في 31/10/1948 ارتكبت القوات الإسرائيلية المسماة (الهاغاناة) مجزرة في بلدة حولا اللبنانية، وذلك ضمن اندفاعة القوات الصهيونية لاحتلال الشمال الفلسطيني، من خلال ما سمي «خطة حيرام»، التي انطلقت في الأسبوع الأخير من شهر اكتوبر عام 1948، فلماذا ارتكب الصهاينة هذه المجزرة في الأراضي اللبنانية؟ ولماذا احتلت تلك القوات 14 قرية لبنانية في الجنوب اللبناني في تلك الفترة؟
لا يمكن فصل حولا عن محيطها، أي عن جغرافيتها، ولا عن تاريخها القائم على النضال والسعي إلى إحقاق الحقوق؛ فهذه البلدة اللبنانية الجنوبية، التي تبعد نحو 115 كيلومترا عن العاصمة بيروت، وبنحو 16 كيلومترا عن مركز القضاء في مرجعيون، وهي في الوقت ذاته تحاذي الحدود الفلسطينية، وتبعد عنها بنحو سبعة كيلومترات، حيث تقع بلدة هونين التي دمرها الصهاينة عام 1948، وما زالت بقايا قلعتها الشهيرة قائمة حتى الآن، وهي من القرى السبع، حيث أقيمت إلى جانبها مستعمرة المنارة. وإذا ما أردنا كتابة المزيد عن بلدة حولا والمناطق المحيطة بها، فإننا لا يمكن أن نغفل موقع «العبّاد» الذي يرتفع عن سطح البحر نحو 1000 متر، وهو المكان الذي كان خلوة للعبّاد من قبل. ومن هنا جاء الاسم، وهذا المكان يشرف ويكشف مناطق واسعة من الشمال الفلسطيني والجنوب اللبناني حتى مدينة صيدا الجنوبية، كما أن مزارع شبعا وتلال كفرشوبا ومناطق من الجولان السوري المحتل يمكن رؤيتها أيضا من موقع العبّاد.
نعود إلى بلدة حولا التي ترتفع عن سطح البحر بنحو 750 مترا، والتي اشترك أبناؤها في معارك المنطقة اللبنانية والفلسطينية، كما أنها استقبلت منذ ما قبل عام 1948 عائلات فلسطينية تم إجبارها على ترك قراها في منطقة الجليل. وخاضت حولا معارك متعددة مع مستعمرة المنارة، واستشهد في تلك المعارك العديد من رجالاتها وحتى من نسائها، ما كان يجعل الوضع دائم التوتر بين البلدة والمواقع الإسرائيلية التي تحيط بها. وكانت القوات الإسرائيلية قد أقامت مرصدا من أهم وأعلى المراصد في المنطقة، بحيث يكشف أي تحرك يحصل في جميع الجهات التي تحيط به. أما عن الأسباب المباشرة التي أدت إلى ارتكاب المجزرة في حولا منذ 67 عاما، فإن ذلك يعود إلى أن العديد من رجالات حولا كانوا على دراية بحمل السلاح، واشتبكوا مع القوات الصهيونية وقتلوا بعضهم، ما جعلهم يتربصون بأبناء البلدة. أما عن أهم الأسباب التي يمكن وضعها على رأس اندفاعة الصهاينة لارتكاب مجزرة حولا، فإن ذلك يعود إلى أن وحدات من جيش الانقاذ الذي كان يقوده فوزي القاوقجي، كانت قد سيطرت على موقع العباد الاستراتيجي، حيث ساعدها العديد من أبناء البلدة وانخرطوا فيها، إلا أن تلك الوحدات ولأسباب غير مفهومة انسحبت من موقع العبّاد في 27/10/1948 ما أفسح المجال للقوات الصهيونية أن تعيد تمركزها فيه، وتوالي اعتداءاتها على أبناء البلدة، ويبدو أن القوات الصهيونية أشاعت أن جيشا من مسلمي البوسنة، سيأتي للتمركز في موقع العبّاد ويطرد القوات الصهيونية منه.
المجزرة
في 31/10/1948 شاهد بعض أبناء البلدة قوات يلبس أفرادها لباسا عربيا، جاءوا من الناحية الشمالية للبلدة، أي بالقرب من بلدة مركبا المحاذية لحولا، فأخذوا يرحبون بهم ويدلونهم على الطرق المناسبة لانتقالهم، إلا أن تلك القوات أخذت تعتقل وتتعامل بشراسة وفضاضة مع الأفراد الذين كانوا يرحبون بهم. عندها أدرك بعض الأهالي أن تلك القوات ما هي إلا قوات صهيونية، فانطلقت الصيحات «يهود يهود.. صهاينة صهاينة»، ما أجبر الناس على التفرق والتوجه بفوضى عارمة إلى هذه الجهة أو تلك.
اعتقلت القوات الصهيونية العشرات من أبناء البلدة وبناتها، ووزعتهم على بيوت متفرقة. في ذلك اليوم، ومنذ 67 عاما ارتكبت القوات الصهيونية مجزرة حولا التي ذهب ضحيتها نحو 70 شهيدا، وبقيت القوات في البلدة لتصادر الأملاك والمواشي وجميع الأرزاق التي وجدتها في البيوت، ووزعت من بقي حيا من السكان على بعض القرى المجاورة، أو جمعوا أنفسهم وتوجهوا نحو بيروت، حيث سكنوا في البداية في حرش بيروت، ثم نقلوا إلى معسكرات الجيش الفرنسي التي كانت قائمة في منطقة ضبية في شمال بيروت، وعاشوا عيشة التشرد والحاجة.
وكانت القوات الصهيونية قد احتلت في هجومها من ضمن «خطة حيرام» نحو 14 قرية لبنانية أخرى محاذية للحدود الفلسطينية، من بينها كفر كلا وعديسة والطيبة ومركبا ورب ثلاثين وميس الجبل وبليدا وعيترون ودير سريان وغيرها، وتشرد أهلها ولم تخرج القوات الصهيونية منها، إلا بعد توقيع اتفاقية الهدنة بين إسرائيل ولبنان في 23/3/1949، عاد عندها المهجرون بعد فترة من توقيع الهدنة إلى بلداتهم وقراهم ليجدوها مخربة ومدمرة، وبلا أي أملاك أو مواش أو مزروعات.
الجدير ذكره أن المواطن حسين رزق مواليد حولا 1924 الذي توفي فيها عام 2005 هو الذي روى عن الساعات الرهيبة التي أمضاها من قبض عليهم من أبناء البلدة من قبل القوات الصهيونية التي أطلقت الرصاص، ثم فجرت البيوت على رؤوس من اعتقلتهم في ذلك اليوم الرهيب. وقد كان حسين رزق الناجي الوحيد من المجزرة، حيث أصيب برصاصة في يده وأخرى في فخذه، إلا أنه تمالك نفسه وانطلق راكضا في الوعر والرصاص يلاحقه، إلى أن أصبح خارج مرمى ذلك الرصاص، فساعده من التقاه وتم نقله لاحقا إلى أحد المستشفيات في مدينة صور، حيث أجريت له عملية
عاش حسين رزق بعد ذلك مأساة تذكر أقاربه وجيرانه الذين قضوا في المجزرة، وكان يفيض أحيانا بالحديث عن الساعات الرهيبة التي أمضاها مع زملائه في بيوت الاعتقال، التي فجرت فوق رؤوسهم بعد ذلك، كما إنه كان يمسك لسانه ويمتنع عن أي حديث يتعلق بالمجزرة اثناء الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني، واستمر شاهدا وحيدا على هول المأساة التي حدثت، ليلتحق في عام 2005 بمقبرة الشهداء الواقعة على البوابة الشرقية لبلدة حولا، حيث دفن إلى جانبهم.
٭ كاتب فلسطيني
سليمان الشّيخ