حول خيار التجزئة في العراق: واقع دائم أم عرض لأزمة؟

حجم الخط
0

فرض توسع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) والقوى السنية المتحالفة معه واقعا جديدا على العراق لم يشهده منذ ولادة الدولة الحديثة فيه، وأصبح خيار التجزئة، والحديث عن كيانات سنية وشيعية وكردية أمرا واقعا في ظل تسيد المليشيات في بغداد، وعجز الجيش العراقي عن استعادة ما خسره خلال الإسبوعين الماضيين من مناطق. فقد وصف مسؤول أمريكي الجيش العراقي بأنه يعاني من حالة «إنهيار معنوي» ولن تجدي مؤتمرات المتحدث باسم الجيش العراقي قاسم عطا اليومية التي يتناول فيها الهجمات البطولية التي يقوم بها الجيش العراقي ضد قوات داعش، وعادة ما تتناقض تصريحاته مع ما يجري في الميدان. وبدا واضحا في حديثه عن المعارك الرائعة في بيجي، وعندما يواجه قاسم عطا بالواقع يؤكد أن الجيش قام بانسحاب «تكتيكي»، وحتى ترفع الحكومة العراقية من معنويات جنودها والمؤيدين لها لجأت للأغاني الوطنية والشعر الذي يملأ شاشة قناة «العراقية» الرسمية. بغداد في حالة حصار سواء من قبل الحكومة العراقية أو داعش الذي يقترب منها، مع أنه لن يكون قادرا على دخولها بسهولة. وفي الشمال يهدد مسعود بارزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان بعدم التخلي عن كركوك والقتال دفاعا عنها.
تطرح هذه التطورات أسئلة حول حالة الإنقسام الفعلي وأسبابه والثمن اللازم لتوحيد البلد من جديد. قد لا تبدو مشكلة التجزئة إشكالية إن نظرنا للإقليم الكردي الذي شهد استقرارا منذ حرب الخليج الأولى، ولكن السؤال الذي يطرحه العراقيون والأمريكيون على حد سواء يتعلق بالدم والمال الذي يجب دفعه لتجميع شتات العراق الممزق بسبب الغزو الأمريكي والسياسات الطائفية التي انتهجها نوري المالكي طوال السنوات الثماني الماضية. وهو سؤال يتردد في سوريا الممزقة إلى دويلات وإمارات حرب، ذات هوية طائفية أو عقائدية. وهنا التقسيم الذي يراه البعض حلا لن ينهي الحروب في البلدين بل سيكون محفزا لصراعات طائفية وعرقية في كل أنحاء المنطقة.
وفي الحالة العراقية بالذات بات ثلث البلاد خارج سلطة حكومة بغداد، باستثناء كردستان، وأي محاولة من الحكومة للحفاظ على الوحدة العراقية ستؤدي لكوارث جديدة خاصة في المناطق المختلطة مما يعني حمامات دم. وفي الوقت الذي دعا فيه الرئيس الأمريكي باراك أوباما الأطراف العراقية للجلوس معا ونسيان خلافاتهم إلا ان وزارة الدفاع الأمريكية بحسب صحيفة «نيويورك تايمز» ألمحت وإن بشكل هادىء إلى إمكانية تعايشها مع الإنقسام العراقي الحالي رغم المخاوف من ظهور ملجأ آمن للجهاديين في الصحارى التي تربط العراق وسوريا. ولو تحول هذا الرأي لموقف عملي فهو أن سياق الوضع في العراق مختلف عما كان عليه قبل عقد من الزمان، ويتعلق بالحقد الطائفي الذي بدأ يغير «الحمض النووي» للسياسة في المنطقة مما يجعل من الحدود القديمة هشة وضعيفة. فالكثير من أبناء السنة يتعاملون مع السيطرة على الموصل والمدن الأخرى في محافظاتهم بإعتبارها «إنتفاضة» ضد الحكومة الطائفية. ويجد السنة اليوم أنهم أصبحوا أكثر بعدا عن الدولة التي تعتمد اليوم على المليشيات الشيعية لحمايتها، وتقاتل إيران نيابة عنها من خلال الهجمات وطائرات الإستطلاع.
