قراءة نص الكاركتير تفتح شهية البحث على تناصات المفارقة، وتضع القارئ/ المشاهد أمام لعبة الكشف عن سيمياء هذه المفارقة، إذ تنطوي هذه السيمياء على مقاربات قد تمسّ التابو السياسي أو الجنسي أو الديني، وقد تُثير الكثير من الأسئلة حول وقائعنا اليومية العابرة والعميقة، وبقدر طبيعة الإثارة التي تُشكّلها، فإنّ نص الكاركتير السهل والممتنع أحيانا يتحوّل إلى نصٍ فائق التأثير، وفائق المرارة، لاسيما تقارب موضوعات لها علاقة بشجوننا الوطنية والإنسانية.
ناجي العلي واحدٌ من أهم صُنّاع المفارقات العربية، فهو ليس رسّاماً لخطوط الكاركتير، بقدر ما هو كاتبٌ مُجاهِر بـ(نص) المفارقة، هذا النص يفترض قارئاً بامتياز المشاهد، إذ تتحوّل خطوطه، وشخصياته الى ما يشبه الفضاء الدرامي، ذلك الحافلٌ بالصراعات، والغامر المفارقة والتأويل. كل هذه الإحالات تفترض وجودها، ورغم قسوتها، لكنها الأكثر تحفيزا على الوعي بما يجري، والدفع باتجاه الاستعداد لقراءة سرائر الوقائع العربية المفتوحة على (المتشائل) كما يقول أميل حبيبي، والمغترب عن وجوده كما يقول محمود درويش.
استعادةُ ناجي العلي بعد ثلاثين عاما من رحيله، هي استعادةٌ لكل تاريخ المفارقات العربية، مثلما هي استعادة ومرثاة لجرحٍ مفتوح، ولوجعٍ ظلَّ خبيئاً، يمسّ المكان، ويمسُّ اللغةَ، ويمسُّ القضيةَ، فصورةُ حنظلة هي صورتُهُ العدميةُ، وهي أيضا صورتُنا القومية التي لا حائطَ لها سوى الفراغ، تحتجُ بخطوطِها الناتئة، وتحتجُ أيضا بمراثيها على عالمٍ لم يعدْ آمناً، وعلى تاريخٍ يدوّن سرائرَه القتلةُ ورجالُ المخابرات والعاهرون في زوايا عالمنا العربي وما أكثرهم. كان الرجلُ حالماً مثل أيِّ فلسطينيٍّ يبحثُ عن بلادِه، إذ تستغرقه التفاصيلُ والحكاياتُ والهجرات، مثلما كان السؤال الفلسفي يأخذه عميقا بعيدا عن فكرةِ الوجودِ، وعن القيمةِ الاخلاقيةِ لهذا الوجود.
هو أكثرُ من شاهدٍ على ما يجري، وأكثر من مراقب لسيرة (الخسارات)، وسيرة الهزائم التي وضعته عند عتباتِ الوجعِ والخوفِ والفقدِ. لقد كان ناجي العلي يعي تماماً أن لحروبِ الفلسطيني أكثرَ من جبهةٍ، وأنَّ لموتِه أكثرَ من قاتل، فالارضُ لديه فضاء مفتوح، مثلما هي سجن أو منفى كبير، فيه الكثير من الأصوات والأسماء والأفكار، تلك التي تشتبكُ مع بعضِها البعضَ لتصنعَ فكرةً غائمةً عن وطنٍ تساكنه أرصفة المنفى، ويلتاذ به كأي مطارد عند مقاهٍ لاوجوه لها، لكنه رغم ذلك ظلَّ يحمله تحت القميص مثل أيقونة مقدسة، أو على ورقٍ أبيض يناقض سواده، فهو دائما الصورة الضد، والموقف الضد إزاء عالمٍ فجائعي ظلَّ يؤرقه، ويعايشهُ مثل نصلٍ غاطسٍ في الروح.
حنظلةُ ليس قناعاً، إنه الرائي بعمق، والمحدّقُ أبداً في العتمة، المدوَرُ مثل كائنٍ فنطازي، ظلَّ يرقبُ العالمَ من حولِهِ وهو مسكونٌ بالهواجسِ، الهواجس التي تملك قابلية التحولُ الى أسئلةٍ أو مواقف أو رؤى، وإلى مرائرَ موغلةٍ بالتوحش، وإلى خوازيقَ تتوغلٌ في التفاصيل وفي أجساد العالقين خارج المعنى، لذا تحوّل ناجي العلي تحت هذه (الخوازيق) وعبر(حنظلته) الى كائنٍ غير صالحٍ للاطمئنان، غير صالحٍ للحواراتِ المغشوشةِ، أو غير صالحٍ لوهمِ الوطن الاستهلاكي والاستعراضي، الوطن الضحية، الوطن المرمي أبداً على الطاولة، والمُبعثَرُ في الأراشيف، أو في ذاكرةِ محرري الإذاعات والصحف أو عند حسابات السياسيين…
صلاحيةُ ناجي للحياة وصراحته الصاخبة، تحولتْ إلى نوعٍ من الإشهار بموتِ الكثيرِ من الأوغاد، مثلما تحولتْ إلى مواجهةٍ مع نفسِه، حيث ترتبكُ مثل طفلٍ أمام وجعِه الداخلي، إذ ينزع إلى مبادلةِ صمتِ حنظلة على الورقِ بالصراخ العميق لهذا الكائن المثقوب عميقاً، فهو صراخُ الكائنِ الفلسطيني المُستلّبِ والمنفي، والذي تختفي ملامحه تحت عذابات السيرة والحرب والهجرات الدامية..
لعبة حنظلة هي وجهٌ آخر للقسوة والكآبة، فهي مواجهةٌ في كوميديا سوداء مكشوفة وموحشة، موحشة باستلابها الذي يغيب عنه المعنى الوضوح، حيث اغتراب المكان وغيابه، وحيث الإنسان بعذاباته الفاجعة..
حنظلة أو ناجي اقترحا الرصيف مكانا، والوجوه بلا ملامح سيمياءَ شاحبةً للكائن الوطني، والمنفى جلجلة أخرى للموت الدامي.. ظلّا يمارسان هذه اللعبة القاسية، لعبة النزوع إلى الحافات، حيث المقهى الدامي، وحيث اللغة التي تتبعثر كالخطوط، ربما كان يتوهم العثور على وطن تجريبي، وطن تعويضي، وطن بصلاحيات كاملة، وطن يبحث عن وضوحه الغائب والمعطوب.
نزوحُ ناجي العلي خارج الأمكنة هو أنزياحٌ وجودي، مثلما هو نزوحٌ داخل عوالم حنظلة الكابوسية، اذ لا يلبس هذا (الحنظلة) شيئا، سوى عريه، وسوى أنْ يكونَ واقفاً دونما وجهٍ ليبصرَ بهواجسِهِ العالمَ الغاطس في كراهيته وهو يمارسُ صناعةَ الرعبِ والقسوةِ والموت، الموت الذي شاطره ليلةَ المقهى والرصيفِ، ليغتالَه العابرون برصاصاتٍ صديقةٍ أو عدوة. المُهم أنها أراحته من عبثِ الوضوحِ، ومن رعبِ القلقِ المسافرِ معه، ومن أسفارٍ مضللةٍ ظلتْ تساكنُه وكأنها أوديساتٌ فلسطينيةٌ تسافر في اللاأين دائما..
ناقد عراقي
علي حسن الفواز