حينما تقع قناة «رؤيا» في خطأ التقليد … إعلامي كويتي معفر بغبار «داحس» و«حفر الباطن»

حين تضع هواة بلا أدنى ثقافة مهنية، وغير مسلحين بالمعرفة الدرامية في موقع الإنتاج الدرامي، مدعومين فقط بصاحب رأس المال المراهق، فإنك ستحصل بالضرورة على منتج مثل ما أنتجته قناة «رؤيا» من فقرة تلفزيونية سخيفة جدا، فتحت عليها عش الدبابير، خصوصا في محيط محتقن أصلا، فيه جيوب الإنفصام النفسي والديني والوطني ويحمل كل العقد النفسية الشرق أوسطية في داخله.
«رؤيا» قدمت فقرة اعتقدت أنها ساخرة فمسخرت نفسها.. مضمونها فتاة تقرأ للأطفال قصصا قبل النوم. فتبدأ بالسرد لتتعثر بمواقف في القصة ذات ايحاءات جنسية واضحة!
فتتوقف عن السرد في كل تعثر جنسي وتقلب الصفحات بحثا عن قصة مناسبة.
الفقرة منسوخة حتى بالقصص ومعربة عن «سكتش» مماثل لبرنامجMonty Python وليس فيه أدنى ابداع في النقل.
الضجة التي تعصف بقناة فضائية «مميزة» مثل «رؤيا» جاءت بعد عرضها لفقرة اعتقد القائمون على الأمر في القناة أنها فقرة كوميدية.. وهي في الحقيقة كوميدية في نسختها الأصلية وبين جمهورها الأصلي ذي الذائقة المختلفة بحكم التكوين، فالفقرة مسروقة من برنامج كوميدي أنتجته «بي بي سي» العريقة عام 1969، وهو برنامج له طاقم كبير من الكتاب الذين كانوا يملكون الاحترافية والمعرفة والمهنية التي تؤهلهم لخوض غمار الكتابة الكوميدية المناسبة لمجتمعاتهم.
لم يخطر لكاتب ومــــؤلف تلك الفقــــرة الكوميــــدية الإنكلــيزي في ذلك الوقت، أن غلمانا مراهقين في المهنية والمعرفة سيسرقون فقـــرته بعد تعريبها لتصبح تلك الفقرة تحديدا، وبعد سنوات طويلة قميص عثمان الذي يتعلق بأهــــدابه الممزقـــة محتقـــنون وطائفيون وشوفينيون يطالبون بغلق القناة كلها، ولأسباب مربوطة بتهم أكبر من الفقرة ذاتها.
قناة «رؤيا»، قناة متميزة منذ ظهورها بفضاء حرية أكبر من التلفزيون الرسمي في الأردن، وبرامجه الحوارية التي يقدمها شكلت علامة فارقة في إعلام تلفزيوني راكد ومحشور بين محطة رسمية متقوقعة في الرعب الأمني، أو محطات خاصة أشبه بدكاكين الحواة وصناديق عجائب فيها كل العجب!!
لكن، تلك القناة المتميزة ما زالت محكومة بمزاجية صاحب رأس المال، والذي وجد في برامج الترفيه ميدانا لمواهبه ومواهب أصدقائه فكانت الكارثة.
الفقرة وللتوضيح، ليست موجهة للأطفال، وهي أيضا بحكم الاستنساخ المشــــوه ليست للكــــبار أيضا، بل فقرة سخيفة جدا، لا تحمل أي ذكاء في النكتة ولا لذعة في السخرية..مجرد حشو فاضي بإيحاءات جنسية في فضاء عربي متخم بالحشو الجنسي أصلا، وعلى الإدارة في القناة أن تلتفت لعملها الإداري وتترك المهنة للمهنيين.. فقط لا غير.

جنوح الفضائيات لتقليد البرامج الغربية

فكرة تقليد برامج غربية فكرة ليست جديدة، ولا هي حكر على الفضاء العربي، والإبداع بحد ذاته هويته عالمية، وعليه فليس معيبا نقل الأفكار وتناقلها في الإنتاج المبدع، لكن، من الضروري أن يكون النقل ذكيا وبأيدي مهنيين ذوي معرفة.
كانت «أم بي سي» ولا زالت سيدة فضائيات الإستنساخ، سواء في حقوق بث برامج عالمية أو في استنساخ أفكار برامج كوميدية، وقد قامت قبل سنوات بنقل فكرة أحد أشهر برامج الاسكتش الكوميدي من أمريكا، وهو برنامج Saturday Night Live لتحوله إلى برنامج CBM بعد قلب حروف اسم القناة.
التجربة لم تكن بحجم البرنامج الأصلي، لكنها وجدت جمهورها، وذلك لوجود نجوم عرب كوميديين، حملوا البرنامج على أكتاف شهرتهم.. لا أكثر.
طبعا، هناك طواقم عمل محترفة في المحطة، وهي بالتأكيد لن تقوم بحماقات غير محسوبة، مثل إنتاج فيلم «تايتانيك» مثلا، فالبحث عن جبل جليدي في وسط محيط حول الربع الخالي بحد ذاته مشكلة!! إلا إذا فكر المنتجون بتحويل فكرة السفينة كلها إلى أحداث تجري في باص نقل عام.. جنح في وسط الشارع العام!

حروب فضائية بامتياز

فكرة المؤامرة قديمة في العالم العربي، وكان أسهل مكان تتعلق به، هو الإعلام العربي، خصوصا التلفزيوني والفضائي تحديدا.
شخصيا، أنا من المؤمنين بالأجندات، ولكل محطة فضائية أجنداتها الخاصة، أما ارتباطها بقوى خفية غامضة، فهو ما لا أستسيغه عموما.. لكن أؤمن أن السياسات العالمية تتدخل طبعا، بدون تآمر، فالجميع راض ويقبل ويشاهد ويتفاعل، مما يضع المؤامرة على الرف.
هناك حروب فضائية بامتياز، حتى في قضية اللاجئين الأخيرة في أوروبا، كانت لغة الإعلام العربي متفاوتة ومختلفة حسب المحطة وأجندات مالكيها!!
وبالمناسبة لا توجد محطة في العالم كله مملوكة للسيدة حرية.. لأن السيدة حرية شخصية غير اعتبارية وغير موجودة أساسا.
في قضية اللاجئين، كانت قنـــــاة «العربيـــة» ميالة لإبراز كل هذا الحنان الأوروبي خصوصا الألماني، بينما كانت «الجــــزيرة» تــرى في كل هذا الحب الأوروبي ذئبا يتنكر في ملابس الجدة حسب القصة الشهيرة.
المحطات العربية عموما، بكل أجنداتها المختلفة في ما بينها، اتفقت جميعا على غض النظر عن سؤال واحد فقط: أين الدعم العربي؟ ماذا عن مفهوم الأمة العربية والأخوة؟ لماذا لم تستقبل دول الخليج العربي ولو جزءا من هؤلاء اللاجئين؟

عبقرية العقيد والغباء الألماني!

وفي ذات السياق، أعلنت الكويت بأضعف الإيمان لديها، وهو إعلان مشكور بكل الأحوال، أنها لن تعمل على ترحيل أي سوري تنتهي مدة إقامته القانونية!
لكن، في الكويت نفسها.. يخرج إعلامي لا يزال يحمل في رئتيه غبار «داحس» و»حفر الباطن»، ليبرر لماذا لا تستقبل دول الخليج اللاجئين السوريين؟ لينتهي إلى أن هؤلاء موتورون وعصبيون والمجتمع الخليجي غير مناسب لهم!!
فهد الشليمي، وهو عقيد «ركن» متقاعد ارتأى في نفسه مفكرا قوميا.. برر أن دول الخليج غالية ومكلفة، ويضيف لا فض فوه، أنها تصلح للعمل فقط!!
طيب سيادة العقيد الركن المتقاعد، ها هم في قارة رخيصة وغير مكلفة، ولا يعمل فيها احد!! أوروبا وتحديدا المانيا المعروفة بأنها بلاد العاطلين عن العمل، وتعيش على ثرواتها الطبيعية وفيها فائض ترغب بتوزيعه على هؤلاء القادمين إليها.
نعتذر لكم، فربما بعجالتنا تلك، قمنا بتعطيل إنتاجكم الصناعي الضخم.. والعمل الذي لا يتوقف!! أو أثرنا على نفسيات مكتملة الصحة.. غير موتورة و محبة للإنسانية بلا حدود إطلاقا.
وصدق من قال: هم يضحك وهم يبكي.

كاتب واعلامي اردني يقيم في بروكسل

مالك العثامنة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية