بيروت-«القدس العربي» ـ سعد الياس: بعد ساعات على اتفاق كل المكوّنات السياسية في الحكومة اللبنانية على الالتزام بالنأي بالنفس عن الصراعات والحروب، جاء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس لينسف أي نأي بالنفس عن قضية القدس الذي لم يكن أصلاً وارداً في متن القرار الحكومي، حيث أن الاتفاق تمّ على تحييد لبنان عن الصراعات العربية وصراعات المحاور ولم يشمل حياد لبنان عن الصراع العربي الإسرائيلي.
ولعل قضية القدس والقضية الفلسطينية المشروعة هي من القضايا الوحيدة التي يتفق عليها حالياً اللبنانيون بجميع أطيافهم ولا تشكّل مجالاً للخلاف بينهم كما هو حاصل في تدخل حزب الله في سوريا واليمن والعراق أو حتى في استمرار حزب الله في حمل السلاح حتى تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا واستطراداً تحرير القدس. إلا أن ما يتخوّف منه البعض هو أولاً: أن تخرج الاحتجاجات في لبنان على قرار ترامب عن السيطرة، ولاسيما في ظل التوجه إلى إعلان انتفاضة فلسطينية جديدة قد لا تبقى حدودها مضبوطة داخل المخيمات وربما تصل إلى الحدود اللبنانية الجنوبية أو قد يستغل أي تنظيم مسلّح الغضب الفلسطيني ليعمد إلى إطلاق صواريخ من جنوب لبنان في اتجاه الكيان الإسرائيلي، أو إلى شن هجمات انطلاقاً من الأراضي اللبنانية ما يتسبّب في هز الاستقرار الأمني ونشر الفوضى.
وثانياً: أن تلجأ إسرائيل في حال تصاعد التوتر الإقليمي إلى المغامرة بعمل عسكري على الحدود اللبنانية أو السورية أو إلى استهداف حزب الله الذي صنّفته دول عربية أخيراً على أنه منظمة إرهابية وذلك بهدف حرف الأنظار عن قضية القدس المركزية ومحاولة اللعب على الخلاف السعودي الإيراني.
إلا أن التطمينات تكثر حول الوضع المضبوط في لبنان والرغبة في عدم المس بالأمن والاستقرار على أرضه، إضافة إلى تأكيد السفير الفلسطيني في بيروت أشرف دبور، أن التحركات الفلسطينية ستبقى داخل المخيمات وأن هناك احتراماً لسيادة لبنان والدولة اللبنانية. ويعزّز هذه الأجواء ما رشح عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس من تعليمات بإبقاء حرية التحرك على الأرض بعيدة عن المظاهر المسلحة أو استخدام السلاح إضافة إلى أن الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله اقترح جملة أمور للرد على قرار ترامب ليس بينها القيام بعمل عسكري انطلاقاً من الأراضي اللبنانية.
كذلك هناك من يستبعد قيام إسرائيل بحرب حالياً في ظل معادلة الردع التي أوجدها حزب الله بصواريخه التي قد تطال أكثر من مدينة وأكثر من مرفق حيوي داخل فلسطين المحتلة، وأيضاً في ظل التوافق الدولي على إبقاء لبنان في منأى عن أي تدهور لأنه قد يترك انعكاساته على قوات اليونيفيل العاملة في الجنوب اللبناني وهو ما تعبّر عنه على الدوام مجموعة الدعم الدولية للبنان التي تشكّل مظلة حماية لاستقرار لبنان والتي عقدت الجمعة اجتماعاً وزارياً في فرنسا في مبنى الخارجية بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس سعد الحريري الذي جدّد التأكيد على احترام القرار 1701.
لكن على الرغم من كل هذه التطمينات إلا أن ثمة من يتحدث عن تداعيات للقرار الأمريكي على الوضع اللبناني بما أنه ضرب أي إمكانية لحصول أي خرق سياسي لعملية السلام وترك انعكاساته على حق العودة ولو إلى حدود العام 1967. غير أن التوافق اللبناني على رفض التوطين يحصّن الموقف ويلغي أي تداعيات جراء هذا الملف على الوضع الداخلي وليس من شأنه التأثير على التسوية السياسية الأخيرة التي أقرّها مجلس الوزراء في جلسته برئاسة الرئيس ميشال عون وشكّلت مخرجاً لرئيس الحكومة سعد الحريري للعودة عن استقالته.