حين تتحول إلى عمل تمثيلي بين متعة القراءة وجمال المشاهدة… الرواية درامياً

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي» من صفاء ذياب: لم تنقطع العلاقة بين الرواية والسينما منذ أول فيلم سينمائي أمريكي في مطلع القرن الماضي، كما أن هذه العلاقة كانت حاضرة بقوة في السينما العربية، المصرية على وجه الخصوص، مع فيلم «الوردة البيضاء» لمحمد عبد الوهاب، وصولاً إلى اليوم.
هذه العلاقة التي أعدت من خلالها أعمال نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويونس السباعي وغيرهم للسينما.
غير أن العلاقة توطدت أكثر مع إعداد روايات عربية وعالمية للأعمال الدرامية، فكانت ثلاثية نجيب محفوظ هي الأشهر، ومن ثمَّ رواية «لن أعيش في جلباب أبي»، وهكذا حتى أنتجت في رمضان هذا العام روايتان مهمتان هما «أفراح القبة» لنجيب محفوظ، و»ساق البامبو» لسعود السنعوسي الحائزة جائزة البوكر العربية لعام 2012.. فما الذي يراه القارئ في الأعمال الروائية التي تحولت إلى أعمال درامية؟ وهل تختلف متعة قراءة الرواية بعد مشاهدتها مجسدة على الشاشة؟

سحر الرواية

الناقد السينمائي العراقي علاء المفرجي يرى أنه لاشك أن العلاقة ملتبسة بين الرواية، أو بشكل أعم العمل الأدبي والشاشة، ولم يتم الاتفاق عليها بين المشتغلين في المجالين للتباين، فاللغة في حالة الرواية تفتح آفاقاً واسعة أمام الخيال، فالقارئ يجسد ما يقرؤه في خياله بحرية تامة من الصور والأفكار التي يشكلها في ذهنه أثناء القراءة، وهنا لا يكون الخيال مقيداً في الاحتمال والتفكير، خلاف الشاشة حيث يكون الاختيار للمخرج متاحاً.
ويعد المفرجي مسلسل «أفراح القبة» أهم معالجة على الشاشة لعمل من أعمال نجيب محفوظ على الإطلاق، ومن ثمَّ لفتت أنظار الكثير لهذه الرواية، أما «ساق البامبو» فقد سبقت شهرتها كرواية فازت بجائزة البوكر العربي..
ومن وجهة نظر المفرجي فإن الأمر لا يتعلق بمتعة الرواية أو مشاهدتها على الشاشة، قدر تعلق الأمر بصلاحيتها للمعالجة أم لا… فالشاشة خذلت رواية «العطر» لزوسكنيد، و»شيفرة دافينشي» لدان بروان، والمعالجة الإبهارية إن صحت التسمية لـ»هاري بوتر» جعل القراء يتجمهرون أمام المحلات لاقتناء الجزء الجديد من الرواية… هناك أعمال روائية منحتها الشاشة الشهرة والخلود، وجعلت القراء يندفعون لاقتنائها مثل «الفراشة»، وهناك أعمال روائية خالدة خذلتها الشاشة.. فمتعة قراءة الرواية لا يمكن أن تفسدها معالجة الشاشة مهما يصيب المعالجة من نجاح، فالرواية لها سحر خاص.

مجازفة الدراما

ويشير الكاتب المصري خالد عاشور إلى أن فيلم «الكيت كات» للمخرج داوود عبد السيد والمأخوذ عن رواية «مالك الحزين» كان سبباً في شهرة الرواية لروعته واختلافه عنها في الكثير.. وهو ما حدث هذا العام في الدراما التلفزيونية التي أخذت عن نصوص أدبية، فأول هذه الأعمال هو مسلسل «أفراح القبة»، إذ تأتي أحداث المسلسل بصورة مختلفة عن الرواية… هناك اختلاف واضح ومتميز يحسب للمخرج والسيناريست… يتداخل الاثنان، الرواية والمسرحية… ويظل السؤال قائماً يطرحه مسلسل «أفراح القبة». الحقيقة هل هي ما يعرض على المسرح؟ أم أن الحقيقة هي ما تحدث خارج خشبة المسرح في الحياة؟
ويبين عاشور أن هناك أربع شخصيات محورية يدور بينهم الصراع في المسلسل (المسرحية)، لكل منهم تركيبته النفسية التي أبدع نجيب محفوظ وزاد إبداع محمد ياسين في وصفها من خلال الجمل الحوارية، وإبراز الصراع المختلف بينهم، خاصة أنك قد ترى الصراع من عدة زوايا مختلفة من وجهة نظر كل شخص. ويؤكد عاشور أننا أمام عمل درامي بامتياز، يستحق ان يحتل مرتبة متميزة في الدراما الرمضانية هذا العام. الموسيقي التصويرية لهشام نزيه هي الأروع بين المسلسلات المصرية هذا العام والأكثر تعبيراً وجمالاً عن عمل أنيق كبير يتميز بتتر أكثر روعة بين تترات الأعمال الرمضانية هذا العام.
العمل الثاني- بحسب عاشور- هو «ساق البامبو» الذي يعده مسلسلاً جميلاً ومخرجه وهو البحريني محمد القفاص يمتلك من الأبداع والموهبة ما يجعل هذا العمل الدرامي عملاً مهماً يناقش فيه مشكلة العمالة الأجنبية ومشاكلها مع الكفيل، أو مع مواطني دول الخليج عموماً، وعلى الأخص في الكويت.. المسلسل يحكي عن خادمة فلبينية مسيحية الديانة تزوجت من مخدومها الكويتي مسلم الديانة سراً وأنجبت منه ولدا وعادت به إلى الفلبين ليعيش الطفل حياة الفقر حتى كبر وحدث غزو الكويت ليعود إلى أهل أبيه في الكويت… كان الموضوع الرئيس هو الشتات والحيرة بين وطنين وبين ديانتـــين، والمخـــرج أجاد في أن يكون مختلفاً ومتميزاً عن خط الروايـــة… غير أن العقبة الوحيدة فـــي المسلسل هي اللغـــة الكويتـــية الصعبة على المشاهد المصري والمغرب العربي… الموسيقي التصويرية للعمل من أبدع ما يكون، للموسيقي البحريني أيضا جمال القائد ومعالجة درامية وسيناريو المصري رامي عبدالرازق.. المسلسل يضع الكويت على أولى خطوات الدراما المتميزة والناجحة… عن رواية كاشفة وصريحة للروائي الكويتي الشاب سعود السنعوسي.. وأغنية معبرة لعباد الجوهر وتتر متميز صنع بمهارة وعبقرية.

أدوات جمالية

الروائي عبد الهادي سعدون يرى أنه من الضروري التأكيد على أن العمل الأدبي يختلف جذرياً عن العمل الدرامي، وتحويل رواية إلى مسلسل تلفزيوني أو فيلم ينقله من حالة إلى حالة أخرى، فالكلمة هي غير الصورة، وإن تلاقت الأدوات الإبداعية في مسار واحد، إلا أنها تتفرع وتختلف في المنهج والتناول والصياغة. لذلك تكون قراءة الرواية والعمل القصصي بعيدة جداً في المذاق والمتعة والتفكير عن رؤيتها مجسدة على الشاشة. هذا لا يلغي أهمية العمل الدرامي، خاصة تلك الأعمال التي ترقى بالعمل الحكائي إلى مستويات أخرى، أي ترفع من قيمته أو تصل لقيمته الأدبية وبالتالي تعمل على الترويج له وعودة المشاهد للبحث عن النص القرائي للتمتع به بصيغة أخرى.
ويضيف: كل حالة إبداعية لها صورتها وخصوصيتها، وليس بالضرورة نجاح عمل روائي معناه نجاحه على الشاشة، والعكس جائز أيضاً بنجاح عمل درامي على الشاشة مقابل رداءة الكتاب الروائي مثلاً… على أي حالة كل عمل له متابعوه، وهو في كل وضع يخدم العمل الإبداعي. «أنا شخصياً أميل للتفريق ما بين الاثنين، فالقراءة عندي عالم آخر له خصوصيته ومتعته التي تفوق كل المتع الحسية حتى تلك التي تجيء من السينما والتلفزيون، ولكنني مع ذلك أستمتع بالأعمال الدرامية تلك التي تشدني بتكوينها الخاص وحتى خروجها عن النص المنقولة منه، وهذا ما أسميه الإبداع بتناول نص وتحويره وتحليله وفق الذائقة البصرية والأدوات الجمالية في النمط الدرامي التلفزيوني منه والسينمائي».

الرواية والقراءة

في حين كان الكاتب الفلسطيني- السوري أوس داوود يعقوب سعيداً لانتصار الرواية العربية درامياً في هذا الموسم الدرامي الرمضاني، سواء تلك التي كتبها نجيب محفوظ قبل 35 سنة «أفراح القبة» أو رواية «ساق البامبو»، فالعملان حظيا بالمتابعة الجماهيرية والاهتمام من قبل النقاد لما تمتعا به من فنية عالية سواء الإخراج الرائع أو السيناريو الجيد أو السينوغرافيا المميزة وجماليات الديكور، وباعتقاد يعقوب، فإن مثل هذه الأعمال إن توفرت لها إمكانيات درامية جيدة فإنها تخدم النص الروائي، فالرواية- أي رواية كانت وأياً كان كاتبها– لا يطبع منها في أعظم الحالات في وطننا العربي أكثر من 5000 نسخة (السائد دائما ألف نسخة)، ما يعني أن عدد قرائها لن يزيد عن العشرة آلاف قارئ بكل الأحوال، بينما تحويل الرواية إلى مسلسل تلفزيوني يمنحها الكثير من الانتشار ويخدم النص وصاحبه، وفي أحيان كثيرة يبدأ المشاهد في عملية البحث عن الرواية ليتعرف أكثر على عوالم الكاتب، أنظر الآن إلى مواقع التواصل الاجتماعي كيف بدأ الناس يبحثون عن رواية صدرت في بداية الثمانينيات «أفراح القبة» لاكتشاف عمل كان «مغموراً» لمحفوظ لولا دراما رمضان 2016.

مواقع مختلفة

فيما يؤكد الكاتب اللبناني محمد ناصر الدين على أن ظاهرة تحويل الأعمال الدرامية والرواية ليست بالأمر الجديد عالمياً وعربيا، من أعمال البرتو مورافيا في الفيلم البديع للمخرج الفرنسي جون لوك غودار، إلى رواية «اسم الوردة» لامبرتو ايكو، وهي رواية ثقافية بامتياز يدور فيها جدل قوي حول التنوير والتعصب، والهزل والجد، وقد نجح الفيلم في توصيل رسالة الرواية إلى النسبة الأكبر من المشاهدين.
أما على الصعيد العربي، فيبين ناصر الدين أن الدراما المصرية كانت سباقة في تحويل أعمال كبيرة لروائيين مصريين وعرب، من نجيب محفوظ، إلى إحسان عبد القدوس، وصنع الله إبراهيم وغيرهم إلى مسلسلات درامية تصدرت وعينا التلفزيوني لفترة طويلة، من «ليالي الحلمية»، مرورا بـ«لن أعيش في جلباب أبي»، إلى «ذات» وغيرها. الدراما السورية ساهمت بدورها في تحويل أعمال محمد الماغوط، حنا مينا، وغيرهما في قالب من الكوميديا السوداء، سواء في مسرحيات دريد لحام ومسلسلات عرضت على الشاشة الصغيرة، أو في «نهاية رجل شجاع»، كما أن السينما الفلسطينية تعاملت مع روايات غسان كنفاني وإلياس خوري بالبعد القومي والنضالي في ما يخص فلسطين، قضية العرب المركزية. الأمثلة كثيرة على امتداد العالم العربي، بجناحيه المغربي والمشرقي. فالرواية فن التفصيل، والتقاط الحياة اليومية، والسرد الذي لا تغيب عنه الحبكة والتشويق: «أستمتع عادة بالرواية من موقعي كشاعر، لأن الشعر يبحث عادة عن المطلق، ويجد ضالته في تحويل اليومي والعادي إلى قلق واتصال بالغيب، أجد في الرواية ما لا أجده في الشعر. حين تتحول الروايات إلى الشاشتين الكبيرة أو الصغيرة، عادة ما يختفي الكاتب خلف نصه، ليأخذ المخرج حصة البطل في تظهير الرواية في قالب بصري، تختفي فيه أحياناً بعض التفاصيل لمصلحة تفاصيل أخرى، ويلعب الممثلون الدور الكبير أداءً ونقلاً لروح الرواية وأجوائها». موضحاً أنه لا يمكن تخيل رواية كبيرة مثل «زوربا» بدون أنطوني كوين، أو فيلم «الاحتقار» لمورافيا دون مخرج مثل غودار أو ممثلة مثل بريجيت باردو. عربياً أيضاً، وجود مخرجين كبار مثل يوسف شاهين، وممثلين مثل يحيى الفخراني، عزت العلايلي، دريد لحام وغيرهم يعطي الأعمال المستندة إلى روايات زخماً كبيراً، لقوة أداء هذه الشخصيات، وامتلاك هذه الأسماء لخلفية ثقافية أتاحت التعامل مع الأعمال الكبيرة بما يليق بها من أداء محترف.
ويخاف ناصر الدين؛ أحياناً، على الأعمال الكبيرة من أداء متواضع غير محترف، وقد وقعت الدراما اللبنانية مثلاً في مطبات عديدة عند تحويل أعمال عظيمة إلى الشاشة، من دون امتلاك رؤية واضحة وإمكانات وخبرة.

نقاط التقاء

في حين يقول الكاتب السوداني عبد اللطيف حسن إنه لا شك أن المتعة التي تمنحنا لها القراءة هي كبيرة جداً إذا ما قورنت ببقية المتع الأخرى، هذه نقطة أولية، يتمنى أن لا تكون مبنية على التعصب للكتابة، فعين الرضا عن كل عيب كليلة.
النقطة الثانية: هي مقدرة السينما كفن مرئي ومسموع وسحرها الكبير ونفوذها الطاغي بتنوع تقنياتها وتعددها الصورة، الحركة، الأضواء الظلال، الإيحاء، الصوت، وبقية التقنيات الأخرى التي أزاحت بها السينما المسرح عن عرش الفنون وحلت محله في كثير من الأحيان.
مضيفاً أن من أكثر الأشياء التي استوقفته فيلم «العطر» المأخوذ من رواية باترك زوسكيند «قصة قاتل»، رغم براعة المخرج اللامحدودة في تكيف النص الروائي وإتقانه الشديد في صياغة المشاهد، «إلا أنني شخصياً فقدت جزءاً من المتعة التي صنعتها قراءتي السابقة لرواية في ذهني، تلك الحرية في صناعة المسرح الذاتي، وتخليقه داخل الذهن الفسحة التي انحسرت بتجميدها في الصور والمشاهد». في القراءة كانت عين الإحساس اللاقطة حواس الشم المضاعفة في أنفي رغم المتعة التي جنيتها من مشاهدة الفيلم إلا أنني كنت أكثر استمتاعاً بقراءة الرواية. القراءة تمنحك متعة التنقل الحر في المكان، والزمان، متعة الخلق، والتشكيل، والتخييل، ورسم الصور في ذهنك إذا كنت تشاهد في الشاشة ومحكوم بلقطات ومشاهد بعينها مجمدة فيمكنك في حالة القراءة أن تكون حراً في إنشاء مئات المسارح غير المجمدة رغم سحر السينما وجاذبيتها..
أما فيما يختص بتحويل النص الروائي إلى نص درامي، فقد يكون هنالك جناية كبيرة تلحق بالنص الروائي، من وجهة نظر حسن، وتاريخ السينما حافل بالأعمال الروائية التي تم القضاء عليها تماماً عندما تم تحويلها إلى أفلام أدناها تحوير الحوارات الرئيسة وأحياناً إلغاء واختصار التفاصيل المهمة، والأسوأ من ذلك كله هو سلطة السيناريست والمخرج اللامحدودة والإلزامية التي لا مفر منها في الحذف والتعديل والتصرف في النص الروائي التي قد تتم بصورة انتقائية بإقصاء بعض التفاصيل المهمة والجوهرية التي لا يكتمل العمل إلا بها، واختصار تفاصيل ثانوية لا غنى عنها أيضاً، وهذا يشوه الفكرة كثيرا ويضعفها، «أقول هذا رغم أن هذا العصر عصر الصورة بامتياز، بسطوتها وطغيانها وامتلائها بالدلالات الموحية وقدرتها الكبيرة على التعبير والنفاذ وتأثيرها الكبير في عالمنا، ربما ما سبق يفسر موقف ساراماغو من السينما ورفضه تحويل روايته «العمى» إلى فيلم بعبارته الذائعة (إن السينما تقوم بتشويه وتسطيح الخيال) وتبقى هنالك استثناءات كثيرة لأفلام عظيمة..

حين تتحول إلى عمل تمثيلي بين متعة القراءة وجمال المشاهدة… الرواية درامياً

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية