«حوار» تجارب تشكيلية لـ3 فنانين: أساليب وعوالم مختلفة في رؤية جديدة لحياة المصريين

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: يُقام حالياً في غاليري «Le Caire» معرض تشكيلي يضم تجارب ثلاثة فنانين .. علاء أبو الحمد، إياد عرابي، ومحمود خطاب. جاء المعرض تحت عنوان «حوار»، وعلى الرغم من التباين بينهم أسلوباً وتقنية ورؤية جمالية، إلا أن هناك حالة عامة تجمع ما بين هذه الأعمال، الروح المصرية وتواصلها مع موضوعات معاصرة وآنية في المجتمع. قد تبدو في شيء من المباشرة كما في أعمال أبو الحمد وعرابي، والتجريب من خلال التشخيص، كما في حالة محمود خطاب. حالات مختلفة تحاول التواصل مع الجو النفسي للمصريين، ومدى الاختلاف بين ما كان وما هو كائن بالفعل، قد يكون الملاذ هو التاريخ، ومحاولة التذكير الدائم به، أو السخرية من المأزق الراهن، هذه الشكلية في التديّن، وما يفكر به الأشخاص بالفعل. أفكار كثيرة حاول الفنان التعبير عنها في إيجاز وإيحاء أكثر من الشرح والإفاضة، وهو أمر يُحسب للعمل الفني في النهاية.

الروح الفرعونية

تبدو أعمال الفنان علاء أبو الحمد (من مواليد عام 1979، المدرس في قسم التصوير، كلية الفنون الجميلة في الأقصر) تعبيراً مباشراً عن روح الأعمال المصرية القديمة، وباستخدام تقنية الزيت على القماش يرصد أبو الحمد العلاقات ما بين الكائنات والمعبودات، هنا تصبح المرأة هي المدار الأساس للعمل، بما يوحي بأنها المعبودة إلى الأبد، من خلال وضعيتها داخل اللوحة ــ مركز اللوحة ــ أما وجود الرجل فمُتأخر عنها، أو يصبح في خلفية اللوحة، إضافة إلى ألوان المقابر الفرعونية كالأزرق والأرجواني، وهي ألوان مصرية قديمة. من ناحية أخرى هناك لوحة مفردة تمثل المرأة المصرية في جلستها الملكية، هي الوحيدة التي تمتلك زيّها الملون، والمزركش، عاقدة يدها كما في المنحوتات الفرعونية المعهودة. هنا نجد رصانة التكوين، وشكل الجسد في مُجمله، من دون تفاصيل، تماشياً مع المعتقد الديني المصري القديم، فالتجسيد مرادف للملكة الإلهة. يلعب الفنان لعبة طريفة، بسيطة ولافتة، فكرسي العرش، على سبيل المثال، يعلوه من الناحيتين ما يُشبه الهلال، وهو بالطبع لم يكن من مفردات منحوتات ذاك العصر، لكنه تضفيرة وإضافة من زمن آخر، لكنه لا يغترب ولا يُغيّر من طبيعة المرأة وتقديسها لدى المصريين. هنا تتحول العلاقات والدلالات، بأن تحل (الأم) محل الملكة أو المعادل للإله في الزمن الحاضر، وهو ما لم يزل يحتفظ به ويحافظ عليه المصريون، رغم ما حدث لهم من اضطراب نفسي وسلوكي لما لاقوه من عنت وتعسف طوال التاريخ، وطوال ما مر بهم من أزمات.
السخرية ومفارقات الحياة تسيطر على أعمال الفنان محمود خطاب، فيحاول أن يخلق أعماله مما يحدث في حياة المصريين، كحال الرجل الذي اجتاحت الأمطار منزله في الشتاء الفائت في الإسكندرية، والذي لم يجد له عاصما سوى ثلاجته المنزلية التي اعتصم بها، وهي الصورة الشهيرة التي تناقلتها وسائل الإعلام. يجسد الفنان حال الرجل، واضعاً مُلصقات من صحف قديمة من ثمانينيات القرن الفائت وتسعينياته، عن الشركات وإعلاناتها عن السلع التجارية، التي أوصلت الحال إلى ما هو ماثل في صورة الرجل. هناك حالات أخرى من خلال بعض الشخصيات كساعي البريد فوق دراجته المعهودة، وهو أمر انتهى الآن أيضاً، لكن خطّاب يجعله في حالة من الفرح أو الذكرى السعيدة التي لن تعود، من حيث التكوينات والألوان المُبهجة، وتكوين الرجل الجسدي الذي لا ينفصل عن دراجته، وكأنهما الشيء والحالة نفسها.

مفارقات المصريين النفسية

التراث والتديّن في حياة المصريين، هو ما يحاول الفنان إياد عرابي كشفه في عنف، حالة من الفصام يراها الفنان وقد ضربت المصريين، الاهتمام الشكلي بالمظاهر هو ما يهم، أما الروح فمن علّة مزمنة تعاني، ولا فكاك من ذلك.
تأتي الأعمال من خلال لوحات تجسد بعض لقطات من فيلم «المومياء» لشادي عبد السلام، من لقطات تشييع الأموات ورفاتهم ــ الأجداد والتراث ــ ولقطات لبعض شخصيات الفيلم ذات الدلالة، كالقواد (مراد) وفتياته اللاتي يُتاجر بهن.
حالة المتاجرة هذه تتخذ عدة أشكال، وهو ما يبدو في اللوحات الأخرى الخارجة من حكاية الفيلم، نساء مُحتجبات بالسواد، يقفن أما رجل ملتح، في محل للملابس النسائية، وخلفه بضاعته من ملابس داخلية، وهو أمر شائع في العديد من المحال في مصر، بالطبع هناك حالة من المبالغة والتكثيف في اللقطة، ولكنها دالة تماماً على الوضع النفسي والاجتماعي الآن.
اللوحة تتكون من مستويات ثلاثة، النساء وسوادهن في مقدمة الكادر، يقفن ناظرات إلى البائع، الذي يواجه المُتلقي، وخلفه في مستوى ثالث بضاعته المُعلقة خلفه، وتحتل خلفية اللوحة بالكامل.. ملابس حميمة تبحث عنها أجساد مختفية تماماً وراء سوادها، وبينهما صاحب اللحية.
اللوحة مُعبّرة تماماً عن الحال الراهن. حالة فصام لا تنتهي، الحفاظ على مظاهر لا تغني عن حياة، والنساء ما بين بين تائهات. وهنا يبدو الاختلاف التام ما بين نساء إياد عرابي، ونساء علاء أبو الحمد، القويات، المتصدرات المشهد، وما الخلفية إلا رجال يقدّرن قيمة المرأة ومكانتها، ولكن في زمن قديم!

«حوار» تجارب تشكيلية لـ3 فنانين: أساليب وعوالم مختلفة في رؤية جديدة لحياة المصريين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية