حنا ميخائيل «أبو عمر» النموذج الأرقى للمناضل المثقف

حجم الخط
7

متابعة لمقالي السابق حول المسيحيين الفلسطينيين ودورهم المشرف في النضال الفلسطيني والعربي والنهضة القومية الشاملة، أشرت إلى أنه من غير المعقول أن يتسع مقال واحد لتغطية هذا الجانب من النضال الفلسطيني ضد العدو القومي. ومهما ذكرت من أسماء فستظل أسماء أخرى لم تذكر إما سهوا أو عمدا بسبب المساحة الضيقة.
وقد إتصل بي كثير من الأصدقاء يذكرونني باسماء مهمة لم ترد في المقال مثل فايز الصايغ ومي صايغ وحنين الزعبي وحنان عشراوي وعفيف صافية ومي كيلة ومانويل حسسيان وحنا ناصر وإلياس شوفاني والشهداء جورج عسل ونعيم خضر وجايل العرجا والثلاثي جبران والفنان سليمان منصور وآن ماري جاسر وغيرهم الكثير. وأود أن أؤكد أن عدد المناضلين والمبدعين الفلسطينيين من خلفية مسيحية أكثر من أن يحصر في مقال ولا يمكن أن ألم بكل الأسماء لأنهم جزء أساسي من نضال الشعب الفلسطيني وإبداعاته ودورهم أكبر بكثير من نسبتهم العددية، ومن إخترتهم للكتابة يمثلون عينة فقط ممن تميزوا بصفتهم النضالية أو الإبداعية. لقد وصل عدد من المسيحيين الفلسطينيين في الخارج إلى مستوى رؤساء جمهوريات مثل أنطونيو سقا رئيس السلفادور وسعيد موسى رئيس وزراء بيليز وجون سنونو حاكم ولاية نيو هامشر وقادة نضال مثل شفيق حنضل قائد ثورة السلفادور. كما أن فلسطين كانت مسرحا لنضال كثير من المسيحيين العرب ونذكر منهم جورج حواتمة والمطران كبوجي والمرحوم يعقوب زيادين، إبن الكرك الذي فاز عن مقعد القدس المسيحي في انتخابات البرلمان الأردني عام 1956.
وأود أن أفرد سطور هذا المقال لأسلط الأضواء على مناضل فريد من نوعه لم أضع إسمه مع الأسماء التي ذكرتها في المقال السابق لأنني أريد أن أخصص مقالا يليق بمقام المناضل الشهيد والقائد المميز حنا ميخائيل المعروف بـ»أبو عمر» كما وعدت الصديقة المناضلة وزوجة الشهيد ورفيقة دربه جهان الحلو «أم عمر». وجدت الآن أن الفرصة مواتية للكتابة عن تجربة فريدة من نوعها خاصة للأجيال الآتية كي يقبسوا شيئا من حياة هذا المناضل المثقف والشهيد المفقود والكاتب والباحث الذي إستبدل كرسي الأستاذية في أرقى جامعات الولايات المتحدة والتحق بصفوف الثورة يوم كان الالتحاق بها وسام شرف على صدر كل من يحمله.
من جامعة هارفارد إلى أزقة المخيم
ولد حنا ميخائيل في رام الله عام 1935 وتخرج من مدرسة الفرندز عام 1952 التي تديرها جماعة الكويكرز المسيحية المعروفة بتأييدها المطلق للقضية الفلسطينية. سافر في بعثة للولايات المتحدة لدراسة الكيمياء في جامعة هافر فورد في نيوجرزي حيث تعرف في أواخر الخمسينيات على طالب فلسطيني آخر كان يدرس الأدب في جامعة برنستون الشهيرة بنيوجرزي إسمه إدوارد سعيد ومنذ ذلك الوقت توطدت العلاقة بينهما. يقول إدوارد سعيد بعد لقائه الأول مع حنا: «أعجبت فورا بتواضعه الجم وتهذيبه إضافة إلى عقله الوقاد». شهادة لا أدق ولا أصدق. قرر حنا أن يغير موضوع دراسته من الكيمياء إلى الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية في جامعة هارفرد، أهم وأرقى الجامعات الأمريكية، حيث التقى الصديقان مرة أخرى في الجامعة نفسها ليحصل الإثنان كل في مجاله على شهادة الدكتوراه. وكانت أطروحة حنا بعنوان «السياسة والوحي – المواردي وما بعده» تحت إشراف المستشرق البريطاني الأشهر سير هاملتون غيب، الذي كان إنتقل حديثا من أوكسفورد إلى هارفرد. والكتاب يناقش مسألة العلاقة بين السياسة والدين إستنادا إلى كتاب أبي الحسن على المودودي «الأحكام السلطانية والولايات الدينية». نشر البحث بالإنكليزية أولا ثم بالعربية بإشراف السيدة «أم عمر» عام 1997 وبتقديمين مهمين من إدوارد سعيد والمستشرقة الإيطالية بيانكا ماريا سكارسيا. بعد تخرجه من هارفرد إنهالت عليه العقود فدرّس في جامعة برينستون الشهيرة ثم حصل على عقد برتبة أستاذ مساعد لدراسات الشرق الأوسط في جامعة واشنطن في مدينة سياتل. جاءت هزيمة حزيران/يونيو عام 1967 لتشكل صدمة لجيل بكامله علق آمالا كبيرة على قيادة العمل القومي الذي كان يمثلها جمال عبد الناصر. وكان لظهور حركة المقاومة الفلسطينية مخرجا للكثير من المناضلين واليساريين للانضمام للثورة «كما كانت تسمى آنذاك». وكان من بين الذي تخلوا عن حياة الوداعة والرفاهية حنا ميخائيل حيث اختار طريقا محفوفا بالمخاطر ومستقبلا غامضا وانضم لحركة فتح في الأردن عام 1969 ليساهم بفكره ووعيه في عملية «تحرير فلسطين».
في صفوف الثورة الفلسطينية وحكاية الاختفاء الغامضة
إنضم أبو عمر إلى « دائرة العلاقات الخارجية « في حركة فتح في الأردن، وتمكن من إقامة أمتن علاقات مع اليسار الفرنسي والإيطالي والأمريكي. وكانت تربطه علاقة صداقة متينة مع الأديب الفرنسي المعروف جان جينيه، الذي كتب عن الفدائيين في الأردن وعن «أبو عمر» كتاب « الفدائي العاشق». وهو صاحب نصّ «أربع ساعات في شاتيلا» الذي كتبه مباشرة بعد مجزرة صبرا وشاتيلا. وقد زار جان جينيه أبو عمر في مرحلة بيروت. وهناك قدم أبوعمر إدوارد سعيد إلى جان جينيه. وفي أواخر العام 1971 أصبح أبو عمر عضواً في قيادة «القطاع الغربي» خلال تولي الشهيد كمال عدوان لقيادة هذا القطاع.
إلتحق أبو عمر بدورة عسكرية في فيتنام سنة 1975 مدتها ستة شهور تركت بصماتها على نفسيته كثيرا وقرر أن ينقل بعض تجارب الفيتناميين للثورة الفلسطينية وخاصة الجدية والوعي والتواضع. وللمفارقة كان قائد الدورة تلك المناضل عبد الحميد محمود وشاحي المعروف باسم «نعيم» الذي إختفى معه عام 1976. وكان نعيم من ألمع قادة فتح العسكريين، رغم أنه لا يعرف القراءة والكتابة، لكن أبو عمر علمه بصبر وتواضع مبادئ الكتابة والقراءة لاحقاً.
خلال الحرب الأهلية في لبنان كان هناك العديد من المشاكل في تنظيم فتح في شمال لبنان، فقرر ياسر عرفات في تموز/ يوليو 1976 إرسال مجموعة قيادية نظيفة من تسعة أشخاص لتولي الأمر. واختير نعيم ليكون قائد تلك المجموعة وأبو عمر نائبه ومفوضاً سياسياً للحركة هناك. تحركت المجموعة في قارب صغير من منطقة الحمام العسكري في بيروت باتجاه الشمال، لتعذر سلوك الطرق البرية غير الآمنة، لكن المجموعة إختفت كما هو معروف ولم يعثر لأحد منهم على أثر. وراجت روايات مختلفة حول طريقة إختفائهم. منها أن الإسرائيليين إحتجزوا القارب وسلموا المجموعة لقوات الكتائب، وهذه رواية ضعيفة، ورواية أخرى مرجحة تقول أن قوات الكتائب حاصرت المجموعة فور نزولها على الشاطئ اللبناني وسلمت أفرادها بعد حين إلى القوات السورية التي كانت آنذاك تحاصر تل الزعتر. هذه الرواية ترجحها أخبار نقلها معتقلون سابقون في السجون السورية، والذين أكدوا لأم عمر أنهم إلتقوا بأبي عمر في السجون السورية، وذكروا سجن تدمر بالذات. وقيل إن أبو عمر أستشهد في الغارة الجوية على السجن إثر محاولة بعض المساجين الفرار.
ظلت المناضلة أم عمر، تحاول لسنوات طوال التأكد من وجوده في سوريا ومن مصيره هناك. وفي هذا السياق قابلت رئيس الوزراء السوري عبد الرحمن خليفاوي وفشلت في لقاء الرئيس حافظ الأسد، ولكنها قابلت زوجته وزوجة خدام دون جدوى.
لقد وضع أبو عمر أثناء وجوده في بيروت جهودا حثيثة لتأسيس «التيار الديمقراطي» داخل حركة فتح. وقد أنجز دراسة مهمة عن هذه المسألة، كما أنجز الوثيقة الفكرية للتيار الديمقراطي في الحركة وهي بعنوان «ملاحظات أولية حول الثورة العربية». وكانت تتطلع إلى بناء حزب فلسطيني مقاتل، وحزب عربي جذري يسترشد بالتجربتين الفيتنامية والصينية.
يقول إدوارد سعيد عن لقائة بحنا في بيروت في الأعوام 1972 و1973: «بدا لي غارقا تماما في دوره كمسؤول سياسي في الحركة. وأثار إعجابي زهده المتناهي في الملبس ونمط الحياة. لم أره قط يلبس أي شيء سوى البزة الكاكية ولم يقد سيارة قط ولم يستخدم في سلوكه إلا أسلوب الحديث البسيط البعيد عن التكلف تماما. كان يحرص على الإنصات ووحده بين رفاقي الفلسطينيين كان عندما يسألني عن التطورات في الولايات المتحدة ينتظر فعلا أن أجيب».
بدأ حنا في بيروت يجمع من حوله مجموعة من المثقفين الثوريين والمتماثلين في الرأي والذين بدأوا يدركون الاتجاه الذي تسير فيه القيادة الرسمية والقوى المسيطرة في حركة فتح. كان غير سعيد للاتجاه الفردي السلطوي الذي يعظم القائد الفرد وكان غير راض عن التبذير الأخرق وكان من أوائل الذين حذروا من تدفق أموال البترودولار على الثورة لإفسادها وحرفها عن مسارها. بدأت أفكاره تنتشر داخل صفوف فتح وبدأت تتشكل مجموعات صغيرة تؤكد على مبادئ إنطلاقة فتح التي تعتبر الكفاح المسلح وحرب الشعب طويلة الأمد «إستراتيجية وليس تكتيكا» وتؤكد على التضامن مع الشعوب العربية لا مع الأنظمة الفاسدة وتعلي من شأن القيادة الجماعية وممارسة النقد الذاتي والتصحيح والتعلم من تجارب الآخرين. لذلك لا عجب أن إنتشرت نظرية المؤامرة حول إختفاء المجموعة الأكثر نقاء وثورية في ذلك الوقت. ولنستبعد نظرية المؤامرة قليلا ونسأل: كيف يمكن لقارب صغير يحمل ثمانية قادة عسكريين ومفوض سياسي ينطلق من بيروت الغربية إلى طرابلس والطرق محاطة بالمخاطر حيث يمر القارب في مياه إقليمية يسيطر عليها حزب الكتائب ثم سوريا ومياه دولية تسيطر عليها إسرائيل؟ إنها مغامرة حمقاء لا تستقيم لذي حجة سليمة وأقل ما يقال فيها إنها إستهتار وإهمال ومغامرة.
تزوج حنا ميخائيل عام 1972 من المناضلة الفلسطينية جيهان الحلو. وكانت العلاقات بينهما مثالية. كان يشاركها في الطبخ والتنظيف ويقول لها «لا يجوز للمرأة أن تضيع ساعات من يومها لتنجز طبخة واحدة. يمكنها أن تستفيد من الوقت المخصص للطبخ للتعلم والتثقف». لم ينجبا، فقد كانا منهمكين تماما في الثورة. تعرفت عليها من أيام بيروت وتوطدت العلاقة بينها وبين عائلتي نزورها في لندن ورام الله وتزورنا في الولايات المتحدة. كانت تعيش على أمل أن يكون أبو عمر حيا بسجن عربي ما. لكن هذا الأمل تبدد وكرست حياتها لإحياء ذكرى أبو عمر وطبع كتابه وتكريس حياتها لخدمة أطفال فلسطين والدفاع عن حقوق المرأة وقد أنجزت كتابها الهام «شهادات حية للمرأة الفلسطينية في لبنان» عام 2009.
وقد تم تكريم الشهيد القائد حنا ميخائيل عندما قررت رئيسة بلدية رام الله جانيت ميخائيل أن تسمي شارعا باسمه وأن تضع لوحة تعرف به وبدوره في أيار/مايو 2010.
وباختفاء حنا ميخائيل فقدت الثورة الفلسطينية رجلا فذا وقائدا ومفكرا وشخصية تاريخية قلما يجود الزمان بمثلها. نتذكر سيرة «أبو عمر» ونحن نشاهد من تبقى من رجالات فتح الذين آثروا الاستسلام وفضلوا أن يحصدوا بعض المكاسب الشخصية على حساب قضية التحرر الوطنية والتي ضحى من أجلها رجال عظام ونساء عظيمات بالتأكد ليس من أجل الوصول إلى سلطة مسخ تحت حذاء الاحتلال.

٭ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

د.عبد الحميد صيام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية