بغداد ـ «القدس العربي» ـ من صفاء ذياب: كان عام 1991 حاسماً في حياة الشاعر والمترجم حيدر الكعبي، فقد غيّر هروبه من العراق إلى مخيم رفحاء في السعودية ليبدأ مرحلة جديدة في حياته، خصوصاً بعدما هاجر إلى أمريكا عقب ذلك بمدة ليست طويلة جداً.
الهرب والمخيم والهجرة ثلاثيٌّ أثّر في شخصية الكعبي ونفسيته، وهو الذي عرف شاعراً منذ سبعينيات القرن الماضي، بدأ مرحلة جديدة من الشعر أولاً ومن الترجمة ثانياً، ومن ثمَّ عاش أسلوب حياة مغايرا لا يربطه بحياته السابقة إلا الحنين والذكريات.
الكعبي؛ على الرغم من عشقة للشعر كتابةً وحياةً، إلا أنه من الشعراء المقلين جداً، فهو ينظر لهذا الفن على أنه خاص جداً، يكتبه وقت ما يشعر أنه بحاجة ماسّة إليه، لهذا تجده لم يصدر إلا مجموعة واحدة على طبعتين، الأولى عن دار المدى في دمشق، والثانية عن منشورات اتحاد الأدباء والكتاب مؤخراً، لكن الطبعتين مختلفتان في كل شيء، فقد حذف وأضاف وغيّر، وكأنه أصدر مجموعة جديدة، لكن بالاسم نفسه. عن الحياة والشعر والهجرة، كان هذا الحوار مع حيدر الكعبي:
■ الكثير من الأدباء الذين هربوا إلى مخيمي الأرطاوية ورفحاء السعوديين إثر الانتفاضة، حاولوا تدوين مذكراتهم وما جرى لهم خلال سنوات بقائهم هناك، غير أنك ابتعدت عن هذا لترسم صورة الحرب شعراً وألماً.. ما الذي غيرته فيك تلك السنوات؟ وما الذي أضافته لك هجرتك إلى أمريكا وحياتك في بيئة غريبة عليك؟
□ ما كُتب عن رفحاء والأرطاوية قليل ولا يتناسب مع أهمية تلك التجربة. ولا شك أن هناك أسباباً موضوعية لهذا التقصير. ربما كان من بينها الانشغال بالحاضر عن الماضي. فمعظم من غادروا المخيمين وجدوا في انتظارهم مشاغل جديدة تستهلك وقتهم وتلهيهم. لكن هناك، أيضاً، عوامل (أو ذرائع) ذاتية. فبعض رفاقنا في تجربة المخيمات، مثلاً، قال لي ما معناه: «لا أريد أن أعيش الألم مرتين». علماً بأنني اطلعت على كتاب لطارق حربي، وعلى نصوص قصصية جميلة ومهمة لرياض كاظم وحسن الفرطوسي والراحل حميد العبسي وغيرهم، تتناول أو تستوحي تجربة اللجوء في الأرطاوية ورفحاء. كما كتبت أنا مقالاً تحدثت فيه عن الظروف التي رافقت إعداد أنطولوجيا (إبحار في الرمل) الشعرية التي قمت بتحريرها، إضافةً إلى بضع صفحات كتبتها كجزء من مذكرات أو سيرة روائية باللغة الإنكليزية لم أنشرها بعد. إلا أن تجربة الأرطاوية ورفحاء ما زالت تشكل مادة خاماً في ذاكرة من عاشوها، وما زالت تنتظر من يدونها. أما تجربتي في أمريكا فقد وفَّرتْ لي فرصة تعلم اللغة الإنكليزية والتعرف على حضارة جديدة مختلفة تماماً. كما سهَّلتْ عليَّ القضاء على أميتي الكمبيوترية في وقت مبكر، وبالتالي فتحت أمامي آفاقاً وإمكانياتٍ جديدة. وعلى الرغم من أنني كنت في الأربعين من العمر عند مجيئي، فقد أمكنني أن أعوض هنا عن حرماني من التعليم الأكاديمي في العراق، ونجحت بعد معاناة طويلة في التأقلم مع الوضع الجديد، وأصبحتْ لي عائلة وأصدقاء، وخف شعوري بالغربة. فالغربة- كما تعلم- أمر نسبي، وكنت عانيت منها في العراق، أيضاً.
■ عرفت شاعراً له تجربته الخاصة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، لكنك ابتعدت كثيراً عن الشعر حتى أنك أضعت الكثير من نصوصك في هجراتك الطويلة، لتخرج بعدها بمجموعة «قصف» التي تباينت قصائدها بسبب الزمن الطويل بين قصيدة وأخرى. هل هناك فلسفة خاصة في فهم الشعر؟ وكيف يمكن أن تكون بعيداً عنه وأنت تعيشه بشكل يومي؟
□ لم أحاول يوماً أن أنظّر للشعر، ولا حتى أن أفسر علاقتي المتذبذبة به. ولا شك أن لدي عاداتٍ قوية، تستمد قوتها من قدمها، تؤثر في انتظام كتابتي له. وأنا في صراع دائم مع تلك العادات، تارة أغلِبها، وتارة تغلبني. لكن هناك جانباً آخر للمشكلة (والكلام هنا يتعلق بما قبل عصرنا الإلكتروني هذا)، هذا الجانب يتمثل في الظروف التي كانت تحيط بالنشر في عراق السبعينيات والثمانينيات. كان هناك تقليد شائع (ولعله ما زال شائعاً اليوم) يتمثل في أن محرري المجلات الأدبية يستلمون النصوص المقدمة للنشر باليد من قبل كتابها مباشرة أو عبر وسطائهم. وعلى الرغم من وضوح دور العامل السياسي (الحزبي تحديداً) في تقرير ما يُنشر وما لا يُنشر، وخصوصاً في سبعينيات القرن العشرين، حين كان هناك حزبان ناشطان في العراق، أقول على الرغم من هذا فإن دور العلاقات الشخصية، وخصوصاً في النشر في المجلات، لم يكن ليقل- إن لم يزد- عن دور العلاقات الحزبية. ولا أدري كيف يمكن التوفيق بين هذا الأمر، من جهة، وبين تحكيم المعايير الإبداعية في النشر، من جهة أخرى. زد على ذلك أن الناشر العراقي التقليدي (أو النموذجي، أو الوسط، أو سمِّهِ ما شئت) يعدُّ نفسه، في معظم الأحيان، متفضلاً على الكاتب. هذه وأمثالها أعراض لوباء حضاري لا بد من تشخيصه بوضوح، أولاً، قبل أن يصبح في الإمكان معالجته. وعلى العموم، فأنا لم أنقطع عن كتابة الشعر، ولدي الآن مجموعة شعرية ثانية آمل أن أنتهي من إعدادها للنشر قريباً. ولكنْ، بالنسبة للقارئ، فإن من لا ينشر كمن لا يكتب، فكلاهما غير معروف لديه.
■ ربما كتاباتك القليلة في الشعر جعلتك تتجه لترجمته، فأصدرت أكثر من كتاب مترجم عن الإنكليزية، فضلاً عن ترجمتك نصوصاً لشعراء عراقيين إلى الإنكليزية. أين تضع ترجمة الشعر في مجال الإبداع؟ وهل يمكن أن تعوض عمّا تهرب منه بصياغات جديدة وأساليب من خارج الكتابة إلى داخل التأويل؟
□ الشعر وترجمته متلازمان، أحدهما يتمم (لا ينقض) الآخر. حتى أن بعض المفكرين يشترط أن يكون مترجم الشعر شاعراً، وأنا أميل إلى هذا الرأي، ولكن لم يخطر في ذهني أن أترجم الشعر بقصد التعويض عن كتابته، فأنا أنظر إلى ترجمة الشعر على أنها وجه من أوجه علاقتي به، وشكل من أشكال اشتغالي عليه، فالشعر شغل أيضاً، وترجمة الشعر (مثل قراءته، أو القراءة عنه) جزء من هذا الشغل. ولكن هل أن ترجمة الشعر- في أفضل حالاتها- عمل إبداعي؟ أعتقد أن الإجابة مستحيلة. لأن هناك حقائق غائبة لا بد من توفرها لكي يمكننا الإجابة. ليس لدينا معيار (أو مسطرة أو ميزان أو محرار) لقياس درجة الإبداع (أو التقليد) في العمل الشعري. وحتى لو افترضنا وجود مثل هذا المعيار، وافترضنا أننا توصلنا، بمساعدته، إلى تحديد كميات مختلفة تمثل درجات إبداعية مختلفة لنصين مختلفين أو أكثر، حتى في هذه الحالة، لن يمكننا أن نحدد بدقة النقطة التي ينتهي عندها التقليد (أو العادية) ويبدأ عندها التجديد (أو الإبداع). فإذا انتهينا من قول هذا كله، وسلمنا به، عندئذٍ فقط يمكننا الإجابة على السؤال، ما دمنا نفهم أن إجابتنا لا بد لها من أن تتصف بالكثير من العمومية والمطاطية والتقريب. والإجابة هي أن هناك درجة من الإبداع في ترجمة الشعر تختلف كمياً- إلى حد الاختلاف النوعي- عن درجة الإبداع في كتابته. هذا من جهة. أما من جهة أخرى، فهناك درجة للإبداع في ترجمة الشعر تختلف كمياً- إلى حد الاختلاف النوعي، أيضاً- عن درجة الإبداع في ترجمة الوثيقة، أو كراسة التدريب العسكري، أو التعليمات المتعلقة بكيفية إدامة الثلاجات، مثلاً، أو نشرة الأخبار، أو إفادات الشهود، أو ما أشبه. وأنا لا أستطيع أن أضمن، لدى ترجمتي قصيدة ما، ألا أضع شيئاً من نفسي فيها.
■ في كتابك الأخير «أعمدة النيران الخضراء» قدمت أنطولوجيا للشعراء الذين قتلهم النظام السابق. كيف يمكن فهم العلاقة بين الموقف والإبداع؟ وهل هناك إبداع واتباع طردي أم العكس؟
□ سؤال صعب، لكنه يفرض نفسه، ولا بد من محاولة للإجابة عليه. ترى هل ينبغي الاحتكام للموقف الأخلاقي في تقييمنا للشاعر؟ أم ينبغي الاحتكام للقيمة الإبداعية لعمله؟ المؤكد هو أن النوايا الحسنة لا تصنع شاعراً. فلا شيء يشفع للشاعر إذا كان فقيراً من الناحية الفنية أو الإبداعية. فتقييم الموقف السياسي أو الأخلاقي للشاعر لا يأتي إلا بعد الانتهاء من تقييم الجانب الفني. فنحن نفترض في الشعراء الذين نُدخلهم في حسابنا مستوىً فنياً معيناً. وهذا يسري على كتاب «أعمدة النيران الخضراء». فالشعراء الذين ضمهم الكتاب، كانوا جميعاً، رغم تفاوتهم الشديد في كل شيء، على مستوى من النضج الفني واللغوي يؤهلهم لأن ينالوا حظهم من القراءة النقدية المنصفة، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن معظمهم قتل وهو في مقتبل العمر. إن الشكل والمضمون متلازمان، فـ»الشعراء» الذين كانوا يتملقون الديكتاتور ويطبلون لحروبه، مثلاً، لم يثيروا لديّ سوى القرف. لكن الوحدة بين الشكل والمضمون ليست مطلقة. فهناك شعراء مجددون وعلى درجة عالية من الحرفية تبنَّوا أفكاراً بالية، أو لا إنسانية، أو شريرة، مثل تي. أس. إليوت الذي قال مرة: «أنا أنغلو- كاثوليكي في الدين، كلاسيكي في الأدب، وملكي في السياسة». ومثل إزرا باوند الذي انتقل إلى إيطاليا حين اندلعت الحرب العالمية الثانية ووقف إلى جانب موسوليني وهتلر.
■ بعيداً عن الشعر، انهمكت في ترجمة كتاب «شعرية التأريخ الإسلامي»، ما الذي أثارك في هذا الكتاب لتتجه من الشعر إلى البحث؟ وما الطرائق التي حاولت نقل هذا الكتاب من خلالها إلى العربية؟
□ لك كل الحق في أن تسأل هذا السؤال لأنني لم أبدِ اهتماماً بالتاريخ من قبل، ولم أنشر بحوثاً نقدية أو غيرها. (الواقع أنني كتبت ونشرت بحوثاً ودراسات باللغة الإنكليزية، ولكنك تتحدث عن العربية كما أظن). أما بالنسبة لكتاب «شعرية التأريخ الإسلامي» فقد بدأ الأمر بأن اتصلتْ بي دار الجمل وعرضتْ علي ترجمة الكتاب المذكور فطلبت وقتاً لكي أطلع عليه أولاً. وحين انتهيت من قراءته وافقت على ترجمته. أما لماذا وافقت فلأنني وجدت الكتاب جديراً بالترجمة، لأنه يتناول تاريخ الطبري من زاوية نظر جديدة، وذلك باستخدام أدوات النقد الأدبي في تحليله. وقد سبق لي أن كتبت بحثاً باللغة الإنكليزية هو جزء من رسالتي للدكتوراه عملت فيه نوعاً من المقاربة بين نصوص تاريخية تتعلق بحروب معينة وبين أعمال روائية أمريكية تدور حول تلك الحروب ذاتها. وقد خلصت فيه إلى الاستنتاج أن الحدود الفاصلة بين ما يسمى بالأعمال الخيالية أو الإبداعية وما يسمى بالكتابات التاريخية هي حدود مضببة وغير مطلقة. ولو كنت اطلعت على «شعرية التاريخ الإسلامي» قبل كتابتي الرسالة لما ترددت في استعماله كواحدٍ من مصادري. ومن بين آراء مؤلف الكتاب رأي مفاده أن الباحثين الذين يعتقدون أن العرب لم يتوجهوا «نحو السرد على نطاقٍ واسع، أو نحو الدراما» هم مخطئون، وأن اعتقادهم هذا «مبني على مفهوم ضيق نوعاً ما للأدب». ويضيف المؤلف قائلاً: «ولكن إذا ألقينا الشبكة على مساحة أوسع «فسنجد في التأريخ أكبر عيّنة من الأدب الدرامي أنتجها الإسلام الكلاسيكي». والمؤلف يقترح ضمناً توسيع مفهوم الشعرية ليشمل بعض الأعمال التاريخية أيضاً، كما يدل عنوان الكتاب. ولهذا فلا أظنني ابتعدت كثيراً عن الشعر في ترجمتي لهذا الكتاب. أما الطريقة التي اتبعتها في ترجمته فقد شرحتها بالتفصيل في مقدمتي له. وهي تتلخص في أنني حاولت (ولا أعرف إلى أي درجة نجحتُ، طبعاً) أن أراعي طبيعة كل من اللغتين المترجم عنها والمترجم إليها، وألا أقسر الأخيرة على أن تخضع لقوانين الأولى بحجة «الأمانة» للأصل. وبالنسبة للاقتباسات ذات الأصل العربي،، سواء كانت للطبري أو غيره، وهي لا تحصى، أعدتها إلى أصلها العربي حرفياً، بدلاً من ترجمة الترجمة، باستثناء الحالات التي اكتشفت فيها خطأً في الترجمة الإنكليزية، ففي هذه الحالة أوردت النص الأصلي العربي، وإلى جانبه ترجمتي لترجمته الإنكليزية، وعلقت على ذلك حاصراً تعليقي بين قوسين معقوفين.
■ أين يقيم حيدر الكعبي في مجالات إبداعه الآن؟ وما الجديد الذي تشتغل عليه؟ وما المغاير فيه؟
□ كما ذكرت أعلاه، لدي مخطوطة مجموعة شعرية ثانية قد أنتهي من إعدادها للنشر في غضون بضعة أشهر. سيكون اختلافها عن مجموعتي الأولى هو أنها تتكون أساساً من أربع قصائد نثر طوال، ثلاث منها سبق نشرها في فترات زمنية متباعدة. ولدي أيضاً نصان سرديان، هما أقرب إلى المذكرات القصصية، قد أجمعهما في كتاب صغير، وهذا تقريباً كل شيء. ليست لدي النية للقيام بالمزيد من الترجمات.
لكن عندي أعمالاً مخطوطة باللغة الإنكليزية تشكل الكم الأكبر من شغلي المتأخر، وهي تتوزع على محورين، أولهما مخطوطة سردية طويلة أشبه بالرواية المذكراتية، تتكون مما يشبه اللوحات القصصية العديدة التي ينتظمها محور واحد وشخصيات مشتركة. وقد نشرت حتى الآن فصلاً واحداً منها. وأظنني سأحتاج إلى وقت طويل وظروف عمل مثالية لكي أتمكن من تهيئتها للنشر. أما المحور الآخر فيتمثل في مجموعة مقالات ودراسات أدبية نشرت منها ثلاثاً حتى الآن، وهي الأخرى تتطلب شغلاً كثيراً لتصبح صالحة للنشر.