منذ أواسط تموز/يوليو الماضي وحتى اليوم، يغرق اللبنانيون في نفاياتهم وفي قيظ صيف شحّت فيه أوقات التغذية بالطاقة الكهربائية المقنّنة والغارقة إدارتها وتجهيزاتها في اهتراء وفساد ونهب ماليين مزمنين. ووسط أكوام النفايات وروائحها، وشدة القيظ، والتردي في سائر الخدمات العامة وقطاعات العمل والمؤسسات الحكومية وتدهور الأحوال المعيشية، اشتد الدبيب المزمن لتنافر ونكايات القوى السياسية وزعمائها ودهاقنتها، وبلغ تمزق الرأي العام والجماعات الأهلية حدّ الهذيان.
مناخ التظاهرات المسموم
في هذا المناخ المحتدم والمتعفن بالمسموم، تداعى شبان وشابات من ناشطي المجتمع المدني، وأطلقوا على وسائل التواصل الاجتماعي حملة سموها «طلعت ريحتكم». أي فاحت رائحتكم أيها السياسيون والزعماء ودهاقنة الحكم «الفاسدين». ودعت الحملة الناس إلى التظاهر احتجاجاً في ساحة رياض الصلح في وسط بيروت. وفي تظاهرتهم الأولى 22 آب/اغسطس الجاري، رُفعت صور السياسيين والزعماء اللبنانيين للتشهير بهم وبفسادهم وتقاسمهم مغانم الدولة والحكم. لكن دعاة الحملة الناشطين استثنوا صورة السيد حسن نصرالله من الإشهار والتشهير. وقد يكونون فعلوا ذلك خوفاً منه ومن حزبه المسلح المقاتل في سوريا إلى جانب نظامها الأسدي. وربما تداركاً منهم لخلافاتهم الداخلية، اذ قد يكون فريق من مطلقي الحملة يُجِلّ ما يسمى «المقاومة» و»سيدها» وإمامها وخطيبها، ويرفعه فوق ترهات السياسة والحكم وغرق البلاد في نفاياتها المتراكمة في الشوارع.
عدد لا يستهان به من ناشطي الحملة كانوا قد عمدوا إلى الاستثناء نفسه، عندما أطلقوا في العام 2011 حملة ما سمي «اسقاط النظام الطائفي» في لبنان، نسجاً على منوال الثورات العربية في بداياتها المجيدة آنذاك. وبعد عدد من تظاهرات الحملة تلك، انقسم الناشطون واشتبكوا وتضاربوا في ما بينهم وسط احدى التظاهرات على خلفية تضارب الشعارات وصور الزعماء المرفوعة تشهيراً. وكان السيد حسن نصرالله محور خلافاتهم، قبل تفرقهم أيدي سبأ. أما في أمسية التظاهرة الاولى من حملة «طلعت ريحتكم»، فقد تصادم المتظاهرون ورجال الأمن الموزعة أمرة أجهزتهم على أقطاب سياسيين وحكوميين يتبادلون النكايات ويتقاسمون مغانم الدولة. وتحول محيط مجلس النواب، الواقع ضمن حماية جهاز الشرطة التابع لأمرة رئيس المجلس نبيه بري، وكذلك محيط السرايا الحكومية القريبة التابع جهاز شرطتها لوزارة الداخلية ورئيس الحكومة، ساحات للكرّ والفرّ والتراشق بالحجارة والعبوات الزجاجية والقنابل المسيلة للدموع التي أطلقها رجال الشرطة مع الرصاص المطاطي والرصاص الحي أحياناً في تلك الليلة. هذا فيما سهر اللبنانيون حتى منتصف الليل في بيوتهم أمام شاشات محطات التلفزيون التي نقلت في بث مباشر حي وقائع الصدامات، وسط غبطة المذيعين والمذيعات في استديوهات المحطات، وغبطة المراسلين والمراسلات الميدانيين. فبدت إدارات محطات التلفزيون اللبنانية أشد حماساً من المتظاهرين، كأنها في عرس مشهدي تحتفي بصوره وتتنافس تنافسا محموماً على زيادة أعداد المشاهدين في سبقٍ إعلامي مشهود بين المحطات المتناحرة.
مياه وغيوم كثيرة جرت في التظاهرات والصدامات واكتنفتها. وسرت شائعات وأقاويل وانقسامات وخلافات حول ما حدث، ومن بادر إلى الصدام، وما هي أهواء المشاركين. ولم توفّر الانقسامات المتظاهرين المدنيين والسلميين من دعاة الحملة وجمهورها. فإلى الحملة الأولى «طلعت ريحتكم» ودعاتها، ظهرت في التظاهرات اللاحقة حملة جديدة عنوانها «بدنا نحاسب». أي نريد محاسبة السياسيين والحكام. أحد منظمي الحملة الأولى اتهم علناً أمام كاميرات محطات التلفزة، شرطة مجلس النواب بالمبادرة إلى الاعتداء على المتظاهرين مساء السبت 22 آب/اغسطس. أما بعد التظاهرة الثانية الكبرى (قدّر عدد المشاركين فيها بـ10 آلاف) مساء الأحد 23 آب/اغسطس، فسرعان ما اندلعت الصدامات أيضاً، بعدما اخترقت زمر من فتيان الشوارع الفوضويين والعنيفين صفوف المتظاهرين المدنيين والسلميين، وصولاً إلى مقدم التظاهرة، محاولين نزع الأسلاك الشائكة، فاصطدموا برجال الشرطة خلفها، والتابعين لوزارة الداخلية وأمرة رئيس الحكومة. وذلك للوصول إلى السرايا الحكومية. وكما في الليلة السابقة دارت المجابهات المتلفزة في ساحة رياض الصلح ومتفرعاتها. ونقلت الصور مشهداً لواحد من رجال الشرطة يجلس أرضاً يبكي منهكاً ومنهاراً.
في نهاية الاثنين والثلاثاء توعّد منظّمو الحملتين المنقسمون باستكمال عزمهم التحرّك والتظاهر بعد ظهر السبت 29 آب/اغسطس الجاري. ولردم هوة خلافاتهم وانقساماتهم، بل لتجنبها وتركها تعسُّ وتتفاقم في الخفاء، لتنفجر لاحقاً، سمّى كثيرون من الدعاة المنظّمين زمر فتيان الشوارع العنيفين القادمين من الأحياء الشيعية والمختلطة طائفياً والقريبة من وسط بيروت التجاري الجديد، بـ»المندسّين». وذلك تجهيلاً لهويتهم الأهلية والطائفية، بعد اختراقهم جمهور التظاهرة المدني السلمي بهويتهم هذه، وتصادمهم مع رجال شرطة السرايا الحكومية. وخلف كلام بعضٍ من دعاة الحملات ومنظميها عن «حرية أشكال التعبير وتباينها» أثناء التظاهرة، جرى التستّر على العداء الطائفي المحموم الذي تكنّه تلك الزمر الرعاية العنيفة للسرايا الحكومية ورئاسة الحكومة. هذا بعدما كانت شرطة مجلس النواب هي التي بادرت إلى العنف ضد المتظاهرين المدنيين والسلميين في تظاهرة مساء السبت في 22 آب/اغسطس. والمعروف أن جهاز شرطة المجلس النيابي، تعود امرته وعصبته الأهلية الغالبة إلى رئيس المجلس الذي يواليه أيضاً جمهور الأحياء التي توافد منها فتيان الشوارع العنيفون الذين اخترقوا تظاهرة مساء الأحد في ساحة رياض الصلح، وباشروا الصدام مع شرطة السرايا الحكومية. والفتيان الرعاع هؤلاء وزمرهم موطنهم أحياء خندق الغميق وزقاق البلاط، وهم من جمهور حركة «أمل» و»حزب الله» الشيعيين. وهم أنفسهم قاموا قبل مدة بحرق أكوام النفايات، والإغارة بها وتكديسها أمام دارة رئيس الحكومة تمام سلام في حي المصيطبة القريب من أحيائهم. ثم إنهم لم يخفوا انتماءهم الشيعي، بل اشهروه أثناء اختراقهم تظاهرة مساء الأحد، عراة الصدور الموشومة والمزينة بقلادات معدنية لامعة تمثل سيف الإمام علي بن ابي طالب، ذو الفقار الشهير. هذا فوق شتائمهم البذيئة وهتافاتهم المعتصبة مرددين: «شيعة، شيعة، شيعة»، و»الدم الشيعي عم يغلي غلي». وقد شوهد وسُمع ذلك واضحاً في ساحة التظاهر، وبثت شاشات التلفزيون وشبكة التواصل الاجتماعي صورة أشد وضوحاً. وعلى الرغم من هذا كله أصرّ بعض منظمي الحملات على ادراج هذه الأفعال والمظاهر في خانة «حرية التعبير وتنوع أشكاله واختلافها» بين جماعات المتظاهرين الذين رفعوا شعار «إسقاط النظام الطائفي».
صور الأوبئة والطواعين
على أي وجه وصورة يمكن اليوم، إذاً، التمثيل على حال اللبنانيين هذه؟ ربما صار من الصعب العثور على تشبيه أو صورة جامعة تكثّف الكناية عما يعيشه اللبنانيون في حياتهم اليومية المهترئة، وفي تدبيرهم شؤون معاشهم وخدماتهم العامة وإدارتها، وفي تصريفهم خلافاتهم ومنازعاتهم المتناسلة، جماعات أهلية وطاقم حكم وزعماء سياسيين – إلا باستحضار أطياف صور مما عاشته ممالك وسلطنات وأقوام وشعوب حلّت بها الأوبئة والطواعين في أزمنة غابرة، يعود بعضها إلى العصور الوسطى في المشرق.
مثل هذه الصور حاضرة في كتابات ومرويات تأريخية كثيرة عن المدن المشرقية (دمشق، حلب، والقاهرة) في عهد المماليك ومؤرِّخه الأشهر المقريزي. وهي حاضرة أيضاً في مؤلفات عبد الرحمن الجبرتي، ايام حملة نابليون بونابرت العسكرية الفرنسية على الديار المصرية. أما اليوم فعلى الأرجح ان عراق ما بعد ديكتاتورية صدام حسين، وسوريا ديكتاتورية حافظ وبشار الأسد، قد تجاوزا تلك الصور التراثية الغابرة. لكن ظلال أو أشباح صور الطواعين الضاربة والمتفشية اليوم في الديار المشرقية (من اليمن وصولا إلى لبنان، مروراً بالعراق وسوريا) لم تعثر بعد، بالرغم من تفاوتها، على مؤرخيها ورواة أيامها، إلا في ما ندر من الكتابات والتحقيقات الصحافية، غير العربية غالباً. هذا على الرغم من مرور عقود على دبيب الطواعين والاوبئة، الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، في الديار اللبنانية، منذ بدايات الحروب الأهلية الملبننة في العام 1975. وإذا كانت تلك الحروب قد توقفت قبل عقد ونصف العقد، لتتولى الوصاية السورية الأسدية إدارة شؤون لبنان ودولته في حقبة ما سمي «إعادة البناء والأعمار» طوال عهد حكومات رفيق الحريري، فإن أشباح الطواعين والأوبئة المادية والمعنوية والأخلاقية والسياسية التي تهدد لبنان اليوم، هي وليدة الحقبة الحريرية ـ السورية الأسدية التي انتهت باغتيال الحريري في طرف وسط بيروت المعاد بناؤه وإعماره وإحياؤه، قبل ان تغرق سوريا الأسد بالدم والدمار. وها هو لبنان بدوره يغرق منذ الاغتيال الكبير في العام 2005، في استنزاف إرث دولة اتفاق الطائف (1990) الصورية المعلقة في فراغ اجتماعي كبير، بعدما أُعيد ترقيقها وإدارتها على مثال إقطاعات أهلية لا جامع بينها سوى إذعانها الخائف والمتواطئ للوصي السوري الأسدي، ويتصدرها زعماء لا جامع بينهم سوى تطاحنهم على النفوذ والسلطان ونهب المال العام للدولة الصورية بالتواطؤ مع الوصاية السورية الأسدية.
نفايات عسكرية قاتلة
ما جرى وصفه أعلاه من حملات وتظاهرات لا تزال تتناسل احتجاجاً على غرق الديار اللبنانية في النفايات، ليس سوى وجهٍ من وجوه غرق لبنان الدولة والمجتمع في متاهات الانقسامات والنكايات الأهلية التي يحاول الناشطون إخفاءها ببراءة ما يسمونه المجتمع المدني، فيما دهاقنة السياسة والإعلام والمال يتربصون بهذا المجتمع الضعيف المرهق وبناشطيه ومتظاهريه السلميين.
وإلى النفايات والكهرباء ومتاهات الانقسامات ودبيبها مع الطاعون المعنوي والأخلاقي، ووقاحة النهب والتطاحن السياسي عليه بين الزعماء وحاشياتهم، وفيما كانت تظاهرة الاحتجاج تتعرض لعنف أجهزة الشرطة في ساحة رياض الصلح، كان مخيم عين الحلوة الفلسطيني قرب صيدا، يعيش حالاً من تناسل الأوبئة والطواعين العسكرية شبه الاجرامية فيه. فبعد ظهر السبت 22 آب/اغسطس، كانت حركة «فتح» الفلسطينية في المخيم تشيّع قتيلاً سقط برصاص رفيقه في ما سمي «حادث فردي»، فأطلق مسلحون «مجهولون» النار على أحد مقدمي «فتح» في الجنازة. أصاب الرصاص مرافقيه الثلاثة، منهم الملقب أحدهم بـ «العجل». فاندلعت اشتباكات عشوائية بين مقاتلي «فتح» ومسلحي الجماعات الاصولية الإسلامية المتشددة، وامتدت إلى معظم أرجاء المخيم وأحيائه البائسة. استمرت الاشتباكات 15 ساعة متواصلة، فسقط فيها 3 قتلى وجرح 20 آخرون معظمهم من «فتح»، ودمرت منازل ومحال تجارية وسيارات، وتعطلت شبكتا الهاتف والكهرباء، فيما نزح عدد كبير من سكان المخيم هاربين في الليل سيرا على أقدامهم في اتجاه مدينة صيدا.
ليست هذه الحوادث سوى غيض من فيض الأوبئة والطواعين المتناسلة في الديار اللبنانية. وهي مرشحة للتفاقم والانتشار على القارب في الأيام المقبلة. إنه قدر لبنان على شفير المقاتل في المنطقة كلها.
محمد أبي سمرا