أظهر استطلاعان جديدان للرأي أول أمس الاثنين أن المرشح الرئاسي عن الحزب الجمهوري ورجل الأعمال الملياردير دونالد ترامب صار متفوقاً على هيلاري كلينتون، المتوقع فوزها بترشيح الحزب الديمقراطي.
في الاستطلاع الأول الذي أجرته وكالة سي إن إن/أو آر سي للاستطلاعات الدولية فارقاً قدره ثلاث نقاط، وخمس نقاط لو جرى التنافس بين ثلاثة أحزاب، وكانت كلينتون متفوقة على ترامب بسبع نقاط قبل مؤتمر الحزب الجمهوري الأخير. الاستطلاعان اللذان أجريا بين 22 و24 من الشهر الحالي أظهرا أحسن نتيجة لترامب منذ شهر أيلول/سبتمبر السنة الماضية وتم ربطه بالأداء الذي قدّمته زوجة ترامب وأولاده الأربعة خلال مؤتمر قبوله ترشيح حزبه للرئاسة.
صحيح أن الاستطلاعات لا تستطيع التحكم أو التنبؤ بالنتيجة النهائية للانتخابات الرئاسية الأمريكية، وخصوصاً في الولايات التي يصعب الحسم فيها بين الديمقراطيين والجمهوريين، لكنها علامة مهمة تشير إلى تحوّلات جديدة طارئة على جمهور المصوتين الأمريكيين.
فهم هذا المنحى والتحضّر لنتائجه على المستوى العالمي شديد الأهمية وهو يعطي صورة ليس لأمريكا خلال السنوات الأربع المقبلة بل كذلك للاتجاه الذي يتجه إليه العالم، بما فيه طبعاً منطقة الشرق الأوسط المنكوبة بالكوارث السياسية والعاهات المزمنة.
رغم الطابع الأمريكي الفريد لشخصيته والمفاجأة التي حملها صعوده فالأولى أن يتمّ ربط ظهور وصعود ترامب بموجة غربيّة طامّة من الشعبوية اليمينية التي تستخدم غرائز الخوف من الآخرين (زينوفوبيا) والمسلمين (إسلاموفوبيا) وملل الجمهور العامّ الغربي من فشل الأساليب التقليدية في الحكم وتأثير الإعلام والميديا ووسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي الجمعي كل ذلك مخلوطاً بكوكتيل من الإثارة الرخيصة المخرجة على شكل برامج تلفزيون الواقع التي كان ترامب نفسه أحد نجومها.
الطابع الفائض عن «الأمريكية» والأقرب للعالمية سيكون أجلى ما يكون إفصاحاً عند مقارنة المرشح الأمريكي للرئاسة بوزير خارجية بريطانيا الحالي بوريس جونسون، الشديد الشبه (شكلاً حتى) بترامب، فالاثنان من أصول مهاجرين ركبا على سياسة كره المهاجرين، والاثنان يحملان شخصية متغطرسة ووقحة وبذيئة، وكلاهما استخدما وسائل الإعلام الجماهيرية واليمين المحافظ والمتطرف لقيادة تغيير كبير يعزل بلادهما عن العالم ويُعلي مشاعر السطوة الإمبريالية التي تريد فرض شروطها على أوروبا (في حالة جونسون) وعلى الصين واليابان وحلفاء أمريكا عموماً، بمن فيهم العرب (في حالة ترامب).
ترامب (وجونسون وأمثاله الأوروبيون) هو أيضاً ردّ أمريكا وأوروبا المتوسطة المسيحية البيضاء على سياسات الرئيس الأسود الأول لأمريكا باراك أوباما العالمية.
لكنّ الغريب في الأمر هو أن أوباما لم يمثّل في جوهر سياساته الداخلية عن ترامب فخلال عهده زادت عمليات العنف العنصرية ضد السود لقياسات غير مسبوقة، فيما تمثل سياسته الخارجية التزاماً بخط (عزل أمريكا عن العالم والتفرغ لمواجهة الصين)، وهاتان السياستان تشهدان تصاعداً في أعمال العنف المسلح داخل أمريكا من قبل الشرطة ضد السود ومن قبل السود ضد الشرطة، وتكريساً للكوارث التي حصلت في العراق وسوريا وسمحت، من ناحية، باستمرار أنظمة الطغيان المهولة في دمشق وبغداد، والتغاضي عما حصل من انقلاب عنيف في مصر، وانتشار العنف في ليبيا واليمن، وأدّت بالنتيجة إلى انتشار التطرّف والغلوّ والشعور بالمظلومية السنّية الذي سمح لتنظيم «الدولة الإسلامية» بالانتشار والتمدد والتأثير على جماعة بشريّة هائلة تعدادها أكثر من مليار نسمة.
ترامب، ضمن هذا السياق، هو الابن الطبيعي لـ»عقيدة أوباما» وهديّتها المفزعة إلى العالم.
رأي القدس