حياتي التي لم تبدأ هكذا

حجم الخط
1

أنا فارغة يا حبيبي وأنوي إغلاق حياتي على ما شفِطَته طوال سنين من هواء، وهذا يكفينا، نحن لا نرسم الحدائق الخضراء في توقعاتنا عن الأيام المقبلة
حصرتني الخيانة في الزاوية، تحت كرمة الغدر الظليلة بنيتُ بيتي،
ولكن عليك أن تتيقن أن حياتي لم تبدأ هكذا.
كان ثمة ما أكمله دائما، والآن أنا أجبن من أن أعاقب نفسي ثانية بالمشي الطويل
أعيتني المواقيت والجداول، وأرى أنني انقلبت في ليلة بائسة إلى ساعة معطّلة،
ليس عيبا أنني لم أعد أتحرك ولكن عقاربي تلدغني بمعدل قوي أعجز فيه عن عدِّ لدغاتي. إلدغني بالذكريات المالحة، بصورة وجهي المنير أيام المراهقة،
بمرور القساة على القلب الطريّ
بأمٍّ لا تبكي في المطارات،
بالصافرات
بالقلب الصغير المخلوع
بآباء البنات يزرنهن كل جمعة في المدرسة الداخلية،
بالدرج الذي أجلس عليه أراقب عناقهم بطرف عين إلدغني
بالوحشة، إلدغني وعمدان الأبنية القديمة
بالموت يترك لي مساحة كافية لأمشي بأظافري على صدري الطويل،
بزوجات أخوالي اللواتي يبخّرن يوميا حتى لا تمرّ رائحتي ببيوتهن،
بالجارات اللواتي يغسلنني من العزلة في الحمام العمومي في أيام الجمعة أو الآحاد.
إلدغني بالحنان لم أعرف سوى طعمه المرّ،
بسوط الفارس المفقود مذ بداية الحبّ،
بالأمان، بالسند، وبالأعصاب النظيفة والصحة الجيدة،
بحبوب النوم وبالشراشف البيضاء، بعنابر المستشفى، بالمرض النفسيّ
بالمجنونة التي تلاحقني في الكوابيس وتشدّ شعري
برُهاب الطمأنينة،
بالشجرة تفتح ساقيّ وتجهض ولدي،
بالنسغ يبكي على طول أفخاذي
بدموع الماء الأبيض،
بخطوط الدم، بخطوط الدم وبالنهر الناضب يخدعني بصوت الجريان
بالعاصفة ظننتها حبا نادراً
بأمومتي، بالضياع، وشرائط البنت القاسية التي تخطئ ذراعيّ كل ولادة
بأفكار التخلّي والموت واقفة وبكل أبناء العاهرة الذين اكتشفوا نقاط ضعفي،
بقتلاي الكثر، بجثثهم النتنة الطافية على سطح روحي
بالشفقة عدوتي الأبدية وخليلتي
بكبدي يا حبيبي
يحبّه الطغاة مستوياً في الشواء.
إلدغني وانكمش على الملح يخرج من مسامي كالعرق
بالغدر الذي يرصدني وراء الغابة
بالذئب والنعجة والسارية،
بالسفينة التي تغرق في جوفي،
بالكلاب تتراشق بالحجارة في قصائدي
على البحر
في الزوايا المظلمة
والأحياء الفقيرة،
بالمومسات هدرن مواهبي،
بالزيتون أثقل غصن أحلامي
إلدغني وألدغك بعدما تخلّى عنا كل شيء كل شيء
خدعنا، حتى الميتات المحتملة التي كتبناها في دفاترنا الحميمة
وأصابعنا تنكرت لشيء حفرناه على الرمل بالزبد. إلدغني،
بالمد والجزر ورغوة الماء
بالقمر زرع سكّينه في قلبي
بالخنجر بالوردة بالناي
بحصالة الأيام كانت فارغة
بأولادك متى أنجبتهم؟
بالحزن ينسى كم مشيت به أنزهه على الكورنيش،
بالكآبة أنكرت فضلي في تربيتها
باليُتم أبي وعمّي وأخي،
بالملاك سرق أجنحة الفرح ليتباهى أمام سوادنا بالأبيض
بالعروق الباردة في الجنس،
بيد تلمس وجهي فتندلع حرب
بالطاعون تركته على باب الدار يلبس ثيابه ليلحق بنا كي نقطف العالم من شجرة الرب.
بالجثث تركتها ممددة على أريكتي المفضلة في غرفة المعيشة
تتابع نشرة الأخبار،
بالجوع، بالجياع، بجمر الحقد وألسنة النار في العين البريئة
بإخلاص الرجال لسلالتهم الرخيصة
بالنساء يغزلن الخيبة بأصابعي
بأظافري أقتلعها بإبرة
بالصديقات أمشي في جنائزهن وحيدة
بالإنسان خارجي
أما أنا
فلا أحد يا حبيبي..
إلدغني وأسرّب سمّي
عبر قنوات الشفاء
لمريضة تطلب الرحمة
منذ فجر ولادتي
من آلام أنا صنعتها،
بالزبدة والبيض المخفوق
والسكر الصحيّ،
وجلست أنتظرها ثلاثين عاما
أمام الفرن المتوهج.
ركضت أعانق خطّ الحياة في كفّي
-هذا ما لن أغفره لنفسي-
بعدما قطعت عروقي
في ليلة كان السحاب فيها عاشقا وجامحاً
وبكلّ شبقه يريدني لفراش الخلاص الرحيم
إلدغني بالمشرط يا حبيبي
بالمشرط الحادّ في قصة حبنا.

٭ شاعرة من تونس

حياتي التي لم تبدأ هكذا

وئام غداس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية