حوار عن الخوف

أذكر في سفرة لي قريبة إلى أحد الأقطار الشقيقة أنني كنت أتحدث مع أحد أصحابي هناك عن ظاهرة الخوف بين المواطنين العرب في ظل الأنظمة الحاكمة الاستبدادية فإذا به يمد لي يده بورقة كانت نسخة عن خاطرة كتبها داعيا إياه إلى قراءتها والاحتفاظ بها إذا شئت وهو يقول: ـ إنها خاطرة ساخرة ولكنها تكادتلخص أوضاعنا العامة إلا أن الرقابة لم تسمح لي بنشرها فخذها وافعل بها ما شئت وهاا أنذا أفعل، فاقرؤوها معي:
«قلت له: إرفع صوتك فأنا لا أسمعك.. فأجاب بأنه يخاف أن يسمعه الآخرون.. وعندما قلت له أنْ لا أحد سوانا هنا، أجاب باستحياء أنه آسف. ثم راح يسردُ بصوت ما زال منخفضاً ما يلي:
ـ لا أدري لماذا يصيبني نوع من الدوار كلما دخلت إلى مؤسسة حكومية ضخمة ذات طوابق متعددة وأروقة ضيقة طويلة متداخلة لانجاز معاملة لي هناك، اذ ما أكاد ادخل حتى أشعر أنني إنسان مغلوب على أمره، وهكذا أحتار بين الغرف الحاشدة بالموظفين العابسين حتى أهتدي إلى الغرفة التي أريدها فأقف امام الموظف خاشعا متحيرا كيف أظفر باهتمامه من دون أن أزعجه وأظل على هذه الحال حتى أخرج من المبنى، وعندها فقط أتنفس الصعداء.
وفي الشارع أيضا ما أكاد اقترب من مبنى حكومي محروس بثلة من الرجال المسلحين حتى تنتابني هذه الهواجس من جديد فأكون على الرصيف وإذا بي أهبط فجأة إلى الشارع المزدحكم بالسيارات المسرعة التي توشك ان تدهسني حذرا من أي أمر إو تحذير يوجهه الحراس المرعبون إليّ بأن السير على الرصيف ممنوع!..
ماذا تسمي هذه الحالة يا صاحبي؟ هل أنا جبان إلى هذا الحد؟
فقلتُ له: ـ لا أظن ذلك يا صاح، فأنا مثلك أرتعد خوفاً حتى وأنا في منزلي حين يُقرع الباب ؟؟ في وقتٍ متأخر أو مبكر فأقول في نفسي: ها هم قد جاؤوا لمداهمة الدار أو لاعتقالي مع أنني والله شاهد على ما أقول بريء من كل ما يتصل بإزعاج السلطات.. ولكنه تفكير مشؤوم لم أتحرر منه أبدا.
تنتهي الخاطرة عند هذا الحد تقريبا، وحين علّقت عليها بسؤالي إياه عن أنّ الأمن مستتب كما يبدو لي ليل نهار في هذا البلد ودليلي على ذلك أنني ؟؟ ان الناس هنا يسهرون خارج منازلهم حتى ساحة متأخرة من الليل، أجابني على الفور
ـ طبعاً ما دام رجال الأمن منتشرين في كل المحلات يراقبون الناس ماذا يفعلون، وماذا يقولون؟ ثم أضاف قائلاً:
ـ وأنتم ماذا عن الأوضاع عندكم الآن؟ فأجبته بقولي:
ـ يقولون إن جدار الخوف عندنا قد انكسر.. ولكن الأحوال التي تغيرت عندنا بالفعل تجعل معظم الناس يلازمون بيوتهم وقلائل جداً هم الذين يغامرون بالسهر خارج منازلهم حتى ساعة متأخرة خوفا من سيارة مفخخة تنفجر فجأة هنا أو هناك أو أن عصابة مسلحة تعترض طريقهم ولا يعرف أحد إلى من تنتمي هذه ؟؟ الجريئة؟ إنه الخوف مرة اخرى يا صاحبي.. الخوف دوماً.. هذه حياتنا الآن.. فما هو مصيرنا؟ لا أحد يعرف.
فأجابني قائلاً: ـ يبدو أن الخوف صار ضرورياً للجميع الخوف مرة اخرى يا صاحبي.. الخوف دوماً.. هذه حياتنا الآن.. فما هو مصيرنا؟ لا أحد يعرف.
فأجابني قائلاً: ـ يبدو أن الخوف صار ضرورياً للجميع في بلادنا المتخلفة. حكاماً ورعية.. وأن لا سبيل أمامنا للتخلص من هذا الوضع إلا بزوال أسباب الخوف. فحيث يوجد الخوف يوجد التخلف.. ولا سبيل للنجاة منه إلا ؟؟ جميع الاطراف بأن الخوف هو أصل الوباء المزمن منذ أكثر من ألف عام ونيف.. فالخوف لا يعني سوى أن لا قانون يطبق فعلاً في بلادنا العربية، بل وحتى القوانين التي تفرضها بعض الأنظمة الحاكمة والمخالفة أحيانا لمبادئ العدالة لا يطبقها أحد لا الحاكم ولا المحكوم.. والحاكم قبل غيره مُطالب كما هو معروف بتطبيق القانون.. فماذا يبقى بعد غياب دولة القانون سوى الخوف؟!
وهنا توقفنا عن الكلام وساد الصمت بيننا.. وما يزال الصمت مخيّماً علينا كما يبدو حتى الآن!.. لعن الله الخوف! أليس هو السبب في هذا الصمت المرادف للضجيج الفارغ؟!..

شوقي بغدادي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية