حول دعوة السلطة «إسلامييها» مجددا إلى وليمة الحكم في الجزائر

حجم الخط
3

أثار قرار الحكومة الجزائرية بدعوة فصيل الإسلام السياسي الأول حركة «حمس» للعودة للمشاركة مجددا في الحكومة، التي ينتظر أن يُعلن عنها بين الفينة والأخرى، ردود فعل كبيرة، تناقضت في تفسيراتها وتحليلاتها، واجتمعت في استغرابها من طبيعة رد فعل قادة الحركة، المتسمة كالعادة بالغموض والتردد الظاهري، والرغبة الباطنة في العودة إلى وليمة السلطة، التي يبدو أن مذاقها لم يبرح بعد أفواه قادة الفصيل المشارك في التيار الإسلامي.
وكان الكاتب الصحافي، الناشط السياسي فضيل بو مالة أكثر من استثاره هذا الإشكال العلائقي، الذي يربط «إسلاميي السلطة» بخدمة هاته السلطة الظاهرة، فطرح في جريدة «يومية الجزائر» الناطقة بالفرنسية بهذا الخصوص، مجموعة تساؤلات بشأن طبيعة ونهج تمثّل هذا التيار للسياسة، والمفاهيم التي بات يحملها للعملية السياسية، وأبرزها مفهوم المعارضة والولاء للسلطة، بوصف ذلك مولد حالة الانفصام التي تتراءى ما بين المواقف المعلنة والسلوك الممارس سياسيا.
في الحقيقة يظل حريا في البدء، التأكيد على أن النظام في الجزائر ليس بنية سلطوية تهيمن على مقاليد الحراك المجتمعي والسياسي المؤسسي في الجزائر فحسب، بل ذاك الاختزال المستمر لمفهوم النضال الوطني، والممارسة السياسية من يوم قطع حبل الحركة السري، مع الوعي التعددي الذي ولد بداية القرن الفارط ووئد منتصفه، وتحديدا مع ميلاد جبهة التحرير الوطني، قبيل أن يتبع لهذه الأخيرة الجهاز العسكري، الذي ولده جيش التحرير، ثم وريثه الجيش الوطني الشعبي. لذا لم يترك النظام للسياسة الفتية النازعة إلى التعددية الجدية المتولدة عن مخاضات وانتفاضات، واكبت تطور الوعي لدى الجزائريين، من أن تنبسط في واقع تجربتهم، لأنها كانت ستعطي معنى آخر للسياسة، غير الذي يريده ويفرضه النظام، حتى لا يتم تقويضه من الجذور وإحالته إلى الغرف السوداء المعزولة المظلمة في متحف وأرشيف التاريخ الوطني.
حرص النظام على البقاء كفكر يمتح من معاني وطنية خطابية، تستمد شرعيتها من لحظة انتصار وحدة عضوية طارئة (جبهة التحرير) نجحت في تحقيق مرادها فاستحالت قسرا إلى أحادية، طحنت كل الآمال، وأبادت الأفاق والتطلعات الجمعية، وكممارسة من خلال هيمنته على الأجهزة في العهد العددي، كما كان في الأحادي، ناتج عن ضعف مهول أظهرته المعارضة السياسية، يوم طرحت نماذجها وبدائلها التغييرية بشكل واستراتيجية جانحة إلى المثالية أكثر منها إلى الواقعية، بمعنى أنها في الوقت الذي كان يلزمها استحضار وسائل التحرر من النظام وتبعاته في معترك السياسة، الذي تفتح بعيد أكتوبر 1988، راحت تكشف عن مفاتنها الأيديولوجية، وتتباهى بقياداتها النخبوية، وتتبارى على ركح الخطابات والمنابر الدينية والسياسية، في حين كان دهاقنة النظام وأحباره يعيدون تنظيم أنفسهم في دهاليز ما يسمى بالسلطة الفعلية، إلى أن ركّبوا الفرصة لاستعادة زمام الحكم بالقوة العسكرية الأمنية لكنها مغلفة برداء تعددي من حرير.
ولعل عقدة هزيمة التغيير الوطني، التي جسدها الاسلاميون المغالبون، الذين كانوا يتباهون بكثرتهم وتكاثر مدهم الشعبي اليومي، معتقدين أن ذلك كفيل بأن يتوجهم بتاج التغيير، دونما حاجة إلى تحالفات أخرى تدعم الحاجة إلى الاقناع بحاصل التغيير، إن حصل، لدى الرأيين العامين الداخلي والخارجي، بما يضع السلطة الفعلية والظاهرة أمام الأمر الواقع، لعل هذه العقدة صارت علامة فارقة في ميزان تحديد الخيارات لدى التيارات السياسية ذات الأوعية الانتخابية والقواعد الشعبية النضالية الذاتية الحقيقية، وليس الممنوحة الكاذبة في صناديق الانتخاب المخترقة دوما، وعلى رأس هذه التيارات الشعبية الكبيرة الاسلاميون.
فالعلاقة القائمة بين هذا التيار المشارك (نقيض المغالب المحظور حاليا) والسلطة هي علاقة الحاجة الغرائزية المشتركة للبقاء، بمعنى أن يظل هؤلاء ينعمون ويتمتعون بنشاطهم الانتخابي الموسمي، وينالون ما يشترط الظرف الذي يحدد طبيعته النظام ذاته، من مزايا وعطايا سياسية، في مقابل إمدادهم له بشرعية البقاء الدائم. طبعا لم ينخرط النظام في مثل لعبة كهذه، مع هؤلاء قبل أن يعيد ترتيب أمور عدة، تجعله يطمئن لمستقبل إستراتيجيته في احتواء هذا التيار الأعنف والأعند، بسبب القواعد الشعبية التي تتيحها له آليات التعبئة والتجنيد الخطابية منها والتنظيمية، فسارع مثلا إلى تأميم العمل الخيري، الذي كان أهم شريان يمد هؤلاء بجديد الدماء ويسهم في توسعهم على نطاق اجتماعي جارف، فصار الهلال الأحمر ولجان منضوية تحت إمرة مجالس منتخبة ومؤسسات رسمية، تتولى العمل الخيري والاجتماعي، بالموازاة مع ذلك بسط سيطرته على المؤسسة الدينية وعلى رأسها المسجد تأميما وتوجيها، وفي سياق توجيه الضربة القاضية لكل قوى هذا التيار وبنيته التحتية والفوقية معا، باتجاه تجفيف منابعه واستنزاف قوى تمدده، هذا بعد أن تولى القضاء، على مصادر تفكيره وتوهجه الاحتفائي، كمنع انعقاد ملتقي الفكر الاسلامي السنوي الذي كان تشتهر به الجزائر دون غيرها، ليأتي بعدها بوتفليقة في استعارة لطبيعة التجربة ويقرر، تنظيم ملتقى سنوي لكن للفكر الطرقي القائم على مبدأ الولاء للسلطة وولي النعمة.
وقبل أن نتعرف على مفهوم الإسلاميين للولاء والمعارضة للسلطة، مثلما تساءل بخصوصه فضيل بو مالة، ينبغي معرفة ميكانيزم سير نظام إنتاج المفاهيم لديهم، إذ يرتبط ذلك بمجموعة من الأدوات، يمتزج فيها الفقهي بالكلامي، ويتشكل عبر خطاب تتعثر فصوله في واقع الممارسة السياسية، القائمة على معطيات تاريخية منصرمة زمنيا وتاريخيا كلية، ومنصرفة عن مبررات إنتاج ذلك النظام، إشكال بنيوي عميق رسخ غربة هؤلاء في السياسة داخل النسق القطري الحديث، القائم على أبعاد ومفاهيم قاطعة في معظمها وكليانيتها، مع أصول التفكير السياسي الذي ينتجه جهاز الإسلام السياسي الحالي، من مفاهيم مبنية على تأويل الوقائع وإسقاط التجارب بغية إيجاد تفسير سلفي ماضوي للظاهرة السياسية الحالية، كل ذلك في ظل العطل الدائم الذي يكتنف مشروعهم اللا تاريخي.
وفي ظل استحالة كهذه تصعب المواءمة بين إنتاج نظام مفاهيمي قديم ووقائع ذائبة ودائمة في التجدد، يلجأ كثيرهم إلى مسرح التأويل القياسي والقياس التأويلي، أي توظيف الهجين وغير المنطقي لأدوات الضبط الفقهي، وهذا لمجرد التبرير الخطابي ليس غير، ذلك لأن خيارات القادة السياسيين للحركة، عادة ما تتخذ خطا تنازليا في هرمية البناء الحركي وليس تصاعديا، طالما أن ولاية الأمر طاعة، إتباعا وممارسة، هي مما استحال إعادة صياغته فكرا وعملا، بسبب بقاء نظام الإنتاج المفاهيمي على عطالته الأولى كما أشرنا.
كل ذلك يتيح لأحبار الحركة الاستفراد بمصيرها، عبر الانفراد بالقرارات بعدما تُضفى عليها بهارات الشورى الفوقية المغلقة، فيولد الولاء للنظام وولائمه، ويوأد البراء، أي يعطل عمليا في ميكانيزم توليد المفاهيم واتخاذ القرارات، مع بقائه خطابيا ودعائيا، في حالة اشتغال دائم بلا توقف، لاستبقاء التعبئة والتثوير دائمين في نفوس الاتباع على صعيد القواعد الحركية، تكفي الاشارة هنا إلى طرفة تم تداولها وتدويرها على نطاق واسع في شبكات التواصل الاجتماعي، تتعلق بعبارة يكون قد طرّز بها أحد قادة حمس خطابه الدعائي الانتخابي، حيث قال، إن المشاركة الواسعة في الانتخابات قد تسهم في تحرير فلسطين من الصهاينة. في مسعى لاستجلاب القواعد المتمردة عن خياراتهم كقادة سياسيين، بالتلميح عبر المقاطعة الواسعة والدائمة للمهرجان الانتخابي الموسمي، غير ذي نفع أو دفع باتجاه تغيير أحوال المجتمع بعامته وعموميته، في مقابل التغير على الصُعد الشخصية للمشاركين في المجالس التمثيلية بالمفهوم المجازي الفني للكلمة، وبعيدا عن المفهوم والقصد السياسيين المؤسسيين.
هكذا إذن، تظهر أزمة الاغتراب الذي تتخبط فيه الأحزاب الإسلامية، ذات الحضور السياسي المختزل أصلا في الأعراس الانتخابية الموسمية، القائمة على مبدأ المحاصصة المسبقة، بمقدار حجم الولاء والحفاظ على النظام والوضع القائمين، في المطحن السياسي القُطري في الجزائر، ولعل ذلك ينسحب على تجربة الإسلاميين الحديثة، فلربما في جميع الاقطار العربية والإسلامية، في أسبابها ومسبباتها غائلة الأبعاد وضاربة بجذورها في عمق التأزم البنيوي الذي تحياه، وتلاشي الوصال الشوري بحسبانه الشرط الحاسم في عملية نسج وإعداد القرار، بين القواعد والقمم في الهرمية الحركية، من هنا صار بوسع السلطة كسر تطلعاتها عبر غواية الوليمة الحكومية والمشاركة في موائدها، كلما دعت الضرورة إلى ذلك، وطالما أن النظام المفاهيمي قادر، وفق القراءة الخاصة بالمرجعية الحركية «الرهبانية» المبتدعة، على إنتاج التبريرية والدعائية، وفق ما أشرنا إليه من قبل، كإعمال لقياسات التأويل، التأويلات القياسية، وليس بقادر على أن ينتج غيرهما، من أجل إلجام من يناوئ ويعارض خيار الاستجابة لغواية موائد وولائم لحكم، سواء من الداخل أو الخارج، فلا شيء سيمنع القادة القابعين في ظلمة غرف اتخاذ القرارات في الغدو إلى البلاطات مدثرين ببلاغة الخير المقدس للجميع، الذي يُستجمع في وعائه الخطابي الوطن بالدين، فيصمت من فهم ومن لم يفهم معا!
كاتب وصحافي جزائري

حول دعوة السلطة «إسلامييها» مجددا إلى وليمة الحكم في الجزائر

بشير عمري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية