاتلون بعضهم بعضا حتى الموت في الملاعب، وأمام الجمهور المتلهف لرؤية الدماء، مع العلم أن مهنة المصارعين في المجتمع الروماني كانت من أكثر المهن احتقارا، فأغلبية المصارعين كانوا عبيدا.
من الساسة إلى نجوم السينما
تضخمت هذه الظاهرة في القرن العشرين وتغيرت، فبعد أن كان الكثير من العلماء والأدباء والسياسيين يشكلون أغلبية المشاهير في العالم في بداية القرن العشرين، أخذ نجوم السينما، وبشكل أقل نجوم الرياضة يزيحونهم عن مراكزهم، حتى أن العالم الوحيد الذي ينتمي الى طبقة المشاهير في الوقت الحاضر هو البريطاني ستيفن هوكنغ، إلا أنه لا ينافس جورج كلوني أو براد بت أو جوني ديب في شهرتهم.
من ألفيس بريسلي إلى الأميرة ديانا
مع ظهور المغني الأمريكي الفيس برسلي (1935 – 1977) الذي فاقت شهرته كل المقاييس، أخذ الناس يهتمون وبدرجات متفاوتة بكل تفصيل يتعلق بحياته الشخصية، وتحول الإعجاب به لدى البعض إلى نوع من الولع، وظهرت على السطح ظاهرة الولع بالمشاهير، وأخذ الشباب يقلدونه في طريقة ملبسه وتصفيف شعره. حتى وصل الأمر في الاعتقاد بأنه لا يزال حيا، أو أنه يسكن سطح القمر. ويمكن توضيح هذه الظاهرة بمثال شهير وهو مقتل الأميرة البريطانية ديانا، حيث وضع عشرات الآلاف من الأشخاص أكاليل الزهور أمام مسكنها، على الرغم من عدم معرفتهم بها على الإطلاق، وهنا تتجلى أمامنا ظاهرة الإعلام الذي يبرمج الحشود للقيام بعمل قد يقومون به تجاه أقرب الناس اليهم فحسب، بل إنهم قد يبكون بحسرة دون معرفة سبب يربطهم بالأميرة ديانا، إلا أنهم يعتقدون أنهم يجب أن يفعلوا ذلك، خاصة أن من حولهم يقوم بالعمل نفسه. ونجد شيئا مماثلا في الحفلات الموسيقية التي يصرخ ويصفقق فيها المشجعون إلى درجة تمنعهم من الاستمتاع بالغناء، فالحالة الهستيرية الجماعية تملي عليهم ما يفعلونه.
عصر الميديا
ومع زيادة أهمية السينما والتلفزيون والإنترنت، ازدادت ظاهرة الاهتمام بالمشاهير والتعلق بهم، فعندما يشاهد عشرات الملايين من الناس حفل توزيع الأوسكار، فإنهم يكونون عادة غير معنيين بالجانب الفني للأفلام الفائزة بالجوائز، بل بمشاهدة مشاهير الممثلين المشتركين في الحفل. وبسبب الإعلام أيضا فقد امتدت هذه الظاهرة لتشمل الأطفال. كما أن الإعجاب بالمشاهير يعد نتيجة حملة دعائية يقوم بها هؤلاء المشاهير أنفسهم بمساعدة مؤسسات الإعلام، فكلما زاد المعجبون بممثل ما زادت أهميته، وبالتالي دخله المادي، ويشمل هذا المقابلات التلفزيونية وتفاصيل حياته وآراءه الشخصية وأفكاره حول المجتمع والسياسة، وفي خضم كل هذا يكون المشاهد جاهلا تماما بأن ما يشاهده هو نتيجة حملة إعلامية منظمة جدا. وهو في الأغلب مخالف لحقيقة هذا الشخص الشهير أو ذاك. وتطور الأمر إلى تشكيل مجموعات في الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، بحيث تكون كل مجموعة مخصصة لشخصية مشهورة معينة، وظهرت مؤخرا ألعاب فيديو هدفها الحقيقي الدعاية لبعض الشخصيات الشهيرة الحقيقية. وتستغل الشركات هذه الظاهرة عن طريق استغلال المشاهير للدعاية لمنتجاتها بشكل مباشر أو غير مباشر، وكمثال بسيط، إذا شاهدنا أحد لاعبي التنس الشهيرين مثل، روجر فيدرر أو رافايل نادال، في أية مباراة له نلاحظ وجود مختلف الماركات على ملابسه والشركات تعرف مدى تأثير هذا على المشاهدين، ولذلك فإنها تدفع المبالغ الطائلة لهذا اللاعب كي يرتدي القميص الذي تنتجه هي، لأنها تعلم جيدا أن الملايين سيقلدونه في ملبسه، ما يدر على الشركات الأرباح الهائلة. وحذت الأحزاب السياسية والحكومات حذو الشركات التجارية لترويج أفكارها وأجنداتها السياسية، فالإنسان العادي في اعتقاد دائم أن ما تتفوه به الشخصية الشهيرة هو الرأي الصائب والسائد في المجتمع، ولذلك فإنه إن أراد مستقبلا ناجحا فعليه ترديد الكلام نفسه.
