الإعلامية حنين غدار، التي هي أيضا باحثة مقدرة في معهد واشنطن للسياسة في الشرق الأوسط، لا يمكنها أن تعود قريبا إلى وطنها في لبنان. فالمحكمة العسكرية في بيروت تذكرت فجأة، بعد أربع سنوات في إثر فعلة كانت أو لم تكن على الإطلاق، للحكم على غدار، غيابيًا ومن دون أن يتمكن محاموها من الدفاع عنها باسمها، ستة أشهر في السجن الفعل. وبكلمات بسيطة: إذا أصرت غدار على الصعود إلى الطائرة والهبوط في بيروت، فسيحرصون على معاملتها بأياد فظة.
وتدعي لائحة الاتهام التي امتشقت من أرشيفات المحكمة العسكرية بأن غدار، التي شاركت في اجتماع يُعنى بشؤون سورية في 2014، شهرت بالجيش اللبناني. ونسب المدعي العسكري لها محاولة إثارة النزاع بين أبناء الطائفة السنّية وأبناء الطائفة الشيعية. وحسب ادعائه، فقد أصرت غدار على أن تعرض في واشنطن الجيش اللبناني كمن يركز على ملاحقة منظمات اللإرهاب السرية (داعش) ويتجاهل عن عمد الإرهاب الشيعي لحزب الله.
القضية أكثر تعقيدا: فجدار نفسها هي ابنة للطائفة الشيعية في لبنان. وقبل أن تقرر بأنه خطر عليها جدا في بيروت، حررت بنجاح كبير موقع الأخبار «NOW» بالإنكليزية والعربية، وشغلت مجموعة من الصحافيين الذين أصبحوا من المعجبين بها. فهي أم وحيدة تعيل أسرتها بمفردها، سارعت عائلتها الموسعة في جنوب لبنان إلى نشر «كتاب براءة منها» كي يبعدوا عنهم أجهزة الأمن.
حاول الادعاء العسكري العام في بيروت بداية أن يعزو لها تهمة أشد هي «الخيانة»، بدعوى مشاركتها في ندوة مع رئيس الوزراء ووزير الدفاع الأسبق ايهود باراك. ومع أن باراك حضر الندوة، ولكن الصور شهدت في مصلحة غدار. فقد بدت فيها على منصة الخطابة، فيما كان إلى جانبها مسؤول كبير من المعارضة السورية وباحث ـ خبير في الشؤون السورية واللبنانية. ولا ذكر لـ «التطبيع» مع باراك.
يثير الحكم التعسفي عاصفة ردود فعل غاضبة في لبنان. فرئيس الوزراء سعد الحريري يلتف بصمت صاخب. هو نفسه ينتعش من قضية اعتقاله الإكراهي في الرياض، وإجباره على أن يتلو أمام الكاميرات خطاب الاستقالة الذي أملاه عليه ولي العهد السعودي. ولكن رئيس الوزراء السابق، فؤاد السنيورة، خرج للدفاع عن غدار. فقد تساءل السنيورة بصوت عال ما الذي لهيئة قضاة عسكريين ان يبحثوا بشكل عام على الإطلاق في قضية لمواطنة. فإذا كانت هناك ادعاءات ضدها فليحاكموها في هيئات مدنية. وتذكروا، كما يوصي وزير الثقافة غطاس خوري، بأن لبنان معروف في مواضيع حرية التعبير كسويسرا الحيادية للشرق الأوسط. كما أن أعضاء برلمان وشخصيات عامة ينتقدون المحاكمة الميدانية التي أجريت بتأخير أربع سنوات وعلى أنه ليس «للمتهمة» الحق في الدفاع عن نفسها أو الاستئناف على الحكم.
ها هو دليل آخر على سيطرة حزب الله بالقوة على إدارة مؤسسات الدولة في لبنان. فإذا أغضبت الأمين العام نصرالله، فإنك ستلقى الضربات من الأجهزة. هكذا حصل للمخرج السينمي زياد دويري الذي نال فيلمه «الإهانة» المرتبة الاولى في مهرجان «كان» والمرشح الآن لجائزة الأوسكار. بعد لحظة من هبوطه في بيروت ووزير الثقافة المنتفخ فخارا إلى جانبه، اقتادوا الدويري إلى التحقيق على قضية قبل أربع سنوات لها صلة إسرائيلية، بالضبط مثلما في حالة جدار. كما عزا نصرالله لنفسه دور الناقد السينمي حين علل مصادرة فيلم «الصحيفة» لسبلبرغ. في هذه الحالة بالذات تدخل رئيس الوزراء الحريري و»الصحيفة» يبث. ولكن جال جادوت مع ويندروومن لا يزال مقاطعة.
إن ألعاب الوطنية الوهمية في لبنان حين تخرج حركة الـ بي دي اس هواء ساخنًا ضد إسرائيل، من شأنها ان تكلفهم غاليا. فوزارة الخارجية الأمريكية والكونغرس في واشنطن التزما بمتابعة استعراض العضلات. لبنان متعلق بميزانية المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية. ولكن هذه الميزانية تستغل ضمن أمور أخر لتمويل سلوك المحكمة التي حاكمت جدار وعشرات آخرين من «الجواسيس» لمصلحة إسرائيل ممن قرر حزب الله تصفية الحساب معهم.
يديعوت 28/1/2018