أخيرا أفاق أبي من قيلولته الطويلة، اجتاز الصالة صوب الحمّام في تراخ. أغلق الباب خلفه لكن ما لبث أن فتحه طالبا منّي أن أنهض من أمام شاشة التلفاز وأجهّز حقيبتي الصغيرة. سأمضي إجازة نهاية الأسبوع في بيت عمّتي وستُشبعني كما في كل زيارة قُبَلا مَديدة مُؤلمة وتُسمِعني قبل النوم حكاية طويلة مُمِلّة رَوَتْها لي غير ما مَرّة.
تعيش عمّتي لوحدها في بيت كبير، وتهتمّ بكل قطعة فيه كما تعتني الأم بوليدها. غير أنه إن صادف دخولي من باب الفناء القصير انشغالها بعمل من الأعمال؛ تتركُه من فَوْرِها لِتُقبل إليّ مُرحّبة والغبطة رفيقة وجهها. قطعا أمي لا تفعل ذلك! ترفع رأسها عن الحاسوب أو الموبايل أو الأوراق أو المِحسبة أو الطنجرة أو الغسّالة للتحيّة وحسب. تقول أمي إن عملها في البنك يتطلّب تركيزا شديدا، بل سمِعتُها مرّة تُسِرّ إلى إحدى صديقاتها مُتمنيّة أن تنبت لكِلينا ــــ أنا وأبي ـــ أجنحة؛ حتى لا يُسمع دبيبنا في البيت لما تشرع هي في تدقيق الحسابات. طبعا لم يمنحها الرب سُؤْلَ قلبها؛ لكن في المقابل حصلتْ على اسم ولقب جديد: ”مديرة البنك المركزي”! دارت الفرحة برأسها واحتفلنا بنجاحها ثم طارت لتعيش في مدينة أخرى.
يخرج أبي من الحمام مُلتحِفا فوطة بيضاء عريضة. أعرف ما سيفعله خطوة بخطوة قبل إعداده لحقيبته الرياضية؛ سيُشغِّل أوّلا الموسيقى الحماسية المفضلة لديه، بعدها سيفتح الثلاجة، يُخرج موزة، يأكل نصفها فقط ثم يبدأ في تحضير عصيره العجيب الغنيّ بالبروتينات، يسكبه في معدته دفعة واحدة بدون أن يتوانى عن تحفيزي على الإسراع بين الحركة والأخرى، في الختام وفي العجلة ذاتها، يدخل غرفة النوم ويختفي دقائق معدودة ثم يخرج منها جاهزا مُنتصبا كمن يستعدّ لزحزحة جبل! وكعادة أبي قبل انطلاقنا، ينحني ويشدّ رباط حذائي مُلِحّا عليّ في الرجاء أن أسلك بلياقة وأدب إلى حين عودته ليلة الأحد. أيربط سيور حذائي لأنه يُحبني أم يفعل ذلك فقط لأنه على عجلة من أمره؟
حثيث الخُطى كان أبي يسير أمّا أنا فأعدو خلفه تارة وأُمَشَّى بخطوات سريعة تارة أخرى. لِمَ لا يُجاري إيقاعي البطيء؟ أيُريد تدريبي لأصير بطلة كما يتمنى أم يرغب في التخلّص منّي على وجه السرعة؟
تنفّستُ الصّعداء عندما بلغنا ملتقى الطرق وسعدتُ جدّا بأيقونة الرّاجل الحمراء التي أضاءت للتوّ. كدتُ أنفجر من الضحك على أبي وهو يغلي ويفور في انتظار مرور الضوء إلى الأخضر، لكن حصل أمران على مسافة قريبة منّي؛ جفّ لهما حلقي، وشُلّت على إثرهما أوصالي، وأُصِبتُ بالذهول: الأول؛ ارتطام فتى بحافة الرصيف بعد إخفاقه في التعلّق بمؤخرة حافلة. والثاني؛ انبساط ملامح وجه أبي سخرية من الحادِث! حاولتُ حينئذ فهْمَ ردّة فعل أبي لكنه أمسك يدي بقوة وسارع إلى إبعادي عن مفترق الطرق.
تُرى ماذا حلّ بذاك الفتى يا أبي؟
أمره لا يعنينا صغيرتي! هيا… لم يبق إلاّ القليل ونصل إلى بيت عمتك حياة!
انسكب اسم عمّتي في قلبي الصغير الذي تعاظمته الحيرة فامتلأ بالسلام… أين أنت أمّاه من عمّتي حياة؟ أين أنت أبتاه من عمّتي حياة؟ رأيتها مرة تسقي شجيرات زحف اليباس إلى تربتها… رأيت قططا صغيرة تلهو عند عتبة بيتها، وعصافير كثيرة تلتقط الحبّ من يدها… وفي ذات يوم كانت تتابع الأخبار على مائدة العشاء فاندفعت الدموع إلى عينيها حُزنا وألما على أطفال وأمهات ومدن خُرِّبت؛ فعزّ عليها الملجأ والمأكل والكساء! رأيتها لحظتها تترك صحن وجبتها وتحني رأسها خشوعا في صلاة… فأين أبي وأمي من عطف ورقّة وطيبة حياة؟
أصبح بيت عمتي على مرمى سهم منّي، تحرّرت من قبضة أبي ثم قصدته جريا مُستعجلة لقاءها… نعم لا أجمل منك عمّتي حياة رغم قُبلك المديدة المؤلمة وقصصك الطويلة الُمُمِلّة!
٭ قاص مغربي
حسن شوتام