الإعلام يحدد مقاييس النجومية
يقدم الإعلام دوماً المشاهير على أساس أنهم جميلون ــ المعايير يحددها الإعلام نفسه ــ وأقوياء وناجحون، وهي صفات يرغبها الجميع، كما أن الإعلام يزودنا دائما بالتفاصيل الشخصية والعادات الاجتماعية للمشاهير، ما يدفع المرء إلى الاعتقاد بأنه يعرفهم أكثر مما يعرف أقرب الناس إليه. إضافة إلى تقديمهم في شكل مثالي، ونجد هذا بشكل خاص في المجالين الديني والسياسي، حيث قدم الإعلام الزعماء في هذين المجالين وكأنهم أشباه آلهة. ولم ينس عالم الرياضة الذي دخل نجومه عالم الشهرة من أوسع أبوابه، فبالإضافة إلى مشاهدتهم أكثر من مرة كل أسبوع، إذ بنا نراهم في وسائل الإعلام التي تصفهم كأمثولة تحتذى، ليقلدهم الناس ويكونوا دائمي التكلم عنهم مثل، ميسي ورونالدو وكأنهما فلاسفة العصر الحديث. ومما يزيد من درجة التأثير على الملايين من المعجبين أن شهرة هؤلاء تتجاوز حدود الدولة الواحدة، فالشهير في الولايات المتحدة هو أيضا شهير في العالم العربي.
الظاهرة كما يراها علماء النفس
يعتقد المختصون بعلم النفس أن بعض الأعجاب بالمشاهير ظاهرة صحية ومفيدة من الناحية النفسية، حيث أنها (برأيهم) تزيد من ثقته بنفسه، كما يقسمون المعجبين بالمشاهير إلى ثلاثة أنواع .. الأول هو الذي تكون أخبار المشاهير بالنسبة له نوعا من الترفيه الاجتماعي وموضوع حديث مع الأصدقاء. والثاني هو الذي يكون علاقة خاصة مع الشخصية الشهيرة ويعتبره مقربا له دون أن يدرك أنها لا تعرف بوجوده أصلا، وقد يقوم هذا المعجب بإضافة مواصفات هذه الشحصية حسب مزاجه، لتكون على هواه. أما النوع الثالث فهو المعجب الذي تكون علاقته بالشخصية الشهيرة مَرَضية، حيث ينعزل تماما عن العالم الخارجي ويهمل حياته الشخصية والمهنية وقد يرتكب أعمالا جنونية بسبب هذه العلاقة، مثل القيام بأعمال عنف، معتقدا أن ذلك سوف يجذب انتباه الشخصية الشهيرة أو الانتقام من الشخصية الشهيرة نفسها، لأنه قام بعمل لم يرض عنه المعجب. وقد أوضح العلماء أن أكثر الأشخاص تعرضا للأمراض النفسية المتعلقة بالاعجاب بالمشاهير هم النرجسيون الذين يعانون من الوحدة، ويشكون من ضعف الثقة بالنفس. هذه النرجسية التي تتزايد في المجتمعات الحديثة، بسبب التغيرات الاقتصادية والاجتماعية الحادة.
٭ كاتب عراقي
زيد خلدون جميل