حول ما يجري في تركيا…

حجم الخط
0

■ «انتكاسة الحزب الحاكم» «سقوط مدو لحزب العدالة والتنمية» «نهاية أردوغان»..هذه عينة من العناوين التي حفلت بها العديد من الصحف العالمية والعربية لتنقل لنا خبر نتائج الانتخابات التركية الأخيرة، وعلى رأسها حصول حزب العدالة والتنمية التركي بـ 41٪ من أصوات الناخبين الأتراك..!!
الصحافة الغربية والعربية لم تخف ابتهاجها بتراجع نسبة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة، وبدأ البعض يتحدث عن «هزيمة مدوية» لحزب المصباح رغم حصوله على الرتبة الأولى بفارق شاسع عن باقي الأحزاب السياسية! الغريب أن هذا الابتهاج جاء متقاسما هذه المرة مع الصحافة الإسرائيلية والصحافة الإيرانية والصحافة الموالية لنظام بشار الأسد في سوريا!!
السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن اعتبار حصول حزب سياسي على الرتبة الأولى بفارق كبير عن الأحزاب الأخرى يعتبر هزيمة؟ بدون شك الجواب بالنفي.
الحزب لم ينهزم، لكن يمكن القول بأن توقعاته الانتخابية لم تكن دقيقة وبأن انتظارات قيادة الحزب وما بني عليها من تطلعات تروم تغيير شكل النظام السياسي من نظام برلمانــــي إلى نظــام رئاسي ليس في مقدوره أن تتحقق، ذلك أن تعديل دستور 1982 بواسطة البرلمان يتطلب الأغلبية المطلقة وهو ما ليس بمقدور حزب العدالة والتنمية أن يصل إليه بناء على النتائج المحصلة حاليا (258 نائباً من أصل 550 )، وبناء على الموقف الرافض لباقي الأحزاب (الشعب الجمهوري 132 نائبا) (الحركة القومية 80 نائبا) (الشعوب الديمقراطي 80 نائبا)..
طبعا، تفسير السلوك الانتخابي للمواطنين من أصعب المباحث في علم السياسة بشكل عام، لكن تفسير موقف المواطن التركي هو عملية بالغة التعقيد بالنظر للتنوع الكبير للشعب التركي من الناحية السياسية والجغرافية والعرقية، وبالنظر للموقع الإقليمي الذي باتت تحتله تركيا في المنطقة، وبالنظر لحجم التحولات السريعة التي حصلت في العشر سنوات الأخيرة في السياسة التركية.
لكن، أن يحافظ حزب سياسي على موقع الصدارة في المشهد السياسي بعد أربع عشرة سنة من الممارسة الحكومية فهو إنجاز في حد ذاته.
الآن، تركيا على أعتاب مرحلة سياسية جديدة من أبرز معالمها عودة المكون الكردي إلى العمل المؤسساتي من داخل بنية النظام السياسي القائم، بعد نجاح مسلسل المصالحة الذي قاده أردوغان في إقناع الجناح السياسي لـ «العمال الكردستاني بخيار المشاركة السياسية في ظل حزب «الشعوب الديمقراطي» الذي حقق المفاجأة بحصوله على 80 نائبا يمثلون مجموع تركيا ولا يمثلون الأكراد فقط بنسبة 13 في المائة من الأصوات ، بل بدأت زعامته الجديدة بقيادة صلاح الدين دميرتاش تتطلع إلى قيادة تركيا في المرحلة القادمة..
من المؤكد أن السياسة الخارجية التركية ستحاول أن تتكيف مع المعطيات الجديدة للتوفيق بين آراء القوى السياسة المتنوعة التي لا تشاطر العدالة والتنمية في اختياراته الخارجية، خصوصا فيما يتعلق بالقضايا العربية (الشأن السوري والفلسطيني والمصري)..
ومن المؤكد أن الدور الإقليمي لتركيا بما يخدم القضايا العربية سينكمش لفائدة النظرة الإقليمية في المرحلة القادمة.
طبعا، من السابق لأوانه التكهن بشكل الحكومة القادمة، لكن في ظل النتائج الحالية فإن تركيا مقبلة على مرحلة أخرى لإعادة نظام الحكومات الائتلافية التي سبق أن جربتها قبل سنة 2002.
التحدي المطروح: هل باستطاعة تركيا أن تحافظ على تزايد نموها الاقتصادي وحضورها السياسي في الساحة الإقليمية والدولية في ظل حكومة ائتلافية تعددية؟ وهل التحولات المنتظرة في السياسة الخارجية التركية ستنعكس سلبا أم إيجابا على مسار التحول الديمقراطي في المنطقة العربية؟ وهل سيحافظ حزب العدالة والتنمية على وحدته وقوته التنظيمية والسياسية تحت زعامة أردوغان؟ أم إن دورة جديدة من المراجعات ستفرز أفكارا جديدة ومعها قيادات جديدة للمرحلة القادمة؟
الصورة ليست واضحة بما فيه الكفاية ومن المنتظر أن يقوم أردوغان بتكليف قائد الكتلة البرلمانية الأولى، أي رئيس الحكومة الحالي، أحمد داود أوغلو، بتشكيل الحكومة في غضون 45 يوماً، في ظل النتائج السابقة. السيناريو الأكثر واقعية هو الوصول إلى تفاهم مع حزب «الحركة القومية» اليميني، الحزب الوحيد الذي لم يرفض علنا التحالف مع «العدالة والتنمية»، أو القيام على تشكيل حكومة أقلية، لتصريف الأعمال الجارية إلى حين إجراء انتخابات مبكرة ..وهو الإجراء الذي لا يمكن تجنبه في حالة تصلب مواقف الأحزاب الأخرى .

٭ كاتب من المغرب

د. عبد العلي حامي الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية