بقدر ما كانت نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في تونس صادمة للبعض وسارة للآخر، بقدر ما أججت أسئلة كثيرة كانت مطمورة الصوت في الخضم التلاطمي لخطابات التيارات والأطراف تداعيات لارتدادات ما قيل أنها «ثورة»، قبل أن تأتي نتائج الاقتراع الأخير لتؤكد أنها أبعد ما تكون عن حمل مدلول لفظ «الثورة» ولعل أبرز تلكم الاسئلة التي ولدتها النتائج الانتخابية الأخيرة هي كيف تأتى للـ»بنعليين» العودة لقيادة مجتمع يفترض أنه ثار وقدم دماء في سبيل تقويضهم بشكل كلي من المسرح السياسي التونسي؟
ينبغي الاشارة في البدء أن السلطة التي تأتت بعد «الثورة» والممثلة في الترويكا، قد دفعت فاتورة غالية بشأن التموقع في المشهد السياسي «الما بعد» ثوري إذا ما نظرنا من زاوية الامتياز الانتخابي الصرف، وهذا عبر تصديها لعملية الترتيب «الثوري» للمجتمع في ظل حالة الفوضى الطبيعية التي تعقب مثل هكذا حدث، فمهمتها بحكم الظرف كانت إعادة بناء الدولة مؤسسيا وتشريعيا، رسم خريطة طريق التي تأتى عنها المشهد والنتائج الانتخابية الأخيرة، لهذا يمكن اعتبار نجاح الانتخابات بمثابة نجاح يُحسب للسلطة التي ورثت المجتمع الثوري في تونس بعد هروب بن علي واختباء «البنعلية» في دهاليز المال والنفوذ السياسي بالبلاد.
فما هو معلوم من طبيعة وضرورات التغيير الثوري في التاريخ أن أي حركة شعبية أو نخبوية تقدم على تغيير جذري يحمل صفة الثورة أن تلجأ إلى ما يمكن نعته بالتكسير الثوري، الذي يهيئ الارضية لعملية البناء الجديد، أي تحطيم كل الأسس الآليات والركائز التي استند عليها الاستبداد السابق في بسط وتوطيد حكمه وعدم الاكتفاء بتعطيل مفعول وحركية تلك الأسس والآليات وهو ما حدث في تونس وحدث في مصر أيضا بدرجة أكثر، ولعل ما حال دون بلوغ هذا المستوى من الاجراء الثوري هو لا انتمائية البادرة الثورية، أي أنها لم تكن لنخبة أو توجه أجماعة ذات نسق فكري ومؤسسي واحد وهو ما ساعد الفلول المعلنيين و المندسين على مباشرة عملية الاسترداد.
هكذا إذا لم يتم تبديد أسباب انبعاث الاستبداد عبر إفناء بذور نباته إنما تمت تنحيته جانبا وغض الطرف عنه و تحويل الاضواء عنه عبر اعلام ثقيل خدمه بسحب الاضواء منه أكثر من أن يقال أنه أضر به، لأنه كان في أمس الحاجة في مثل تلك الظروف المتسمة بالغضب الشعبي العارم على أن ينزاح من اهتمامات الاعلام ليضل الغضب مشتعلا ويطال السلطة الجديدة، وهو ما حصل في تونس ومصر بشكل كبير وفاضح.
ثمة أيضا تغييب غير مفهوم للآلية القضائية في عملية التظهير الثوري، من خلال فتح الملفات المتعلقة بجرائم النظام السابقة على كامل الصعد الانسانية والمالية والسياسية، فلا شيء حدث بحجم التغيير الذي حصل وهو ما يقوي من فرضية لا ثورية الحركة التغييرية أو لنقل الانتفاضة الشعبية التي أسقطت نظامين مفسدين مجرمين بتونس ومصر، عدم التعامل بحزم قضائيا مع الإرث السابق، أعطى الجرأة لبعض رموز الفساد السابق لأن يعودوا ليتصدروا المشهد المعارض ومن خلفهم خزائن الفرعونية السابقة جاهزة لدعمهم بشتى مصادر القوى لإعادة الحياة للنظامين اللذين يفترض أو ينعتان بالبائدين في حين اتضح أنهم بادئون مجددا في العودة وبقوة لاقتياد الشعوب مجددا.
قد يعترض احدهم بالتساؤل من قال أن القوى السياسية الجديدة هي نسخة عن النظام السابق؟ هو تساؤل يجد له مساحة من الشرعية طالما أن القطيعة الفظيعة بين المرحلتين كانت ذات بعد إقليمي وليس فقط محلي تونسي، وكذلك لكون منظومة الحكم قد أعيدت صياغتها بكثير من الحرص على عدم انتاج ما يشبه النظام السابق، لكن بقاء البنى التحتية للنظام السابق والقادرة دون أدنى ريب على ترويض الفعال السياسي الجديد منه والمتجدد أي الذي اندرج في عهد «الثورة» ووجد له موطئ قدم في العهد الجديد من حيث لا يمكنه ذلك مثلما أسلفنا قوله تداعيا لشروط النجاح التي تتطلبها التجربة الثورية.
ما هو ملاحظ أيضا في الخطاب الاعلامي المتعاطي مع النتائج الانتخابية الأخيرة سواء بحسن أو سوء نية هو محاولة تأكيد فرضية الاقتراع الايديولوجي للمواطن التونسي، وهذا من خلال التركيز على القول بإنهزام الاسلاميين وانتصار اللائكيين بما يفيد تبني الشعب التونسي للمشروع العلماني، وهذا نهج خاطئ في الرصد السياسي للعملية الانتخابية، فإذا ما حاولنا حصر القرار الشعبي سواء أكان انتخابيا أو ثوريا في البعد الشعبي، فأولى الارادات الايديولوجية سنكون مجبرين على تأكيدها هي أن تونسيين بخروجهم على بن علي العلماني والاطاحة به يكونون قد عادوا العلمانية!
وهذا غير صحيح فالخروج والانتفاضة الشعبية الكبرى التي أزاحت بن علي من على سدة الحكم كانت سعيا خلف استعادة كرامة شعب واسترجاع سيادته من القبضة الديكتاتورية مهما كانت خلفياتها والمطالبة بحقه في الرفع من مستوى العيش، واليوم وبحكم ما قدّره المواطن التونسي من عدم توفيق الترويكا أو السلطة التي ورثت التحول وعملت جاهدة على استيعاب رداته، انتخب لصالح المعارضة التي لا أحد يضمن نجاحها أو يستبق الأمور بالحكم بالفشل عليها في العمل على تنمية المجتمع، من هنا يظل حتيما الاشارة إلى خطأ القراءة الأيديولوجية لبعض وسائل الاعلام لافرازات العملية الانتخابية الأخيرة في تونس.
بشير عمري ـ كاتب صحافي جزائري