كنا إثنين.. أنا والرصيف عندما قرأت الخبر المصور التالي»..حشود شعبية تستقبل رئيس الأركان الجديد».
تذكرت أن صديقا لي غادر للتو منزل رئيس الأركان القديم المحال على التقاعد لتهنئته بالخروج من الوظيفة بالسلامة.. هاتفته لأسأل عن حشود مماثلة فكان الجواب كالتالي: فتح الرجل فناء منزله لاستقبال من يزوره جريا على عادة أردنية طيبة تشكر المتقاعد على دوره وجهده وتصادف وجود سبعة أشخاص وخمس سيارات فقط.
قبل ايام فقط كان الجنرال المتقاعد الذي قام بواجبه وخدم وطنه ومليكه يملأ الدنيا ويشغل الناس.. لديه إعلام وكتبة وأشخاص برواتب عالية جدا يصرخ فيها أحد المذيعين بالوزراء قائلا «أنا أتحدث باسم فلان».
وقبل أسابيع فقط كان الجنرال الجديد يتناول معنا العشاء بتواضع جم ويتحدث بهدوء ومسؤولية ويعبر عن كل مظاهر الاحتراف والهيبة في تمثيل الجيش العربي وهو واحدة من أنبل ظواهر المنطقة بكل الأحوال.
كل الاحترام دوما وابدا للجنرالين ليس فقط بصفتهما الشخصية لكن المؤسسية.
لكن بسرعة كان الصديق والزميل الأستاذ نصر المجالي «يلطمني» بصورة وتعليق عن رئيس الأركان البريطاني الذي غادر بصمت ولم يعد يذكره أحد ولم تنظم احتفالات في قريته الكينية.
وبسرعة تذكرت مشهدا لا يمكن إسقاطه من الحسابات والذاكرة حيث قيادي فلسطيني (يعارض عباس) يحرص مدير مكتبه على «تقشير البيض له» عند الإفطار ويصرخ ذلك المدير بالخدم والحشم متسائلا عن سر تأخير «مهلبية الشيخ فلان».
ثمة مشهد آخر محلي لكنه سيريالي بامتياز.. حشود بشرية تحيط بدابة بيضاء يمتطيها أحد المرشحين للانتخابات… يطلق القوم الرصاص بكل مكان تحية للمرشح فيما ينشغل المرافقون للركوبة بتعديل شماغ «غطاء رأس» المرشح كلما مال بسبب اهتزاز الدابة ـ عفوا قد يكون حصانا ـ على إيقاع الجماهير الهادرة.
بمناسبة انتخابية موازية اصطف نحو 200 رجل بزي موحد ومع أسلحة رشاشة وبمسافة خمسة أمتار بين كل منهم..الوظيفة كانت إطلاق الرصاص الكفيل بتحرير قطاع غزة كلما أطلت السيارة الفارهة التي يمتطيها المرشح وسط الصحراء.. الشباب نسوا ترديد الأغنية الشعبية الشهيرة»…. طلت الروفر.. طلت».
أعجبتني مقولة مهمة: الاخوان المسلمين في الأردن تقدموا ب126 ـ مرشحا للانتخابات الأخيرة.. لم تطلق رصاصة واحدة ولم يعرقل اي مرشح يتبعهم السير في شارع ولم يقدم في مقراتهم أكثر من المياه والتمر ولم تقطع شجرة او سلك ولم يمتط أيهم بغلا او يلقي بغلاف طبق كنافة بالشارع العام او يسرق كهرباء من الحكومة… هذه معارضة مغرقة في الحفاظ على البيئة.
بالتوازي تذكرت ما قاله لي مصطفى الحمارنة يوما عن جنرال أمريكي أشرف على الجيوش التي احتلت العراق ورأينا نحن العرب الويل على يديه فقد صادفه صديقنا في سوبرماركت يصطف على الدور لكي يدفع ثمن علبة شوكولاته وزجاجة نبيذ اشتراهما لزوجته التي تنتظره بالسيارة.
عفوا.. حتى لا تفهموني غلط حديثي لا علاقة له بالجنرالات بل حصريا لدي أسئلة ذات صلة بموضوع واحد فقط :ماهي الدوافع التي تقف خلف ظاهرة التحشد المناطقي والعشائري في بلادنا وتحديدا في بلدي الأردن؟.
هنا ثمة تفسيرات متعددة سمعتها.. بعضهم يرى بان الجماهير متشوقة لنجاح او توظيف رموزها حرصا على مصالحها الخدمية.. البعض الآخر يتحدث عن مال سياسي يتمكن من تحشيد الناس باللعب على أوتار عصبيتهم المقيتة يعني «جمهور بالأجرة».
البعض الثالث يرى بأن غالبية المناطق التي تشهد تحشيدا جماهيريا إحتفالا بشخص وبصرف النظر عن السبب تتحرك لأنها ببساطة لا ترى مسؤولين من الدولة والحكومة بين ازقتها ومواطنيها على مدار اربع سنوات رغم ان معدل عمر الوزير الأردني لا يزيد عن سبعة اشهر بالمعدل.
قد ينطبق ذلك فعلا على حشود البسطاء والمخيمات في القرى التي احتشدت لتحية رئيس الأركان الجديد فالأخير عسكري محترف يجلس ويصلي ويختلط بالناس ويقيم منزله المتواضع في قريته ولا يعرف العاصمة وصالوناتها وأفلامها ومزارع ساستها.
المسألة فيما تعلق بقائد الجيش الجديد حصريا قد تنطوي على «تصويت تلقائي وشعبي» يصفق أولا للقرار الملكي المرجعي باختيار شخصية تميزت بالنزاهة ولم تعرف عنها الشللية ولا الانخراط في اي هوامش جانبية وسط تراكم إحباطات الشارع ووسط الحنين العجيب في وجدان الناس لتطبيق مقولة «الرجل المناسب في المكان المناسب» ولو لمرة واحدة فقط ما دامت البلاد برسم أزمة الأدوات والعشرات في غير أماكنهم المناسبة.
المسؤولون لا يذهبون للميدان رغم أن الملك شخصيا أمرهم بذلك وعدة مرات.. الحل الأبسط بالنسبة لطبقة من منتحلي صفة السياسي والبرلماني والشيخ والزعيم ان يحضر الميدان لهم.
ثمة قراءة مبسطة أكثر تتوقع بان الجماهير تحتشد بعد فوز مرشح او تعيين موظف برتبة عالية لأنها ببساطة شديدة تبحث عن «وظيفة» حيث السوق مزدحمة وفرص التوظيف قد تنحصر بمن يمثل العشيرة او المنطقة في طبقة «السكان اللي فوق» تفاعلا مع مقولة «كل مسؤول بيعين قرايبه».
في حالات نادرة الاحتشاد التلقائي العفوي كما حصل في قرى عجلون وجرش تعبير عن حالة إيجابية لكن في حالات متعددة الاحتشاد يعبر عن مكنون الهويات الفرعية والمناطقية في بلد تقول قيادتها بانها تتجه نحو العصرنة والتحول والتعددية والتنمية السياسية.
الأردنيون في سلوكهم الاجتماعي يميلون للاحتشاد بمناسبة وبدونها ولسبب او بدونه.. تلك بكل حال مسألة لا تخص الحكومة والدولة.
٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»
بسام البدارين