وبنفس السياق فالحدود التي رسمها الإستعمار تحولت اليوم إلى خطوط في الرمال تتلاشى أو في الهواء تطير. وهذا ما دعا المعلق في صحيفة «واشنطن بوست» ديفيد إغناطيوس للحديث عن مؤتمر جديد لتقرير مصير المنطقة تماما كما قرر مؤتمر فرساي في عام 1919 مصير المنطقة في القرن الماضي، وفتحت الخريطة التي حددها كل من وزيري الخارجية الفرنسي والبريطاني، التي عرفت بسايكس بيكو، مسار المنطقة لقرن من الزمن، ولكن الحروب لم تتوقف والنزاعات الحدودية لم تنته، والطموحات العرقية/ الإثنية لم تختف. وحتى تنظيم داعش واع للوضع القائم، فهو بطبعه تنظيم عابر للحدود مع أنه اكتفى حتى الآن بتحديد طموحه في سوريا والعراق، ومع ذلك أسهم التنظيم برؤيته للمنطقة، فقد أصدر الإسبوع الماضي تقريرا من ثماني صفحات شجب فيه الحدود القديمة باعتبارها ترتيبات استعمارية فرضت على المنطقة، وتضمن التقرير صورا لمقاتلي التنظيم وهم يدمرون ما قال عنه «الحدود الصليبية» بين سوريا والعراق.
وفي الوقت نفسه فتح هجوم داعش الباب واسعا أمام انفصال الأكراد عن بقية العراق، فقد دفع هجوم داعش على الموصل الجنود العراقيين ترك مواقعهم في كركوك الغنية بالنفط. وما يساعد على ولادة كردستان الدولة التي يحلم بها الأكراد منذ نهاية الحرب العظمى هو تمتع مناطقهم في سوريا بقوات دفاع وحكم ذاتي أعلنوه بعد اندلاع الثورة السورية وقرار قوات النظام السوري الإنسحاب منها. ولن تعارض تركيا التي تصالحت مع الأكراد نشوء هذا الكيان لأنها ترى فيه حاجزا بينها وبين دولة داعش في شمال وغرب العراق. لا بد من الإشارة أن خيار التجزئة ليس جديدا على العراق، ففكرة توزيع السلطات بناء على المحاصصة الطائفية أوجد البذرة لما يحدث اليوم، فالعراق لم يتعاف من جروحه الطويلة التي سببها الغزو والحرب الطائفية. وفي عام 2006 عندما كان جوزيف بايدين، نائبا في الكونغرس اقترح فكرة تقسيم العراق على الطريقة اليوغسلافية حيث حدد مصير تركة جوزيف تيتو مؤتمر دايتون في التسعينيات من القرن الماضي. وبالنسبة للعراق فقد تغير الكثير منذ ذلك الوقت بدرجة أصبح خيار التقسيم قدرا لا مفر منه حسب «نيويورك تايمز» ومنع حدوثه يحتاج لجهود ومصادر كبيرة حتى لو عثرت الولايات المتحدة وإيران على طرق للتعاون فيما بينهما.
وهنا لا بد من التأكيد على أن مسلسل التقسيم ليس خيارا مفروضا على العراقيين بل تدفعهم إليه الظروف وطبيعة النزاع وهو بالتالي مرفوض من العراقيين باستثناء الأكراد، وكما أظهرت استطلاعات اجريت في العراق في السنوات الماضية فالتجزئة فكرة لا تحظى بشعبية، لان الهوية الجامعة للعراقيين هي الهوية العروبية، وطالما لعب العراق دورا في تشكيل المشروع القومي العربي، حتى أخرجته أمريكا بغزوها وتسليمها له للقادمين من الخارج ممن ربطوا ولاءهم بالمشروع الإيراني وجاءوا ليحكموا باسم «الغالبية»، صحيح أن الشيعة في العراق هم غالبية كما كتب فريد زكريا، المعلق الأمريكي لكنهم يظلون أقلية في العالم الإسلامي، ومن هنا فما قامت به إدارة جورج بوش والمحافظون الجدد معها هو تلاعب بالنظام السياسي أنتج في النهاية نظاما طائفيا.
ويختلف العراق عن النموذج اليوغسلافي من أن الطوائف والجماعات توصلت لفكرة أن خيار التعايش لم يعد قابلا للحياة وبدأت ترسم حدودها بالطريقة التي تناسب واقعها الإثني. في العراق لم يكن هذا خيار للشيعة والسنة، فهم عرب وتجمعهم آصرة العروبة وتعايشوا لقرون وتزاوجوا واختلطوا بل إن المكون العشائري في العراق عادة ما ينقسم لسنة وشيعة. فهم في النهاية شركاء في المصير الواحد. فالطائفية في النهاية هي نتاج للفساد والقمع والإستبعاد والفشل السياسي وتفسخ النسيج الإجتماعي بسبب الحكم والتدخل الخارجي.
وأخيرا هل سيخرج من هذه الأزمة كيان جهادي سني قابل للحياة؟ سؤال ترتبط إجابته بطبيعة التحالف الحالي الذي يضم داعش وبعثيين ومن جيش رجال الطريقة النقشبندية الذي يعتقد أن صديق صدام حسين الوفي عزت إبراهيم الدوري يقوده، بالإضافة للعشائر السنية، وهذا التحالف ليس منسجما من ناحية الأيديولوجيا وإن أظهر تماسكا من ناحية الهدف. ومن هنا اهتمت الكثير من التعليقات الصحافية بخلافات داخل هذا التحالف ومناوشات في بلدة الحويجة قرب كركوك. وإذا وضعنا جانبا الخلاف الأيديولوجي فالمصادر التي تعطي الدولة قابلية للحياة ليست متوفرة لتسمح بكيان سني، فالثروة النفطية التي يعتمد عليها العراق في اقتصاده موجودة في الجنوب ولكن الشمال يسيطر على مصادر المياه والأنهار الكبرى تمر من الموصل ومن هنا فقد يدفع المالكي أو من يخلفه للقتال حتى يؤمن هذه المصادر ويسترجع الشمال والغرب. وفي سياق الوضع الحالي فمن غير المحتمل حدوث تقسيم رسمي للعراق لأن هذا سيؤدي لهجرات جماعية وعمليات تطهير للمناطق كما حدث عشية التقسيم بين الهند وباكستان، وما رافق ذلك من مذابح وأهوال.
هل ستختفي الحدود «الطبيعية» التي نعرفها بين سوريا والعراق؟ من غير المحتمل حدوث هذا ولكن الحدود ستظل عائمة، ومفتوحة طالما استمرت الحكومة المركزية غير قادرة على فرض هيبتها على مناطق الدول، وهو ما يحدث في اليمن حيث انقسمت الدولة لمناطق القبائل والحوثيين والحكومة والجنوب الرافض. وفي سوريا تتغير الحدود يوميا بين الحكومة والمعارضة. ما سينتج عنه في العراق وجارته هو دول فاشلة، كما حدث في الصومال حيث تفككت أوصاله ولا يزال يكافح للم الأشلاء.
وبالتأكيد لن تعود عقارب الساعة للوراء في العراق ومصيره بيد الأكراد مرة أخرى، وقد يكون مخرج السنة في الفدرالية التي يضمنها الدستور العراقي. وفي ظل الوضع الملتهب فمن الصعب اتفاق العراقيين على شيء واحد.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية