حنينٌ أعمى

حجم الخط
0

أمامَ جهة القلبْ (تلك المهجّرة ليكتمل الحنين) ويكتمل السحر، أنا المُجْهِشُ، عميقاً أعاتب الألمَ في العيون، فتكون هي قدري حين أرسم ظلال الأهل، وأنحت الأسماء الجريحة والصور النازفة على الريح، أحضنها عاشقاً لا يصدّق أشرعة الأنين، وهي تميل كقلوب الأمهات.

نظراتي يداي، أجمع بهما سفح المنازل مع الشرفات
ما الذي أبقاك وقد غادرتْ المدينة حجراً وراء حجر دون أن تلتفت إليك؟
يسألني فضاء من نبات
ولا شيء غير الشهقات:
أنا رهين الصبر
أنا وريث الدم
أنا قبري هذه الأرض، وتلك الغيوم كفني

لا ميراث إلاّ أنتَ
ولأجلكَ لا تنام الجهات
أنظرُ إليك لتراني أيها المكان
لا شيء
أغصان بين رمادنا تنمو مع القبور
وتمرّ
تارة تضيء
وأخرى تحرق الصدى

لا قلب لقلبي
ولا رئة له
تتراشق الأعضاء بالأمنيات
تتراكم كسرب
حزين
جريح
يرفرف
كما لو كان آية
وكما لو كنت أذرف اللهاث
لأموت قبل مجيء الموت

رفرف يا قلب عالياً
عالياً
عالياً
لا ..
لا أريد أن أصل، فما كنتُ غير ريش على جناح مكسور، و حرفاً زائداً في جملة ما

ماذا سيحدث أكثر مما حدث
غرقت المدن بين حجارتها، وغادر من استطاع أن يضع حجراً مكان قلبه

لا فرق الآن
لا فرق
الجسد والروح كحجري رحى
تدوران بي في فلك قديم
أنا إلهٌ
وكل الغبار
والحطام
والهشيم
والأنين
والدماء
هو ما سيكون كوناً وأكثر
أو ذكرى مؤلمة بعد حين
وأنا الأعمى
وأنتَ لست لي
أيها المكان
أنا أعمى ولا أراك
لي عينان غادرتا البلاد وعبرتا الحدود
بدموع أغرقت البحار
و جمعت ضفاف الأنهار قارباً لأحلام مكسورة
لستُ حجراً لأنسى
ولستُ ريحاً كي أستنشق نوافذ الأحبة هناك، وأعود للرئات البعيدة هنا

أنا ظلال من رحلوا
أنا العيون حين التفتت
وما رأت غير عيون تموت
أنا الأبواب التي تركت مفتوحة
أنا النوافذ التي تشظت على صدر الستائر
أنا مكانك أيها المكان
وهذه الحمامات حول صوتك
هي ذكريات النبات في حقل روحي

اعترف بأنك أنا
وسلّ خيال السيوف من خاصرتي، دمي ليس غمداً
ولا تخبرهم عن الفصول المتناحرة في الدّم
والألم الذي أباح غفوة البلاد للغبار

العين التي ترشد بها قلوب النازحات
هي حيرتي في حبّك
أنا أسمع الموت جيدا
هو يردد اسمك عالياً
فيأتي اسمي خجولاً بين الصدى
هو ذاته الذي يحلّق حول الصور التي كانت تضيء غرف البيت
والعيون التي لا تنام بين الخيم
أنت استدرجت الموت دون أن تعرف لغته
حتى عَضّ أصابع الأطفال
وأخذ البراءة شواهدَ على التلال
فضع جراحك بين صيحاتنا
ولنتبع الدم
لترانا المدينة

ها هم
محاربون بلا عيون
يصلون ومعهم حواف البحيرات
يغسلون دمي من حزنك
ولا يستطيعون
ولن يستطيعوا
فلن أدع عبور الموت سدى
لن أفضحه في امتحانه معي
فهو أقرب منكَ إليّ

لا المسافة محنة
ولا التعب حاجز
تناسيتُ بكاء الصّغار
والأمهات، والآباء
وتأنقت كجندي في خندق الحياة
قلت نشيداً ليهدأ المكان
ويتبعني حافياً
فاتبع الدم معي أيها الأعمى
شمّ همس الأرض
فليس لي ولك ما نجمع فيه الحنين
ذهبت العيون بعيداً
بلا عيون نبكي إلى الأبد
بلا عيون
وبلا عيون.

شاعر سوري

محمد بيجو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية