القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: قدّمت فرقة الرقص المسرحي المصري الحديث، على مسرح الجمهورية في القاهرة، عرضاً بعنوان «أعمق مما يبدو على السطح». ويحاول العرض خلال تابلوهاته المتتالية أن يجسد فكرة نشأة السلطة وكيفية تكوّن الروح السلطوي، حالة المساواة الوهمية الأولى، ثم خلق سادة وعبيد، هذه الحالة التي لن تنتهي ويبدو أن للمحكومين الدور الأكبر في حياة السلطة وتقديس أصحابها، وفي النهاية السقوط في فخها. العرض أداء محمد مصطفى، عمرو البطريق، محمد عبد العزيز، نور حمدي، باهر أمجد، عمرو عاطف، كريم عزت، أحمد محمود، رشا حنفي، منت محمود، سماح مبارك، هالة إمام، إيمان رزيق، دينا رفعت، صلاح إبراهيم، عبد الرحمن حامد، مصطفى عبد الهادي. ديكور محمد الغرباوي، إضاءة عمرو عبد الله، صوت شريف جمال، تصميم وإخراج مناضل عنتر.
عصر الفتوات
استلهم العرض عالم نجيب محفوظ، من خلال نصوص مُنتقاة من رواية «أولاد حارتنا»، و»أحلام فترة النقاهة»، وإن كان الاعتماد الأكثر على «أولاد حارتنا»، خاصة الفقرات التي تناقش طبيعة وتكوين السُلطة، وحالة القهر التي يعانيها الناس في ظِل سلطة ساعدوا على خلقها، أو تهاونوا حتى تحوّل السلطوي إلى شِبه إله أو كاد. فهنا استعراض في ملابس حديثة لعصر فتوات محفوظ، كيف كانوا وكيف أصبحوا، ويؤكد العرض في نهايته أنهم/الفتوات موجودون دوماً وسيظلون ولو اختلفت أشكالهم وملابسهم، طالما كان النسيان هو آفة الشعوب، كما قال محفوظ عن حارته.
العرض المسرحي
ومن وجهة النظر هذه يأتي التصميم العام للعمل ككل، فالمسرح مُقسّم إلى ثلاثة مستويات، الأعلى يقف فيه تمثال يعطي ظهره للجمهور، يرتدي عباءة وعمامة دلالة على عصرٍ قديم، وهو تجسيد لصانع الحارة وراعيها في وعي أهلها (الجبلاوي)، هذا الوعي الذي يتشكك دوماً بفضل أفعال الفتوات وتسلطهم. المستوى الثاني هو بداية المعارك ما بين فئة مُسالمة لا حيلة لها، وأخرى تقف لها بالمرصاد، هنا أيضاً يتم الإيقاع بمن يحاول التمرد، لتصبح مقدمة خشبة المسرح هي نهاية الفعل أمام الجمهور مباشرة.
النهاية هنا تتمثل في الضحية، إما باستئناسها، وأن تصبح مُطية للجلاد (راجع «مُهر الصياح» لأمير تاج السر) أو أن يتم قتلها والتمثيل فيها في النهاية. لحظة الفعل القصوى تأتي على حافة خشبة المسرح، ويكاد جسد الممثل/الراقص أن يسقط في استغاثة بالجمهور، أو وعيه، هنا توريط بالمشاركة، من دون الاكتفاء بالمشاهدة من بعيد.
اللوحات الراقصة
من الممكن تقسيم العرض إلى عدة لوحات تنتهي معظمها باختلاق الضحية ومصيرها، المتمرد منها والذي يحاول الاختباء، حروب مستمرة، واستعراض للقوة لا يحده خيال. تبدأ المسألة بالاقتراب من تمثال الجبلاوي، يقترب السلطوي في خشوع وإيحاء بلحظة جليلة، ليستأثر بالبركة المرجوّة، ويلتفت لتظهر ملامحه وقحة، ويبتسم في دهاء، وقد واجه الجمهور/الشعب، ليهبط جبل أحلامه، ويبدأ في قهر المحيطين به، تتحول يده إلى سلاح موجه إلى الجميع.
فتوة آخر أقل حظاً، حتى ينحني له الجميع في النهاية، ويصبح القتل منحة مجانية للمعترضين، منحة من مفوّض إلهي، يوهم الجميع بسلطته المقدسة. يأتي صوت الحارة/الشعب، من خلال ممثل يردد في أداء مسرحي متوازن إلى حدٍ كبير العديد من عبارات محفوظ في «أولاد حارتنا»، ربما هذه العبارات هي التي ساعدت في تلقي العرض، حيث اللوحات رغم جماليات تصميماتها الراقصة، وصعوبة بعض الحركات، وقدرة الممثلين والراقصين التعبيرية، تأتي اللوحات مُفككة إلى حدٍ ما، العبارات الملفوظة خلقت إطاراً درامياً وتفسيرياً لما يحدث، وهو ما يوحي ببعض القصور في الشكل النهائي من العرض. فالاكتفاء بالموسيقى والرقص التعبيري هو صميم هذه العروض، وما اللجوء إلى النص الملفوظ، وصوت العبارات إلا حيلة للتوضيح، وهو المأزق الأساس الذي وقع فيه العرض.