حول كره يهود لطفل فلسطيني نجا من «المحرقة»

حجم الخط
16

تقدّم مناسبة عودة الطفل الفلسطيني أحمد دوابشة (5 سنوات) إلى بلدته دوما جنوب شرقي مدينة نابلس في الضفة الغربية الكثير من الدلالات السياسية والتاريخية المثيرة للجدل.
فرجعة أحمد من رحلة العلاج الذي أجري له جاءت أثناء الذكرى السنوية الأولى لعملية حرق عائلته والتي جرت في تاريخ يوم أمس من السنة الماضية في جريمة كبيرة قام بها المستوطنون اليهود وأدّت إلى مقتل الأب سعد والأم ريهام والطفل الرضيع علي، ونجا أحمد يومها بأعجوبة بعد أن تعرّض لكثير من الحروق التي ما تزال تحتاج سنوات طويلة من العلاج التجميلي لإعادة الطفل إلى ما يشبه خلقته التي أعطاه إيّاها ربه.
كلّ ما في أحمد وتاريخه الماضي والمقبل وحركاته وسكناته وألعابه وردود الأفعال الفلسطينية والإسرائيلية على محاولة حرقه وعلى نجاته هي إعادة بطيئة ومركزة لحرب الوجود الفلسطينية مع إسرائيل.
في تقرير نشر في «القدس العربي» أول أمس يعرض المراسل الذي زار عائلة جدّ دوابشة سؤال الطفل الذي قيل له أن أهله صاروا في الجنة «ايمتى بدنا نروح عندهم. هل الجنة بعيدة؟»، ويتبع سؤاله البريء ذاك بسؤال آخر مؤلم: «لماذا اختار اليهود أباه وأمه؟».
بحسب الكاتب جدعون ليفي فإن الجواب الذي يجيب عما يحصل للفلسطينيين عموماً هو أن إسرائيل دولة شرّ خالص مثلما كانت ألمانيا النازية معطياً أمثلة يوميّة من الحاضر كحادثة بلال كايد الذي أنهى فترة اعتقال دامت قرابة 15 سنة فقرّرت المخابرات الإسرائيلية حجز حرّيته نصف سنة أخرى بالاعتقال الإداري الذي لا يحتاج محاكمة أو تفسير. ويتابع ليفي سرد الأمثلة على أفعال متراكمة لا معنى لها سوى ممارسة الشرّ المحض.
في قصة أحمد دوابشة قدرة مميزة على كشف الحبكة الشريرة ودلالاتها الرمزية الهائلة فالمواجهة هنا بين دولة نووية كاسرة تُرهب الدول والأمم المحيطة بها وبين كائن ضعيف بريء لا يستطيع أذيّتها… إلا بوجوده.
بهذا المعنى فإن وجود أي طفل فلسطيني هو تهديد للوحش يقول له إن الحياة أقوى من جبروته، ولتأكيد ذلك فإنه عند عودة دوابشة إلى منزل جدوده ثارت عاصفة على وسائل التواصل الاجتماعي بين يهود إسرائيل تندّد بعودته وتتمنى لو أنه مات مع أهله احتراقاً.
بدل أن يؤدي جرم حرق دوابشة الذي يذكّر اليهود بالمحرقة (أو الهولوكوست) التي تعرّضوا لها خلال فترة حكم ألمانيا النازية لجعلهم يتعاطفون مع الطفل المحترق وعائلته التي تم اغتيالها يبدو المعلنون منهم عن غضبهم من نجاته أكثر وحشيّة من مضطهديهم السابقين وهو أمر يجدر التعامل معه بأدوات تحليل الأمراض النفسية ـ السياسية التي تشرح كيف تكون جلاداً تتعاطف مع حرق الأطفال في الوقت الذي تبني فيه سرديّة دولتك وشعبك على كونك ضحيّة خالدة.
لقد استطاب جزء من يهود إسرائيل فكرة كونهم الأقوى والأغنى والأرقى، كما كان نازيّو ألمانيا يعتقدون، وأنهم قادرون على النجاة بأفعالهم الشريرة من قوانين العالم أو عقاب التاريخ، ولكنّ كل هذه القوة الغاشمة ترتعد فجأة من طفل نجا من محرقتها.

حول كره يهود لطفل فلسطيني نجا من «المحرقة»

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية